في قضاء الهندية بمحافظة كربلاء العراقية، حيث كانت زراعة التبغ تمثل نشاطاً زراعياً تقليدياً ومصدراً رئيساً للدخل، تتراجع المساحات المزروعة بشكل لافت مع كل موسم، وتؤكد بيانات وزارة الموارد المائية العراقية، أن انخفاض الإطلاقات المائية من نهري دجلة والفرات، إلى جانب التغيرات المناخية، أدى إلى تراجع حاد في الموارد المائية المتاحة للزراعة، ما انعكس مباشرة على المحاصيل التي تتطلب كميات مياه منتظمة، مثل التبغ.
تشير تقارير وزارة الموارد المائية إلى أن واردات العراق المائية انخفضت بنسبة تتجاوز 50% مقارنة بمعدلاتها التاريخية خلال العقود الماضية، نتيجة تراجع الإطلاقات من دول المنبع وقلة الأمطار، كما أوضحت الوزارة أن بعض الأنهر الفرعية في مناطق الوسط والجنوب شهدت انخفاضاً حاداً في مناسيب المياه، ما جعل الري الزراعي غير مستقر، وتؤكد تقارير الأمم المتحدة أن العراق يواجه أحد أعلى معدلات الإجهاد المائي في العالم، وفق تصنيف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
تداعيات التغير المناخي
يُعد العراق من أكثر الدول تأثراً بالتغير المناخي، حيث تشير تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن متوسط درجات الحرارة ارتفع بنحو 1.5 إلى 2 درجة مئوية خلال العقود الأخيرة، مع توقعات بزيادة إضافية تصل إلى 3 درجات بحلول عام 2050، كما تؤكد هذه التقارير أن ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى زيادة معدلات التبخر وفقدان المياه، ما يفاقم أزمة الجفاف، وتوضح منظمة الأغذية والزراعة أن التغيرات المناخية تؤثر بشكل مباشر في إنتاجية المحاصيل الحساسة للمياه، ومنها التبغ.
تُظهر البيانات الميدانية أن زراعة التبغ في وسط وجنوب العراق تراجعت بشكل ملحوظ، حيث انحصرت بشكل شبه كامل في قضاء الهندية، بعد أن كانت تنتشر في عدة مناطق، وتشير تقارير إعلامية محلية إلى أن مساحات واسعة من الأراضي التي كانت مزروعة بالتبغ تُركت دون زراعة بسبب نقص المياه وارتفاع تكاليف الإنتاج، ويؤكد الجهاز المركزي للإحصاء العراقي أن التغيرات المناخية أثرت في هيكل الإنتاج الزراعي، حيث تراجعت بعض المحاصيل التقليدية لمصلحة محاصيل أقل استهلاكاً للمياه.
الملوحة تقتل التربة
إلى جانب شح المياه، تواجه الأراضي الزراعية في جنوب العراق مشكلة متزايدة تتمثل في ارتفاع ملوحة التربة والمياه، وتشير تقارير وزارة الزراعة العراقية إلى أن نسب الملوحة في بعض المناطق تجاوزت الحدود المقبولة للزراعة، نتيجة انخفاض تدفق المياه العذبة وزيادة الاعتماد على مياه ذات جودة منخفضة، وتؤكد منظمة الأغذية والزراعة أن تملح التربة يعد من أبرز أسباب تدهور الأراضي الزراعية في العراق، حيث يؤثر في خصوبة التربة ويقلل من إنتاجية المحاصيل.
الاقتصاد الزراعي تحت الضغط
تؤكد تقارير البنك الدولي أن القطاع الزراعي في العراق يواجه تحديات كبيرة نتيجة التغيرات المناخية وشح المياه، ما أدى إلى انخفاض إسهاماته في الناتج المحلي الإجمالي، وبالنسبة لمزارعي التبغ، فإن ارتفاع تكاليف الري وتراجع الإنتاجية جعلا هذا المحصول أقل جدوى اقتصادياً، ما دفع العديد منهم إلى التخلي عنه، وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء إلى أن التحول نحو محاصيل بديلة أصبح خياراً اضطرارياً في ظل الظروف الحالية.
تشير تقارير المنظمة الدولية للهجرة إلى أن التدهور البيئي وشح المياه في العراق أديا إلى نزوح آلاف الأسر من المناطق الريفية إلى المدن؛ بحثاً عن فرص عمل بديلة، وتوضح هذه التقارير أن المناطق الزراعية في الجنوب، ومنها كربلاء، تشهد تزايداً في معدلات الهجرة الداخلية، نتيجة فقدان مصادر الدخل الزراعي، ويؤكد برنامج الأغذية العالمي أن هذه التحولات تؤثر في الاستقرار الاجتماعي وتزيد من الضغوط على المدن.
الأمن الغذائي في دائرة الخطر
تؤكد تقارير برنامج الأغذية العالمي أن العراق يواجه تحديات متزايدة في مجال الأمن الغذائي، حيث يؤدي تراجع الإنتاج الزراعي إلى زيادة الاعتماد على الاستيراد، وتشير هذه التقارير إلى أن الأزمات المناخية، ومنها الجفاف، تؤثر في توفر الغذاء وأسعاره، ما يزيد من هشاشة الفئات الأكثر فقراً، ويُظهر تراجع زراعة التبغ، رغم كونه محصولاً غير غذائي، مؤشراً على تدهور أوسع في القطاع الزراعي.
