تصاعدت الانتقادات الحقوقية الموجهة إلى بولندا والولايات المتحدة على خلفية ترحيل مواطنين أوكرانيين عبر الأراضي البولندية إلى بلادهم التي لا تزال تشهد حرباً مستمرة وهجمات صاروخية متكررة، وتقول منظمات حقوقية دولية إن هذه العمليات تثير مخاوف جدية تتعلق باحترام القانون الدولي ومبادئ حماية اللاجئين، خصوصاً مع استمرار المخاطر الأمنية والإنسانية داخل أوكرانيا.
وذكرت منظمة العفو الدولية ومنظمة هيومن رايتس فيرست، في بيان مشترك نقلته وكالة رويترز، أن إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية نفذت عمليتي ترحيل على الأقل عبر بولندا خلال شهري نوفمبر 2025 ومارس 2026، شملتا إعادة أكثر من 50 مواطناً أوكرانياً إلى بلادهم، وأكدت المنظمتان أن عمليات الترحيل تمت رغم استمرار الحرب والهجمات الصاروخية التي تستهدف مناطق واسعة داخل أوكرانيا.
انتقادات حقوقية حادة
وقالت أذرا زيا، الرئيسة التنفيذية لمنظمة هيومن رايتس فيرست، إن نقل الأوكرانيين قسراً إلى منطقة حرب نشطة يمثل انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي الإنساني ويثير صدمة أخلاقية كبيرة، وأضافت أن إعادة أشخاص إلى بيئة تهدد حياتهم بشكل مباشر يتعارض مع الالتزامات الدولية المتعلقة بحماية اللاجئين وعدم الإعادة القسرية.
وأكدت المنظمة أن بولندا، التي استقبلت منذ اندلاع الحرب ملايين اللاجئين الأوكرانيين وقدمت لهم الحماية والدعم، مطالبة بعدم تسهيل أي عمليات نقل قسري قد تعرض المرحلين للخطر، مشيرة إلى أن التعاون مع هذه الرحلات يضع وارسو أمام تساؤلات قانونية وحقوقية متزايدة.
مخاطبة السلطات البولندية
وأوضحت منظمة العفو الدولية ومنظمة هيومن رايتس فيرست أنهما وجهتا رسالة رسمية إلى السلطات البولندية في 17 أبريل الماضي للتعبير عن القلق من استخدام أحد مطارات جنوب شرق بولندا كنقطة عبور لرحلات الترحيل القادمة من مدينة فينيكس الأمريكية بولاية أريزونا، إلا أن المنظمتين أكدتا أنهما لم تتلقيا أي رد رسمي، ما دفعهما إلى نشر الرسالة للرأي العام.
وأضافت المنظمتان أن استمرار هذه الرحلات يثير مخاوف من احتمال تورط دول أوروبية في تسهيل عمليات ترحيل إلى مناطق نزاع، وهو ما قد يتعارض مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي لحقوق الإنسان، خاصة مبدأ عدم الإعادة القسرية الذي يمنع إعادة الأفراد إلى أماكن قد يواجهون فيها خطراً على حياتهم أو سلامتهم.
رد بولندا
وفي المقابل، نفت السلطات البولندية وجود أي اتفاق رسمي مع الولايات المتحدة يتعلق بعمليات ترحيل الأوكرانيين، وقالت كارولاينا جاليتسكا، المتحدثة باسم وزارة الداخلية البولندية، في تصريحات نقلتها وكالة رويترز، إن بولندا لا ترتبط بأي تفاهمات مع واشنطن بشأن الترحيل، معتبرة أن القضية شأن داخلي بين الولايات المتحدة وأوكرانيا.
وأضافت أن بولندا تؤدي فقط دور نقطة عبور، وأن سلطات حرس الحدود البولندية لا تشارك بصورة مباشرة في عمليات الترحيل، بل تقتصر مهمتها على تنفيذ إجراءات العبور والتخليص القانوني.
وأشارت إلى أن بعض المرحلين قد لا يملكون أصلاً حق الدخول إلى الأراضي البولندية، ولذلك يتم إخضاعهم لإجراءات تدقيق قانونية محدودة قبل مواصلة الرحلة.
مخاوف من سابقة قانونية
وترى المنظمات الحقوقية أن السماح بمرور رحلات ترحيل إلى مناطق نزاع قد يفتح الباب أمام ممارسات مشابهة في دول أخرى، في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية المتعلقة بالهجرة واللاجئين في الولايات المتحدة وأوروبا، كما تحذر المنظمات الحقوقية من أن إعادة الأوكرانيين إلى بلد لا يزال يشهد هجمات روسية متواصلة قد تعرض حياتهم للخطر المباشر، خصوصاً في المناطق التي تستهدفها الضربات الجوية والبنى التحتية المدنية.
وأكدت منظمات حقوقية أن القانون الدولي، بما في ذلك اتفاقية اللاجئين لعام 1951 والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، ينص بوضوح على حظر إعادة الأشخاص قسراً إلى أماكن قد يواجهون فيها الاضطهاد أو الخطر الجسيم أو التهديد المباشر للحياة.
يذكر أنه منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، استقبلت بولندا أكبر عدد من اللاجئين الأوكرانيين في أوروبا، حيث عبر ملايين الأشخاص الحدود البولندية هرباً من القصف والعمليات العسكرية، ووفق بيانات الأمم المتحدة، لعبت بولندا دوراً محورياً في استضافة اللاجئين وتقديم المساعدات الإنسانية والخدمات الأساسية لهم، ما جعلها إحدى أبرز دول الاستقبال خلال الحرب.
لكن مع استمرار النزاع وتصاعد الضغوط السياسية المرتبطة بملفات الهجرة واللجوء في الولايات المتحدة وأوروبا، بدأت منظمات حقوقية تحذر من تراجع بعض الدول عن التزاماتها الإنسانية والقانونية تجاه الفارين من مناطق الحرب، وتؤكد هذه المنظمات أن أي عمليات ترحيل إلى أوكرانيا في ظل استمرار الأعمال العسكرية قد تمثل اختباراً حساساً لمدى التزام الدول الغربية بالقانون الدولي ومبادئ حماية اللاجئين.
