يتصاعد تعطل سلاسل الإمداد الإنسانية عبر مضيق هرمز مع استمرار النزاع، في تطورٍ جديد يدفع منظمات الإغاثة إلى التحذير من عجز وشيك عن إيصال الغذاء والدواء إلى ملايين الأشخاص، وسط ارتفاع غير مسبوق في تكاليف النقل والوقود.
ووفقاً لصحيفة “الغارديان” فإن الأزمة لم تعد تقتصر على اضطراب مؤقت في الشحن، بل تحولت إلى اختناق فعلي يهدد عمليات الإغاثة العالمية.
يدفع هذا الاختناق منظمات الإغاثة إلى المطالبة بفتح ممر إنساني عبر مضيق هرمز، في محاولة لتأمين تدفق الإمدادات الحيوية التي باتت عالقة في مراكز لوجستية رئيسية.
يؤكد نائب رئيس قسم الطوارئ في لجنة الإنقاذ الدولية، بوب كيتشن أن الحاجة أصبحت ملحة لإجراء حوارات فورية تتيح إيصال هذه الإمدادات، مشيراً إلى أن استمرار الوضع الحالي يعني عملياً حرمان آلاف المستفيدين من الغذاء والدواء.
وتكشف الوقائع الميدانية عن حجم التعطيل، إذ حالت اضطرابات الشحن دون وصول إمدادات بقيمة 130 ألف دولار إلى 20 ألف شخص في السودان، بعدما بقيت عالقة، يعكس هذا المثال كيف يتحول تعطل مسار واحد إلى تهديد مباشكر لحقوق أساسية، مع اعتماد المجتمعات الهشة على تدفقات خارجية لا تملك بديلاً عنها.
تجبر قيود الوقود منظمات الإغاثة على تقليص عملياتها، حيث اضطرت عيادات في نيجيريا وإثيوبيا إلى الحد من استخدام المولدات الكهربائية، ويشير كيتشن إلى احتمال قطع الكهرباء عن بعض أقسام المستشفيات للحفاظ على الخدمات الأساسية، ما يضع المرضى أمام مخاطر مضاعفة نتيجة نقص الموارد.
تستنزف هذه الظروف ميزانيات المنظمات الإنسانية بوتيرة متسارعة، إذ بات شراء الوقود ونقل السلع والموظفين أكثر تكلفة في مختلف مناطق إفريقيا جنوب الصحراء، وهو ما يقلص القدرة على الاستجابة ويزيد الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.
ارتفاع كبير بأسعار النفط
ترتفع أسعار النفط بشكل حاد منذ بدء النزاع، حيث بلغت نحو 120 دولاراً للبرميل بعد أن كانت 60 دولاراً في بداية العام، قبل أن تستقر عند حوالي 111 دولاراً، يؤدي هذا الارتفاع إلى زيادة مباشرة في تكاليف الشحن والإمداد، ما ينعكس على أسعار الغذاء والدواء وتوافرهما.
تؤكد مديرة الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، سيسيل تيراز أن تأثير ارتفاع أسعار النفط بات مؤكداً حياة الناس وعلى العمليات الإنسانية، في إشارة إلى الترابط المتزايد بين أسواق الطاقة والقدرة على إيصال المساعدات.
تتأثر منظمات الإغاثة الكبرى بشكل مباشر بهذه الزيادات، خاصة تلك التي تعتمد على مراكز في الهند ودبي لتصدير المواد الإنسانية إلى المجتمعات المحتاجة، حيث يؤدي ارتفاع تكاليف النقل إلى تقليص حجم المساعدات الممكن تقديمها.
توضح تقديرات منظمة “إنقاذ الطفولة” أن كل زيادة قدرها 5 دولارات في سعر برميل النفط تضيف 340 ألف دولار شهرياً إلى تكاليفها، وهو ما يعادل مساعدات شهرية لنحو 40 ألف طفل.
ويشير مدير الإمداد العالمي في المنظمة، ويليم زويديما إلى أن استمرار الأسعار عند نحو 100 دولار سيكلف المنظمة 27 مليون دولار إضافية خلال عام 2026.
يحذر برنامج الأغذية العالمي من أن هذا الاضطراب قد يدفع 45 مليون شخص إضافي إلى الجوع، إضافة إلى 318 مليوناً كانوا يعانون بالفعل من انعدام الأمن الغذائي قبل اندلاع النزاع، ما يعكس اتساع نطاق التأثير إلى مستويات عالمية.
يشدد زويديما على أن المنظمات الإنسانية تواجه ضغوطاً متزامنة، مع خفض التمويل الدولي وارتفاع تكاليف العمليات، ما يجعل كل شحنة غذاء أو إمداد طبي أكثر تكلفة وأقل قدرة على الوصول.