وتلعب العوامل الإقليمية دوراً مهماً في تفاقم أزمة المياه في العراق، حيث تشير تقارير وزارة الموارد المائية إلى أن بناء السدود في دول المنبع، خاصة تركيا وإيران، أدى إلى تقليص حصة العراق من المياه، وتؤكد الأمم المتحدة أن إدارة الموارد المائية في حوضي دجلة والفرات تتطلب تعاوناً إقليمياً لضمان توزيع عادل ومستدام للمياه، في ظل تزايد الطلب وتغير المناخ.
الجنوب الأكثر تضرراً
تشير البيانات إلى أن مناطق الجنوب العراقي هي الأكثر تأثراً بالجفاف وارتفاع الملوحة، بسبب موقعها الجغرافي واعتمادها على المياه القادمة من الشمال، وتوضح تقارير وزارة الزراعة أن هذه المناطق تشهد تراجعاً ملحوظاً في الإنتاج الزراعي، ومنها التبغ، مقارنة بالمناطق الشمالية التي تتمتع بموارد مائية فُضلى نسبياً.
تُعد زراعة التبغ من الأنشطة الزراعية التقليدية في العراق، حيث كانت توفر فرص عمل لآلاف العائلات، خاصة في مناطق الوسط، وتشير تقارير تاريخية صادرة عن وزارة الزراعة إلى أن هذا المحصول كان جزءاً من الاقتصاد المحلي لعقود، قبل أن تبدأ مساحاته في التراجع تدريجياً مع تدهور الموارد المائية.
تداعيات سلبية مرتبطة بالتبغ
وتستهلك زراعة التبغ مساحة كبيرة من الأراضي الزراعية التي يمكن استغلالها في زراعة محاصيل إستراتيجية أخرى مثل القمح أو الذرة أو القطن، والتي تسهم في تحقيق الأمن الغذائي والصناعي للبلاد، كما أنه يؤثر أيضاً سلباً في البيئة، حيث يستخدم كميات كبيرة من المبيدات والأسمدة الكيماوية التي تلوث التربة والمياه الجوفية والسطحية، كما ينقل بعض الأمراض الفيروسية، مثل فيروس التبغ المجهري، وفيروس التبغ المزدوج.
وتتسبب زراعة التبغ في زيادة استهلاك المنتجات التبغية، وانتشار التدخين بين الفئات العمرية المختلفة، وخاصة الشباب والنساء، بالإضافة إلى زيادة الإصابة بالأمراض المرتبطة بالتدخين، وارتفاع معدلات الوفيات والعجز والتكاليف الصحية، وتدهور جودة الأراضي الزراعية، وانخفاض إنتاجية المحاصيل الأخرى، وتلوث الموارد المائية.
وسبق أن أعلنت منظمة الصحة العالمية (WHO) أن زراعة وصناعة التبغ تضر بالبيئة وصحة الإنسان على حد سواء، ويجب مساءلتها عن الضرر الذي تسببه.
وذكرت أن صناعة التبغ تكلف العالم أكثر من ثمانية ملايين شخص كل عام، بالإضافة إلى التكاليف البشرية، يتم استخدام 600 مليون شجرة و200،000 هكتار من الأراضي و22 مليار طن من المياه و84 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون في إنتاج التبغ.
تحذيرات أممية
وتنص المواثيق الدولية، ومنها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، على حق الإنسان في المياه والغذاء، وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن التدهور البيئي في العراق يمثل تحدياً لهذه الحقوق، خاصة في ظل تأثيره المباشر في الزراعة.
وقد دعت الأمم المتحدة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة أزمة المياه في العراق، مؤكدة أن التغير المناخي يشكل تهديداً مباشراً للزراعة وسبل العيش، كما أكدت منظمة الأغذية والزراعة ضرورة تبني تقنيات الري الحديثة وتحسين إدارة الموارد المائية، للحد من تأثير الجفاف في المحاصيل.
وفي السياق حذرت تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن استمرار الجفاف وارتفاع درجات الحرارة قد يؤديان إلى تفاقم الأزمات الزراعية في العراق خلال السنوات المقبلة، وتشير هذه التقارير إلى أن بعض المحاصيل التقليدية، مثل التبغ، قد تختفي بالكامل من مناطق الوسط والجنوب إذا استمرت الظروف الحالية.
تكشف أزمة زراعة التبغ في العراق عن واقع أوسع يتمثل في تدهور الموارد المائية وتفاقم آثار التغير المناخي، حيث تتداخل العوامل البيئية والاقتصادية لتشكل تحدياً معقداً للقطاع الزراعي، وتؤكد البيانات الصادرة عن الجهات الرسمية والمنظمات الدولية أن هذه الأزمة لا تقتصر على محصول معين، بل تمثل مؤشراً على تحولات عميقة تهدد مستقبل الزراعة في العراق، في ظل استمرار الضغوط المناخية والمائية.

