لم يعد التضييق على المجتمع المدني في شمال إفريقيا يتم دائماً عبر قرارات حظر صريحة أو إغلاق مباشر للمنظمات، بل بات يأخذ أشكالاً أكثر تعقيداً وتدرجاً، تبدأ من القيود الإدارية، وتعقيد إجراءات التسجيل، والتشكيك في التمويل، والملاحقات القضائية، والضغط على الإعلام، وصولاً إلى خطاب رسمي يصوّر العمل المدني المستقل بوصفه تهديداً للأمن أو السيادة أو الاستقرار.
وتكشف دراسة صادرة عن فريق الدراسات والأبحاث بمنصة “صفر” بعنوان: “الفضاء المدني تحت الضغط في شمال إفريقيا.. تونس نموذج” أن المنطقة تشهد نمطاً متصاعداً من انكماش المجال العام، لا يقوم بالضرورة على إلغاء المجتمع المدني من الناحية القانونية، بل على جعله أقل قدرة على العمل بحرية وأمان وتأثير.
وتضع الدراسة تونس في مركز التحليل، باعتبارها نموذجاً انتقالياً كان يُنظر إليه بعد عام 2011 بوصفه الأكثر انفتاحاً في المنطقة، قبل أن يشهد خلال السنوات الأخيرة مؤشرات متزايدة على تراجع الحريات المدنية والإعلامية.
تونس نقطة انطلاق
تكتسب الحالة التونسية أهمية خاصة لأنها لا تمثل نموذجاً مغلقاً منذ البداية، بل تجربة انتقالية شهدت حضوراً قوياً للمجتمع المدني والنقابات والمنظمات الحقوقية والإعلام المستقل بعد عام 2011.
غير أن الدراسة ترى أن التحولات التي أعقبت عام 2021 كشفت هشاشة هذا النموذج، مع تصاعد القيود على المنظمات والصحفيين والنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان.
وتشير الدراسة إلى أن دعوة مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، السلطات التونسية إلى إنهاء التدابير القمعية ضد المجتمع المدني والإعلام، أعادت تسليط الضوء على تحولات مقلقة في بلد كان يُنظر إليه لسنوات باعتباره إحدى التجارب الأكثر انفتاحاً في شمال إفريقيا.
الأزمة لم تعد تُقرأ باعتبارها قرارات إدارية متفرقة، بل بوصفها نمطاً متسعاً من التضييق يمس المجتمع المدني والإعلام والقضاء والمعارضة والنشطاء.
وتخلص الدراسة إلى أن أخطر ما يواجه الفضاء المدني في شمال إفريقيا لا يتمثل فقط في الإغلاق المباشر، بل فيما تسميه “الإغلاق التدريجي”، ويعني ذلك أن تبقى المنظمات مسجلة قانونياً، والصحف قائمة، والنشطاء قادرين على التعبير في حدود معينة، لكن داخل بيئة تجعل العمل المدني محفوفاً بالمخاطر، ومكلفاً إدارياً، ومهدداً قانونياً.
وتلخص الدراسة الفكرة المركزية بعبارة لافتة: “لا يُغلق الفضاء المدني دائماً بإغلاق الأبواب، بل بتضييق الممرات المؤدية إليه”، فالدولة لا تحتاج في كل مرة إلى حل جمعية أو حظر صحيفة؛ إذ يكفي أن تتحكم في الترخيص، أو تعطل التمويل، أو تفتح تحقيقاً إدارياً، أو تلاحق صحفياً، أو تطلق خطاباً يشكك في وطنية المجتمع المدني، حتى يصبح المجال العام أقل قدرة على الرقابة والمساءلة.
أدوات التضييق
ترصد الدراسة مجموعة من الأدوات التي تستخدم لتضييق الفضاء المدني بصورة تدريجية، في مقدمتها تعقيد إجراءات التسجيل والترخيص، ما يحول الوجود القانوني للمنظمات إلى مسار غير مستقر.
كما تبرز القيود على التمويل الأجنبي بوصفها أداة مركزية، إذ ينتقل النقاش من الشفافية المالية إلى التخوين السياسي، وربط المنظمات بالتدخل الخارجي أو تهديد السيادة.
