تتصرف أحزاب مثل العمال البريطاني والديمقراطيين الأمريكيين وكأن الناس حسموا قراراتهم سلفاً، وأن لا شيء يمكن أن يغيّر قناعاتهم، لذلك تتجنب هذه الأحزاب تحدي الناخبين أثناء الحملات الانتخابية، وتعتمد بدلاً من ذلك على مجموعات التركيز لمعرفة ما يريد الناس سماعه ثم تكراره لهم، الفكرة ببساطة هي أنه لا تقُد الناس، بل اتبعهم. لكن المشكلة في هذا الأسلوب تعود إلى الأحزاب نفسها، لا إلى الناخبين.

صحيح أن محاولات الإقناع التقليدية تفشل غالباً، فقد أظهرت دراسة تحليلية واسعة أجراها العالمان السياسيان جوشوا كالا وديفيد بروكمان أن التأثير الفعلي للحملات الانتخابية والإعلانات السياسية في الانتخابات الأمريكية العامة يقترب من الصفر، لكن هذا لا يعني أن الناخبين غير قابلين للتأثر، بل يكشف فقط عقم الأساليب التي تستخدمها الأحزاب للتواصل معهم.
الدراسات اللاحقة، إلى جانب أبحاث أخرى، أثبتت وجود وسائل أكثر تأثيراً في تغيير المواقف، حتى لو لم تنجح مع الجميع، وهي وسائل قادرة على صنع فارق انتخابي حقيقي وبناء مجتمع أكثر عدلاً ورحمة واستدامة، يُطلق على هذه الأساليب اسم “الحملات العميقة”.
هذا النوع من الحملات يحتاج إلى جيش من المتطوعين، ويفضل أن يكونوا من داخل المجتمع المستهدف نفسه، فبدلاً من إلقاء رسالة سياسية ثم المغادرة سريعاً كما يفعل الناشطون التقليديون، يصبح دور المتطوع هنا هو بناء علاقة إنسانية قائمة على الاستماع.
تستمر المحادثات أحياناً لعشرين دقيقة أو أكثر، يُمنح خلالها الناس مساحة للتعبير عن مشاعرهم وتجاربهم، وبعد ذلك، ومن دون جدال أو إصدار أحكام، يشارك المتطوعون تجاربهم الشخصية ويطرحون أسئلة بسيطة مثل: هل سبق أن تعرضت للظلم؟ بحثاً عن أرضية مشتركة.
ظهرت هذه التقنية لأول مرة لدى نشطاء حقوق المثليين في لوس أنجلوس بعدما فشل التصويت على تشريع زواج المثليين في استفتاء محلي، بل إن هذه التقنية ربما لعبت دوراً حاسماً في انتخاب زهران ممداني رئيساً لبلدية نيويورك.
الفرق الحقيقي يكمن في الإنصات، فهناك قاعدة بسيطة في الحياة مفادها أنها إذا لم تستمع إلى الناس، فلن يستمعوا إليك. كثيراً ما أسمع أن الناس مرهقون سياسياً، وهذا لا يعني فقط ضغط العمل والحياة، بل أيضاً إرهاق الشعور بأن لا أحد يصغي إليهم، فالإحساس بالتجاهل يولد الاغتراب والإحباط.
كما أن “الحملات العميقة” تمنح الناس فرصة لتغيير آرائهم من دون إحراج أو شعور بالهزيمة، فقد أظهرت دراسة منشورة في مجلة “الاتصال السياسي” أن الإنسان حين يشعر بأنه يُستمع إليه باهتمام ومن دون أحكام، يصبح أكثر انفتاحاً وأقل دفاعية في تعامله مع المعلومات، فالاستماع النشط يخلق أيضاً شعوراً بالهوية المشتركة ويعزز الثقة في العملية الديمقراطية.
ورغم أهمية كل ذلك، أعتقد أن هناك طريقة ربما تكون أكثر فاعلية، حتى وإن لم تُقَسْ علمياً بعد، فقد تابعت أخيراً تجربة مجموعة لافتة في دائرتي الانتخابية بجنوب ديفون تُدعى “كومن غراوند”، هذه المجموعة ليست تابعة لأي حزب، لكنها تسعى لمنع صعود اليمين المتطرف، ومواجهة الانقسام، وصناعة ما تسميه “الحنين إلى اللطف”.
