في شرق ألمانيا، تقف قرية فيلدهايم كنموذج استثنائي في مسار التحول الطاقي الأوروبي، بعدما أصبحت منذ عام 2010 أول قرية ألمانية تعتمد بشكل شبه كامل على الطاقة المتجددة في إنتاج الكهرباء والتدفئة، في تجربة وُصفت بأنها واحدة من أبرز تطبيقات سياسة الانتقال الطاقي في ألمانيا المعروفة باسم “إينرجيفينده”.
وتشير بيانات شركة “إنيرجي كويلي” المطورة للمشروع إلى أن هذا التحول لم يكن نتيجة مشروع حكومي مفاجئ، بل حصيلة تعاون طويل بين السكان المحليين والبلدية والقطاع الخاص، بدأ منذ تسعينيات القرن الماضي عبر إدخال أولى توربينات الرياح إلى المنطقة، قبل أن يتطور تدريجيا إلى نظام طاقي متكامل.
بنية طاقية تعتمد على الرياح والكتلة الحيوية
بحسب بيانات شركة إنيرجي كويلي، يعتمد النظام الطاقي في فيلدهايم على نحو 52 توربينا لطاقة الرياح تنتج سنويا نحو 200 مليون كيلوواط ساعة من الكهرباء، يتم تصدير معظمها إلى الشبكة الوطنية الألمانية، بينما يكفي جزء صغير منها لتغطية احتياجات القرية التي يتراوح عدد سكانها بين 130 و150 شخصا.
وتضيف البيانات أن محطة الغاز الحيوي في القرية تنتج نحو 4 ملايين كيلوواط ساعة سنويا، إلى جانب نظام تدفئة محلي يعتمد على الكتلة الحيوية، ما يتيح توفير احتياجات الحرارة بشكل مستقل عن الوقود الأحفوري، مع دعم إضافي من أنظمة تخزين الطاقة.
وتشير تقارير منشورة عن المشروع إلى أن فيلدهايم تمكنت من بناء شبكة كهرباء وتدفئة محلية خاصة بها، ما جعلها أول مجتمع سكني في ألمانيا يصل إلى الاكتفاء الذاتي الطاقي الكامل تقريبا منذ عام 2010.
أثر اقتصادي مباشر
توضح بيانات المشروع أن سكان فيلدهايم يستفيدون من انخفاض ملحوظ في تكاليف الطاقة مقارنة بالمعدل الوطني في ألمانيا، نتيجة امتلاكهم جزءا من منظومة الإنتاج المحلي للطاقة.
وفي الوقت الذي شهدت فيه ألمانيا ارتفاعا كبيرا في أسعار الكهرباء خلال السنوات الأخيرة، خصوصا بعد أزمة الطاقة الأوروبية والتوترات الجيوسياسية التي أثرت على إمدادات الغاز، حافظت القرية على استقرار نسبي في الأسعار، بفضل اعتمادها على مصادر طاقة محلية متجددة.
وتشير بيانات الطاقة في ألمانيا إلى أن نسبة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء الوطني تجاوزت 55 في المئة خلال عام 2025، مع تصدر طاقة الرياح قائمة المصادر الأكثر إنتاجا للكهرباء، وهو ما يعكس اتجاها عاما تدعمه سياسات الدولة نحو التوسع في الطاقة النظيفة.
الأمن الطاقي
تكتسب تجربة فيلدهايم أهمية خاصة في سياق التحولات الكبرى التي يشهدها قطاع الطاقة في أوروبا، حيث أصبحت قضايا الأمن الطاقي وتقلب الأسعار من أبرز التحديات التي تواجه الدول الصناعية.
وتوضح تقارير الاتحاد الأوروبي للطاقة أن الاعتماد على الطاقة المتجددة لم يعد خيارا بيئيا فقط، بل أصبح جزءا من استراتيجيات الأمن القومي الطاقي، خاصة بعد أزمة الغاز في أوروبا خلال السنوات الأخيرة.
وفي هذا السياق، تقدم فيلدهايم نموذجا عمليا لمفهوم اللامركزية في إنتاج الطاقة، حيث تعتمد القرية على مواردها المحلية بدلا من الاعتماد الكامل على الشبكات المركزية الكبرى.
الأثر البيئي وخفض الانبعاثات
يسهم النظام الطاقي في فيلدهايم في تقليل الانبعاثات الكربونية بشكل كبير، من خلال الاعتماد على الرياح والكتلة الحيوية بدلا من الوقود الأحفوري.
وتشير تقديرات المشروع إلى أن القرية تخفض آلاف الأطنان من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سنويا مقارنة بالأنظمة التقليدية، وهو ما يتماشى مع أهداف ألمانيا والاتحاد الأوروبي للوصول إلى الحياد الكربوني بحلول منتصف القرن.
كما تؤكد بيانات بيئية أوروبية أن التوسع في مشاريع مماثلة يسهم في تقليل الاعتماد على الفحم والغاز، ويعزز قدرة الدول على تحقيق أهداف المناخ.
من أبرز عناصر نجاح فيلدهايم أن المشروع لم يُفرض من أعلى، بل نشأ من مبادرة محلية شارك فيها السكان منذ البداية، حيث ساهموا في التخطيط والتمويل وإدارة جزء من البنية التحتية للطاقة.
