منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

خمس سنوات من التعطيل.. مفوضية حقوق الإنسان في العراق تواجه أخطر أزماتها

11 مايو 2026
المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق
المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق

عاد ملف المفوضية العليا المستقلة لحقوق الإنسان إلى صدارة الجدل السياسي والحقوقي في العراق، مع انطلاق الدورة البرلمانية الجديدة وتجدد المطالبات بإعادة تفعيل واحدة من أهم المؤسسات الرقابية المعنية بمتابعة أوضاع الحريات والانتهاكات داخل البلاد، بعد أكثر من خمس سنوات على انتهاء ولاية مجلس المفوضين السابق.

ويأتي هذا الجدل في وقت تتصاعد فيه التحذيرات الحقوقية من استمرار الفراغ الإداري داخل المفوضية، وسط مخاوف من تداعيات ذلك على صورة العراق الدولية والتزاماته أمام الأمم المتحدة والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان، وأكد مركز النخيل للحقوق والحريات الصحفية أن العراق خسر التصنيف الدولي المتقدم للمفوضية بعد تراجعها من المستوى A إلى المستوى B نتيجة تعطيل تشكيل مجلس المفوضين الجديد وتعطل الدور الرقابي للمؤسسة.

مبادئ باريس

ويعد تصنيف المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان مؤشراً أساسياً على مدى استقلاليتها والتزامها بالمعايير الدولية المعروفة باسم مبادئ باريس التي أقرتها الأمم المتحدة لضمان استقلال الهيئات الحقوقية الوطنية مالياً وإدارياً وقدرتها على العمل بعيداً عن الضغوط السياسية والحكومية.

وتأسست المفوضية العليا المستقلة لحقوق الإنسان في العراق عام 2008 بموجب القانون رقم 53، قبل أن تبدأ أعمالها رسمياً عام 2012، لتتولى مهام مراقبة أوضاع حقوق الإنسان، واستقبال الشكاوى، وزيارة السجون ومراكز الاحتجاز، ورصد الانتهاكات، إضافة إلى إعداد التقارير الخاصة بالحريات العامة وحقوق المواطنين.

لكن عمل المفوضية دخل حالة شلل شبه كاملة منذ انتهاء ولاية مجلسها السابق عام 2021، بعدما أخفقت القوى السياسية العراقية في التوصل إلى توافق بشأن اختيار مجلس مفوضين جديد، في ظل استمرار الخلافات المتعلقة بالمحاصصة الحزبية وتوزيع المناصب بين المكونات السياسية.

صورة العراق الدولية

رئيس المركز العراقي لحقوق الإنسان في البصرة علي العبادي حذر في بيان من استمرار تعطيل تشكيل مجلس المفوضين، مؤكداً أن غياب المفوضية يمثل خطراً حقيقياً على واقع الحريات وحقوق الإنسان في العراق، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى مؤسسة رقابية مستقلة تمتلك صلاحيات متابعة الانتهاكات ومراقبة أداء المؤسسات الحكومية والأمنية.

وقال العبادي إن إعادة تفعيل المفوضية لم تعد قضية إدارية أو سياسية فحسب، بل أصبحت مرتبطة بصورة العراق الدولية والتزاماته أمام الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، خصوصاً مع استمرار الانتقادات المتعلقة بحرية التعبير والتعامل مع المحتجين والناشطين وأوضاع السجون.

وأضاف أن استمرار الفراغ داخل المفوضية يضعف قدرة العراق على تقديم تقارير حقوقية مستقلة أمام الهيئات الدولية، ويؤثر في مستوى التعاون مع المؤسسات الأممية المعنية بحقوق الإنسان.

وفي السياق ذاته، وجه المركز العراقي لحقوق الإنسان في البصرة نداء إلى الحكومة العراقية والبرلمان الجديد دعا فيه إلى الإسراع بحسم ملف المفوضية واختيار مجلس جديد يمتلك الاستقلالية والكفاءة، باعتبار ذلك جزءاً من التزامات العراق الدولية في مجال حماية الحريات وحقوق الإنسان.