الإمداد تحت ضغط عالمي
يتراجع التمويل الإنساني في الوقت الذي تتزايد فيه الاحتياجات، حيث خفضت الولايات المتحدة مساعداتها الخارجية بنسبة 57% في عام 2025، في حين بلغت مساعدات المملكة المتحدة أدنى مستوى لها منذ عام 2008، إلى جانب تخفيضات في دول أوروبية أخرى.
تتفاقم الأزمة في اليمن، حيث ارتفعت تكلفة الشحن بنسبة تصل إلى 20%، بالتزامن مع زيادة أسعار الغذاء بنسبة 30%، في بلد يعتمد فيه نحو نصف السكان على المساعدات.
وتتضاعف تكلفة استيراد الأدوية الأساسية لعلاج سوء التغذية الحاد لدى الأطفال في الصومال ثلاث مرات، وفق ما أوضحت مديرة الشؤون الإنسانية في منظمة، كير روبين سافاج، ما يؤدي إلى انخفاض عدد الأطفال الذين يتلقون العلاج.
ترتفع أسعار المواد الغذائية في الصومال بنسبة 20% نتيجة زيادة تكاليف النقل، في حين تشهد ميانمار ارتفاعاً في أسعار سلة السلع بنسبة 19%، في مؤشر على انتقال آثار الأزمة عبر مناطق متعددة.
تتضاعف تكلفة إيصال الغذاء إلى أفغانستان ثلاث مرات، وفق ما أكد مدير برنامج الأغذية العالمي هناك جون أيليف، مع اضطرار البرنامج إلى نقل الإمدادات براً عبر سبع دول، ما يضيف ثلاثة أسابيع إلى زمن التسليم ويؤخر وصول الغذاء إلى المحتاجين.
يحذر برنامج الأغذية العالمي من أنه قد لا يتمكن من الوصول إلى نحو 1.5 مليون شخص خلال الأشهر المقبلة نتيجة ارتفاع تكاليف الوقود، مع إعادة توجيه 93 ألف طن من المواد الغذائية عبر مسارات طولى وأكثر تكلفة.
تطيل هذه المسارات البديلة الرحلات البحرية بنحو 9000 كيلومتر، بعدما اضطرت السفن إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح وقناة السويس، ما يزيد الضغط علىك سلاسل الإمداد ويؤخر وصول الإمدادات الحيوية.
تداعيات ممتدة
يكشف تقييم برنامج الأغذية العالمي عن ما يعرف بـ”الاختناق المزدوج” في سلاسل الإمداد، حيث تتأثر أسواق الطاقة والشحن والأسمدة في آن واحد، ما يؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار الغذاء عالمياً.
تتفاقم أوضاع الأمن الغذائي في عدة مناطق، مع نزوح داخلي في لبنان، وضغوط اقتصادية في إيران، وارتفاع أسعار الغذاء في غزة نتيجة إغلاق المعابر، ما يدفع المزيد من الأسر نحو مستويات أشد من انعدام الأمن الغذائي.
تؤخر فترات العبور الطويلة تسليم المساعدات، في حين يهدد الازدحام البحري قدرة المنظمات الإنسانية على الوصول السريع إلى الفئات الأكثر ضعفاً، ما يزيد من مخاطر الانتظار لفترات طولى للحصول على الغذاء.
تعمل المنظمات الإنسانية على تكييف مسارات الإمداد عبر دول عدة، منها تركيا ومصر والأردن وباكستان، إضافة إلى المسارات البرية، لتقليل الاعتماد على المضيق وضمان استمرار تدفق الإمدادات.
تحذر منظمات الإغاثة من أن تداعيات الأزمة ستستمر لأشهر حتى في حال توقف القتال، حيث سيؤدي نقص الوقود والأسمدة إلى تقليص الإنتاج الزراعي في دول عدة، ما يزيد من انعدام الأمن الغذائي.
يشير ممثل منظمة ميرسي كوربس، نيك جونز- بانيستر إلى أن اعتماد ما يصل إلى 45% من بذور وأسمدة العالم على المرور عبر مضيق هرمز يعني أن أي تعطل سيؤدي إلى تأثيرات متسلسلة تمتد إلى النزاعات والهجرة.
يكرس هذا المشهد واقعاً تتقاطع فيه الأزمات الجيوسياسية مع الحقوق الأساسية، حيث يتحول تعطل ممر بحري إلى عامل حاسم في تحديد من يحصل على الغذاء والدواء، ومن يترك لمواجهة الجوع والمرض.