وتشير تقارير ألمانية إلى أن هذا النموذج عزز الوعي البيئي داخل المجتمع المحلي، وخلق علاقة مباشرة بين السكان وإنتاج الطاقة، ما جعل المشروع أكثر استدامة على المدى الطويل.
تحديات التوسع وإمكانية التكرار
رغم نجاح التجربة، تشير دراسات ألمانية إلى أن تعميم نموذج فيلدهايم على نطاق واسع يواجه تحديات تتعلق بتكاليف البنية التحتية، واختلاف الظروف الجغرافية بين المناطق، إضافة إلى الحاجة إلى استثمارات كبيرة في شبكات التخزين والتوزيع.
كما أن إنتاج الطاقة المتجددة، خصوصا من الرياح، يواجه تحديات تتعلق بتقلبات الإنتاج، ما يتطلب وجود أنظمة دعم وتخزين لضمان استقرار الإمدادات.
ورغم ذلك، تعتبر مؤسسات بحثية ألمانية أن فيلدهايم تمثل نموذجا مرجعيا يمكن الاستفادة منه في تطوير مجتمعات طاقية محلية أصغر، خاصة في المناطق الريفية.
سياسة الطاقة الألمانية الشاملة
تأتي تجربة فيلدهايم ضمن سياسة الطاقة الألمانية الشاملة التي تهدف إلى رفع حصة الطاقة المتجددة تدريجيا، حيث تشير البيانات إلى أن ألمانيا سجلت في عام 2025 أحد أعلى مستويات الاعتماد على الطاقة النظيفة في تاريخها الحديث، مدفوعة بزيادة الاستثمارات في طاقة الرياح والطاقة الشمسية.
وتعد هذه القرية نموذجا مصغرا يعكس الاتجاه العام للدولة نحو تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وتعزيز الإنتاج المحلي للطاقة النظيفة، بما يتماشى مع أهداف المناخ الأوروبية.
تقع قرية فيلدهايم في ولاية براندنبورغ شرق ألمانيا، وتعد أول قرية ألمانية تحقق تقريبا الاكتفاء الذاتي من الطاقة عبر مصادر متجددة، بدأ المشروع في تسعينيات القرن الماضي عبر تركيب توربينات رياح، قبل أن يتوسع ليشمل محطة للغاز الحيوي وشبكة تدفئة محلية ونظام تخزين للطاقة.
وبحسب بيانات رسمية صادرة عن الجهات المطورة للمشروع، دخلت القرية مرحلة الاكتفاء الطاقي الكامل عام 2010، لتصبح نموذجا عمليا لسياسة الانتقال الطاقي في ألمانيا، حيث يعتمد النظام على مزيج من طاقة الرياح والكتلة الحيوية والأنظمة الذكية لإدارة الطاقة، ضمن شراكة بين السكان المحليين والبلديات والقطاع الخاص.
التحول العالمي نحو الطاقة المتجددة
تؤدي الأمم المتحدة دورا محوريا في تعزيز التحول العالمي نحو الطاقة المتجددة وحماية البيئة، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لتحقيق التنمية المستدامة ومواجهة التغير المناخي، وتؤكد المنظمة، من خلال برنامج الأمم المتحدة للبيئة واتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، أن التحول من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة النظيفة لم يعد خيارا بيئيا فحسب، بل ضرورة لحماية صحة الإنسان واستقرار النظم الاقتصادية والاجتماعية. وتدعم الأمم المتحدة هذا التوجه عبر أهداف التنمية المستدامة، خاصة الهدف السابع الذي ينص على ضمان حصول الجميع على طاقة حديثة وموثوقة ومستدامة وبأسعار معقولة، والهدف الثالث عشر المتعلق بالعمل المناخي.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن توسيع استخدام الطاقة المتجددة يسهم بشكل مباشر في خفض الانبعاثات الكربونية التي تعد المحرك الرئيسي لظاهرة الاحتباس الحراري، حيث تسجل القطاعات المرتبطة بإنتاج الطاقة التقليدية النسبة الأكبر من الانبعاثات العالمية، كما تحذر المنظمة من أن استمرار الاعتماد على الفحم والنفط والغاز دون تسريع التحول الأخضر سيؤدي إلى تجاوز حدود الاحترار العالمي الآمنة، ما يهدد الأمن الغذائي والمائي ويزيد من حدة الكوارث الطبيعية.
وتدعم الأمم المتحدة الدول النامية عبر برامج تمويل وتكنولوجيا تهدف إلى تسهيل انتقالها نحو الطاقة النظيفة، وتقليل الفجوة في الوصول إلى التقنيات الحديثة، كما تعمل على تعزيز مفهوم العدالة المناخية، الذي يربط بين حق الإنسان في بيئة نظيفة وحقه في التنمية، مع التأكيد على أن الدول الأكثر تسببا في الانبعاثات تتحمل مسؤولية أكبر في دعم التحول العالمي، وفي هذا الإطار، تشجع الأمم المتحدة على الاستثمار في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر، بوصفها بدائل استراتيجية قادرة على تحقيق الاستدامة طويلة الأمد وحماية كوكب الأرض للأجيال القادمة.

