منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

ورقة تحليلية أعدها مركز دراسات “صفر”

مفوض حقوق الإنسان يدعو تونس لإنهاء التدابير القمعية ضد المجتمع المدني والإعلام

11 مايو 2026
مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك
مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك

دعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، السلطات التونسية إلى إنهاء ما وصفه بـ“النمط المتسع من القمع” الذي يستهدف منظمات المجتمع المدني، والصحفيين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، وشخصيات من المعارضة، ونشطاء، وأعضاء في السلطة القضائية، من خلال إجراءات جنائية وقيود إدارية باتت تؤثر بصورة مباشرة في الفضاء المدني في البلاد.

ويأتي هذا الموقف الأممي في سياق تصاعد المخاوف الدولية بشأن وضع الحريات العامة في تونس، خصوصاً بعد تعليق نشاط منظمات حقوقية ومدنية بارزة، منها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان لمدة شهر، وهي إحدى أقدم المنظمات الحقوقية في إفريقيا وعضو في الرباعي الراعي للحوار الوطني الحاصل على جائزة نوبل للسلام عام 2015، كما أشارت المفوضية إلى تعليق نشاط منظمة “محامون بلا حدود” لمدة 30 يوماً، على خلفية ما قيل إنه مخالفة تنظيمية.

من إجراءات إدارية إلى نمط سياسي مقلق

وأكد تورك أن استمرار القيود على الفضاء المدني في تونس يقوّض الحقوق التي يكفلها الدستور التونسي والالتزامات الدولية للدولة في مجال حقوق الإنسان، وتكتسب هذه العبارة أهمية خاصة لأنها تنقل النقاش من مستوى الخلاف الداخلي بين السلطة والمنظمات إلى مستوى الالتزام القانوني الدولي، ما يعني أن الإجراءات الحكومية لم تعد تُقرأ فقط بوصفها قرارات إدارية أو قضائية منفصلة، بل بوصفها جزءاً من نمط أوسع يمس حرية التنظيم والتعبير والعمل الحقوقي.

وتكشف التطورات الأخيرة أن الضغط على المجتمع المدني في تونس لم يعد يقتصر على القيود التقليدية المرتبطة بالترخيص أو التمويل، بل امتد إلى استخدام الإجراءات الجزائية والإدارية بوصفها أدوات لتقييد عمل المنظمات والصحفيين والنشطاء.

وفي هذا السياق، تتزايد المخاوف من تحوّل القانون من وسيلة لتنظيم العمل العام إلى أداة لإعادة ضبط المجال المدني وفق حدود السلطة السياسية، خصوصاً عندما تترافق هذه الإجراءات مع خطاب رسمي يشكك في شرعية المنظمات أو يربط عملها بالتمويل الأجنبي والتهديدات الوطنية.

الرابطة التونسية والإعلام.. رمزية الاستهداف

وتحمل قضية الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان دلالة رمزية وسياسية كبيرة؛ فهذه المنظمة لا تمثل مجرد جمعية حقوقية محلية، بل جزء من الذاكرة السياسية والحقوقية لتونس ما بعد الثورة، وكانت ضمن الرباعي الراعي للحوار الوطني الذي أسهم في تجنيب البلاد أزمة سياسية عميقة.

ولذلك، فإن تعليق نشاطها يرسل رسالة تتجاوز المنظمة نفسها، ويفتح تساؤلات حول موقع المنظمات المستقلة في الحياة العامة، ومدى قدرة الفضاء المدني على أداء أدواره في الرقابة والمساءلة والدفاع عن الحقوق.

كما أن استهداف الصحفيين والإعلاميين يضيف بعداً آخر للأزمة، إذ لا يمكن فصل حرية المجتمع المدني عن حرية الإعلام، فالصحافة المستقلة تمثل إحدى الأدوات الرئيسية لكشف الانتهاكات، ونقل أصوات الفئات المتضررة، ومساءلة السلطة، وعندما تتعرض المؤسسات الإعلامية والصحفيون لضغوط قانونية أو إدارية أو أمنية، فإن ذلك يؤدي عملياً إلى تقليص حق الجمهور في المعرفة، ويدفع المجال العام نحو مزيد من الرقابة الذاتية والخوف.

إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجال العام

وتشير تقارير صحفية دولية إلى أن هذه الإجراءات تأتي ضمن سياق أوسع من القيود المتزايدة منذ تركيز الرئيس قيس سعيّد للسلطات في عام 2021، وهي مرحلة شهدت انتقادات واسعة من منظمات حقوقية وسياسية بشأن تراجع الضمانات الديمقراطية واستقلال القضاء وحرية التعبير.

ورغم تأكيد السلطات التونسية في مناسبات مختلفة أن الحريات مضمونة وأن الإجراءات المتخذة تستند إلى القانون، فإن اتساع دائرة الاستهداف لتشمل منظمات حقوقية وصحفيين ومعارضين وقضاة يعزز المخاوف من أن البلاد تتجه نحو تضييق منهجي للمجال العام.

ولا تكمن خطورة هذه التطورات في كل إجراء منفرد بحد ذاته، بل في تراكمها، فعندما تُعلّق منظمة حقوقية، ويُلاحق صحفي، وتُفرض قيود على جمعية، وتُستخدم دعاوى جزائية ضد ناشطين أو معارضين، يصبح المشهد أقرب إلى إعادة هندسة شاملة للفضاء المدني.

وهذا النمط قد يؤدي إلى إضعاف قدرة المجتمع على الرقابة، وتقليص دور المنظمات المستقلة في توثيق الانتهاكات، وتراجع ثقة المواطنين في إمكانية المشاركة العامة دون خوف.

اختبار حقوقي أمام تونس

من الناحية الحقوقية، تلتزم تونس بحماية حرية التعبير وتكوين الجمعيات والمشاركة العامة، وهي حقوق لا يجوز تقييدها إلا ضمن معايير الضرورة والتناسب والشرعية، ويعني ذلك أن أي إجراء ضد منظمة أو صحفي أو ناشط يجب أن يكون مبنياً على أساس قانوني واضح، وأن يخضع لرقابة قضائية مستقلة، وألا يستخدم بصورة انتقائية أو عقابية ضد الأصوات المستقلة والناقدة.

ويضع بيان المفوض السامي السلطات التونسية أمام اختبار واضح: إما مراجعة الإجراءات المتخذة ضد المجتمع المدني والإعلام، وفتح المجال أمام عمل المنظمات والصحافة المستقلة ضمن بيئة آمنة، أو الاستمرار في مسار قد يزيد من عزلة تونس الحقوقية ويعمّق الانتقادات الدولية الموجهة إليها.

وفي المحصلة، لا يتعلق النقاش الحالي بمصير منظمة واحدة أو صحفي واحد، بل بمستقبل الفضاء المدني في تونس، فالمجتمع المدني والإعلام ليسا خصمين للدولة، بل ركيزتان أساسيتان لأي نظام يحترم الحقوق وسيادة القانون، وكلما ضاقت المساحة أمامهما، تراجعت قدرة المجتمع على حماية مكتسباته الديمقراطية ومساءلة السلطة والدفاع عن الحريات العامة.