ميزانية المجموعة السنوية لا تتجاوز 400 جنيه إسترليني، وبدلاً من طرق الأبواب، ينصب المتطوعون لوحة في شارع مزدحم ويطلبون من المارة وضع ملصقات صغيرة للإجابة عن أسئلة تتعلق بالخدمات الصحية، والمناخ، والهجرة، وبريكست، ووسائل التواصل الاجتماعي، والاستقطاب السياسي وغيرها.

وهناك قاعدة أخرى في الحياة تقول إن الناس يحبون الملصقات.
اللوحة مكتوبة بخط اليد، وهو ما تقول أنثيا سيمونز، المحرك الرئيسي للمجموعة، إنه يساعد على قراءة الأسئلة للأشخاص غير القادرين على القراءة من دون إحراجهم، كما يشكل مدخلاً طبيعياً للحوار.
بعد ذلك يسأل المتطوعون الناس عن أسباب اختياراتهم، وينصتون باهتمام، وأحياناً يربطون بين تجاربهم الشخصية أو يصححون بعض المعلومات المضللة بلطف، وقد يستغرق الحوار دقائق، وقد يمتد لنصف ساعة.
شاهدت هذه التجربة في منطقتين تعانيان مستويات مرتفعة من الفقر والأزمات الاجتماعية وهما باينتون وبريكسهام، وهما من أبرز المناطق المستهدفة من حزب “ريفورم يو كي”، حيث يمكن بسهولة تحويل مشاعر التهميش إلى غضب تجاه المهاجرين أو الفئات المختلفة.
لكن اللافت أن أغلب المشاركين بدوا أكثر ميلاً إلى اليسار من توجهاتهم الانتخابية الفعلية، فالملصقات أظهرت دعماً واسعاً للخدمات الصحية العامة، والعمل المناخي، والتسامح، وإنهاء هيمنة الأثرياء، ومع ذلك، فإن كثيراً من هؤلاء الأشخاص صوتوا أو ينوون التصويت لحزب “ريفورم” الذي يتبنى سياسات معاكسة تماماً، والمفارقة أن هذا الاكتشاف بدا مفاجئاً لهم أيضاً.
كما لاحظت، خصوصاً بعد انتهاء النقاشات، شعوراً بالارتياح والحماس بين المشاركين، فبعضهم استمر في الحديث بحماسة عن القضايا التي تؤرقه مثل تدهور خدمات طب الأسنان، وأوضاع المرافئ، والفساد، والذكاء الاصطناعي، والقمامة، وأزمة الرعاية الاجتماعية، وقد بدا الأمر وكأن زجاجة مغلقة قد فُتحت أخيراً.
أن يشعر الإنسان بأن هناك من يسمعه له قيمة بحد ذاته، فالوحدة والاغتراب، إلى جانب كونهما أرضاً خصبة للفاشية، يمثلان سبباً رئيسياً للتعاسة الإنسانية، وقد أخبر بعض الأشخاص المتطوعين أن هذه كانت المحادثة الوحيدة التي أجروها طوال الأسبوع.
والنتيجة الأهم التي خرج بها المتطوعون هي أن الناس ما زالوا يهتمون بحياة الآخرين، حتى في زمن تدفعهم فيه الخوارزميات والمؤثرات الرقمية نحو الكراهية والخوف.
قد لا يكون هذا تماماً هو “الحشد العميق”؛ لأن المتطوعين لا يستخدمون نصوصاً جاهزة ويتحدثون في قضايا متعددة، لكن ربما يمكن وصفه بـ”الإنصات الجذري”.
ومن خلال ما شاهدته، يبدو أنهم اكتشفوا بالفعل وسيلة لهدم الجدران التي تفصل بين الناس، ولو انتشرت هذه التجربة في كل مكان، فقد نصبح أمام بلد مختلف تماماً.
نقلاً عن الجارديان