وتشمل الأدوات أيضاً التحقيقات المالية والإدارية المتكررة، التي قد تُستخدم لإنهاك المنظمات وإبقائها في وضع دفاعي دائم، كما تلعب الملاحقات القضائية دوراً مؤثراً، ليس فقط عبر الأحكام النهائية، بل من خلال الاستدعاءات، والتحقيقات، والمنع من السفر، وتجميد الأموال، وطول الإجراءات، وهي ممارسات قد تتحول إلى عقوبة بحد ذاتها حتى قبل صدور أي حكم.
وتحذر الدراسة من توسع استخدام قوانين الأخبار الكاذبة والتشهير والجرائم الإلكترونية والأمن القومي والنظام العام، باعتبارها أدوات قد تُستخدم ضد النقد السلمي والعمل الحقوقي والصحافة المستقلة.
الإعلام في قلب الأزمة
لا تفصل الدراسة بين استهداف المجتمع المدني واستهداف الإعلام، إذ ترى أن الإعلام المستقل هو القناة التي تصل عبرها تقارير المنظمات وشهادات الضحايا وتحليلات الحقوقيين إلى الجمهور.
وعندما يتعرض الصحفيون للملاحقة أو تضطر المؤسسات الإعلامية إلى الرقابة الذاتية، فإن ذلك لا يضعف حرية الصحافة فقط، بل يقلص حق الجمهور في المعرفة ويحد من قدرة المجتمع على مساءلة السلطة.
وتشير الدراسة إلى أن الضغط على الإعلام يأخذ أشكالًا متعددة في دول المنطقة، من الملاحقات القضائية إلى القيود على النشر، ومن التحكم في المجال الإعلامي إلى دفع الصحفيين نحو الحذر الذاتي، ما يؤدي في النهاية إلى عزل المجتمع المدني عن الجمهور وتقليل أثره الرقابي.
ست دول.. أنماط مختلفة
تقارن الدراسة بين ست دول في شمال إفريقيا: تونس، مصر، المغرب، الجزائر، ليبيا، وموريتانيا، ولا تهدف المقارنة إلى ترتيب الدول من الأكثر انغلاقاً إلى الأكثر انفتاحاً، بل إلى فهم اختلاف الأدوات وتشابه النتائج.
في تونس يظهر التضييق بوصفه مساراً انكماشياً تدريجياً بعد تجربة انتقالية كانت أكثر انفتاحاً، أما مصر، فتقدمها الدراسة باعتبارها نموذجاً للإغلاق الصلب والمؤسسي، حيث تتداخل القيود القانونية والأمنية والتمويلية والإعلامية في بنية واحدة تحد من استقلالية المجتمع المدني.
وفي المغرب تتحدث الدراسة عن مساحة مدنية وإعلامية موجودة لكنها مشروطة بسقوف سياسية واضحة، خصوصاً في الملفات المرتبطة بالملكية والصحراء والأمن والاحتجاجات.
أما الجزائر، فتمثل نموذج “ضبط ما بعد الحراك”، حيث ترتبط القيود بتداعيات الحراك الشعبي منذ عام 2019، واستخدام قوانين الأمن والنظام العام ضد النشطاء والصحفيين والجمعيات.
وفي ليبيا لا ينتج الانكماش من سلطة مركزية قوية فقط، بل من الانقسام السياسي والعنف وتعدد السلطات وضعف الحماية القانونية، ما يجعل العمل المدني محفوفاً بتهديدات أمنية مباشرة.
أما موريتانيا، فتبرز فيها القيود عبر قوانين التشهير والأخبار الكاذبة والجرائم الإلكترونية وخطاب النظام العام، خاصة في قضايا التعبير والحقوق الحساسة.
بين الشراكة والاشتباه
تؤكد الدراسة أن المشكلة لا تكمن فقط في وجود قوانين تنظم الجمعيات أو الإعلام، فتنظيم العمل المدني حق مشروع للدولة إذا كان واضحاً وشفافاً ومتناسباً، لكن الأزمة تبدأ عندما يتحول التنظيم إلى أداة للسيطرة، أو عندما تُستخدم القواعد القانونية والإدارية بصورة انتقائية لمعاقبة الأصوات المستقلة والناقدة.
وتوضح الدراسة أن كثيراً من السلطات تقبل بالمجتمع المدني عندما يؤدي دوراً خدمياً أو تنموياً محدوداً، لكنها تتحفظ على دوره الرقابي والمساءلاتي، وبذلك لا يتم رفض المجتمع المدني بالكامل، بل يُدفع إلى المساحات “الآمنة” سياسياً، بعيداً عن الملفات التي تكشف الخلل أو تطالب بالمحاسبة.