فراغ رقابي

ويرى ناشطون ومنظمات حقوقية أن غياب المفوضية خلال السنوات الماضية خلق فراغاً رقابياً واضحاً في عدد من الملفات الحساسة، خاصة تلك المتعلقة بالسجون ومراكز الاحتجاز وحالات الاختفاء القسري وحرية التعبير والانتهاكات التي رافقت الاحتجاجات الشعبية.

كما انعكس تعطيل عمل المفوضية بصورة مباشرة على ملفات الصحافة وحقوق الناشطين، في ظل تصاعد الشكاوى المتعلقة بالتضييق على الحريات العامة وحرية الرأي والتظاهر.

ويمثل وجود مؤسسة وطنية مستقلة لحقوق الإنسان أحد المؤشرات الأساسية التي تعتمدها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية لتقييم واقع الحريات داخل الدول، خصوصاً في البلدان التي تمر بأزمات سياسية وأمنية معقدة مثل العراق.

انتكاسة خطيرة

عضو المفوضية السابق فاضل الغراوي وصف في تصريحات صحفية تخفيض تصنيف المفوضية العراقية إلى المستوى B بأنه انتكاسة خطيرة لاستقلال المؤسسات الدستورية في العراق، مؤكداً أن استمرار الفراغ الإداري وعدم اختيار مجلس جديد منذ سنوات أضعف الدور الرقابي للمؤسسة وأفقدها الكثير من حضورها الدولي.

وأوضح الغراوي أن إخضاع المفوضية لإدارة وزارة العدل وتحويل موازنتها إلى موازنة حكومية يتعارض مع مبادئ باريس التي تشترط الاستقلال المالي والإداري الكامل للمؤسسات الوطنية الخاصة بحقوق الإنسان.

وأضاف أن استمرار الأزمة الحالية قد يؤدي إلى مزيد من التراجع في موقع العراق داخل المنظومة الحقوقية الدولية، خاصة مع تزايد التقارير الدولية المتعلقة بحرية التعبير وأوضاع السجون والانتهاكات المرتبطة بالاحتجاجات والنزاعات.

وتتعرض القوى السياسية العراقية منذ سنوات لانتقادات متكررة بسبب إخضاع الهيئات المستقلة لمنطق المحاصصة الحزبية، وهو ما انعكس على عدد من المؤسسات الرقابية والخدمية، بينها مفوضية حقوق الإنسان وهيئة الإعلام والاتصالات ومؤسسات مستقلة أخرى.

ويرى ناشطون أن استمرار تعطيل المفوضية يثير تساؤلات واسعة بشأن قدرة العراق على الإيفاء بالتزاماته الدولية، خاصة أن البلاد ما تزال تواجه تحديات حقوقية معقدة تتعلق بالحريات العامة والعدالة الانتقالية وملفات المفقودين والانتهاكات المرتبطة بالنزاعات المسلحة.

ومع بدء البرلمان العراقي الجديد أعماله، تتجه الأنظار إلى إمكانية إعادة تحريك هذا الملف المؤجل منذ سنوات، في وقت تؤكد فيه منظمات حقوقية أن استمرار التأخير قد يقود إلى مزيد من التراجع في التصنيف الدولي للمفوضية، وربما فقدان العراق تمثيله الكامل داخل المؤسسات الدولية المعنية بحقوق الإنسان.

تستند المفوضية العليا المستقلة لحقوق الإنسان في العراق إلى مبادئ باريس التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1993، والتي تنظم عمل المؤسسات الوطنية المعنية بحقوق الإنسان وتشترط استقلاليتها الإدارية والمالية، وحصلت المفوضية العراقية سابقاً على التصنيف الدولي A الذي يمنح المؤسسات الوطنية حق المشاركة الكاملة داخل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، قبل أن تفقد هذا التصنيف لاحقاً بسبب تعطل تشكيل مجلس المفوضين وعدم استكمال متطلبات الاستقلال المؤسسي، ويمنح التصنيف A المؤسسات الوطنية صلاحيات أوسع في المشاركة الدولية وتقديم التقارير والتوصيات أمام الهيئات الأممية، في حين يعكس التصنيف B وجود مشكلات تتعلق بالاستقلالية أو البنية الإدارية أو آليات العمل.