وتولي الدراسة أهمية خاصة لما تسميه “نزع الشرعية” عن المجتمع المدني. فالتضييق لا يتم بالقانون والإدارة وحدهما، بل يحتاج غالباً إلى خطاب سياسي وإعلامي يبرره، عبر تصوير المنظمات المستقلة أدوات خارجية، أو جهات ممولة لأغراض مشبوهة، أو عناصر تهدد الأمن والاستقرار.
وتحذر الدراسة من أن هذا الخطاب لا يقيّد المنظمات فقط، بل يضرب صورتها الأخلاقية والوطنية أمام الجمهور، فبدل أن يُنظر إلى المجتمع المدني باعتباره أداة للدفاع عن الحقوق وكشف الاختلالات، يصبح محل اشتباه دائماً، وتصبح المنظمات مطالبة بالدفاع عن وطنيتها قبل أن تدافع عن القضايا التي تعمل عليها.
وترى الدراسة أن الرقابة الذاتية هي النتيجة الأخطر للإغلاق التدريجي، فعندما تتراكم القيود القانونية والإدارية والتمويلية والإعلامية، يبدأ الفاعلون المدنيون والصحفيون والنشطاء بتقييد أنفسهم دون حاجة إلى تدخل مباشر في كل مرة.
وتظهر الرقابة الذاتية عندما تمتنع منظمة عن نشر تقرير حساس، أو يخفف صحفي لغته، أو يتجنب ناشط الظهور العلني، أو تغيّر جمعية موضوع نشاطها خوفاً من العواقب. وهنا يكون التضييق قد حقق أثره الأعمق؛ إذ لم تعد السلطة مضطرة لمنع كل شيء؛ لأن الفاعلين بدؤوا يمنعون أنفسهم.
دعوة لمراجعة القوانين المنظمة
تدعو الدراسة الحكومات في شمال إفريقيا إلى مراجعة القوانين المنظمة لعمل الجمعيات والإعلام، وضمان ألا تتحول إلى أدوات للسيطرة أو العقاب، كما تشدد على ضرورة تبسيط إجراءات التسجيل، ووقف استخدام التعليق المؤقت أداة ردع، والتمييز بين الرقابة المالية المشروعة والتخوين السياسي للتمويل.
وتوصي أيضاً بمراجعة قوانين الأخبار الكاذبة والتشهير والجرائم الإلكترونية، ما يضمن عدم استخدامها لمعاقبة النقد السلمي أو العمل الصحفي. كما تؤكد أهمية استقلال القضاء وحماية حق المنظمات والصحفيين والنشطاء في الطعن الفعال والمحاكمة العادلة.
وفي المقابل، تدعو الدراسة المجتمع المدني إلى تعزيز الشفافية المؤسسية والمالية، وبناء تحالفات وطنية واسعة، وتوثيق القيود الصغيرة والمتراكمة، وتطوير خطاب عام يربط الفضاء المدني بمصالح المواطنين اليومية، لا باعتباره قضية نخبوية تخص المنظمات وحدها.
وتخلص الدراسة إلى أن الفضاء المدني في شمال إفريقيا لا ينهار دائماً بقرار واحد، بل يتآكل عبر سلسلة من الإجراءات والممارسات والخطابات التي تتراكم بمرور الوقت، وقد تبقى المنظمات قائمة في السجلات، لكن قدرتها على الرقابة والمساءلة تتراجع؛ وقد تبقى الصحافة موجودة، لكنها تعمل تحت ضغط الحذر؛ وقد يبقى القانون حاضراً، لكنه يستخدم أحياناً بوصفه أداة ضبط لا ضمانة حماية.
وتؤكد الدراسة أن المجتمع المدني لا يصبح تهديداً للدولة إلا عندما تنظر الدولة إلى الرقابة والمساءلة بوصفهما خطراً، لا جزءاً من الحكم الرشيد. أما الدولة التي تثق بمؤسساتها ومجتمعها، فإنها ترى في المنظمات المستقلة والإعلام الحر والمدافعين عن حقوق الإنسان آليات إنذار مبكر تساعد على تصحيح الأخطاء وتحسين السياسات وتعزيز الثقة مع المواطنين.
