بعد أيام، يدخل قانون الإجراءات الجنائية الجديد في مصر حيز التطبيق، حاملاً تعديلات تقول السلطات إنها تعزز بعض الضمانات الإجرائية، لكن خلف النصوص تبقى الصحفية صفاء الكوربيجي رهن الحبس الاحتياطي منذ نحو عام في قضية تتصل، وفق جهات حقوقية وصحفية، بمنشور على “فيسبوك” فيما تنفي الكوربيجي أنها كتبته.
قضيتها تعيد فتح فجوة قانونية وحقوقية أوسع، فالدستور المصري يحظر العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر ضمن الضوابط والاستثناءات الواردة فيه، بينما يمكن أن يبقى صحفي خلف القضبان قبل صدور حكم عندما تنتقل الواقعة من إطار النشر إلى اتهامات جنائية أخرى، ومع بدء تطبيق القانون الجديد في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2026، يصبح السؤال حول قدرة الضمانات الجديدة على تقليص هذه الفجوة أكثر إلحاحا.
صفاء.. عام آخر خلف القضبان
في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2025 ألقي القبض على صفاء الكوربيجي من منزلها، قبل عرضها على نيابة أمن الدولة العليا وحبسها احتياطياً على ذمة القضية رقم 7256 لسنة 2025.
وتضمنت القضية اتهامات بالانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة وتمويل الإرهاب واستخدام حساب على شبكة المعلومات الدولية بغرض ارتكاب جريمة، ووفق ما وثقته المفوضية المصرية للحقوق والحريات ارتبط التحقيق بمنشور يعود إلى ديسمبر/كانون الأول 2024 حول أزمة أهالي مطروح في منطقة “شاليهات عجيبة”، فيما أفاد “فكر تاني” في سبتمبر/أيلول 2026، نقلا عن محاميها، بأن الكوربيجي تنفي أنها صاحبة المنشور.
وليست هذه تجربتها الأولى، فقد أمضت قرابة عامين رهن الحبس الاحتياطي في القضية رقم 441 لسنة 2022 قبل إخلاء سبيلها في فبراير/شباط 2024، وبعد خروجها دخلت في نزاع عمالي مع مجلة الإذاعة والتليفزيون انتهى، بحسب المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، بحكم تعويض قدره 88 ألف جنيه في مايو/أيار 2025.
لكنها عادت إلى الحبس في أكتوبر من العام نفسه، وتواصل تجديد حبسها خلال 2026، وتضيف حالتها الصحية بعدا آخر للقضية، إذ تشير المعلومات المنشورة إلى معاناتها من إعاقة حركية ومشكلات صحية، بينها خضوعها سابقا لجراحة في القلب.

الحماية موجودة.. فأين تكمن الفجوة؟
يكفل الدستور المصري حرية الفكر والرأي في المادة 65 وحرية الصحافة والنشر في المادة 70، فيما تحظر المادة 71 الرقابة على الصحف ووسائل الإعلام ومصادرتها أو وقفها أو إغلاقها، كما تحظر العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر والعلانية ضمن الاستثناءات التي يحددها النص.
لكن الحبس الاحتياطي لا يعد في توصيفه القانوني عقوبة، وإنما إجراء يسبق صدور الحكم، كما قد تواجه وقائع مرتبطة بمحتوى منشور أو نشاط صحفي أو تعبير على وسائل التواصل أوصافا جنائية أخرى لا تندرج حصرا تحت “جريمة النشر”.
وهنا تظهر المعضلة: حماية دستورية من عقوبة الحبس بسبب النشر قد تتجاور عمليا مع بقاء صحفي محبوسا احتياطيا على ذمة اتهامات أخرى.

وتظهر بيانات المؤسسات الحقوقية اختلافا في أعداد الصحفيين المحتجزين بحسب تاريخ ومنهجية الرصد.. فقد وضعت “مراسلون بلا حدود” مصر في المرتبة 169 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026 بدرجة 24.92 من مئة، فيما أحصت لجنة حماية الصحفيين 18 صحفيا مصريا خلف القضبان في الأول من ديسمبر/كانون الأول 2025. كما نقلت «”هيومن رايتس ووتش” عن نقيب الصحفيين أن 23 صحفيا كانوا في السجن حتى نهاية مايو/أيار 2025، معظمهم رهن الحبس الاحتياطي المطول.
قانون جديد واختبار قديم
في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2026 يبدأ تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025.
وتقول الرئاسة المصرية إن القانون يتضمن ضمانات إجرائية جديدة وتنظيما لبعض أوامر الإيداع والرقابة القضائية عليها، إلى جانب بدائل للحبس الاحتياطي. في المقابل، انتقدت منظمات حقوقية، بينها “هيومن رايتس ووتش”، جوانب من القانون ورأت أن ضمانات إضافية كانت ضرورية لحماية حقوق المحاكمة العادلة.
لذلك لن يكون الاختبار في النص وحده، وإنما في طريقة تطبيقه داخل النيابات والمحاكم ومدى انعكاسه فعليا على اللجوء إلى الحبس الاحتياطي ومدته.
النقابة: التشريعات تنعكس على غرف الأخبار
محمد سعد، عضو مجلس نقابة الصحفيين ومدير تحرير “الشروق”، قال لـ”صفر” :”إن العمل الصحفي يواجه تحديات تشريعية وهيكلية تؤثر في مناخ الحريات، مشيرا إلى مواد قانونية يرى أنها تتعارض مع الدستور وتحتاج إلى المراجعة”.
ويلفت سعد إلى عدم صدور قانون لتداول المعلومات، رغم النص الدستوري على الحق فيها، موضحا أن النقابة أعدت مشروعا بالتعاون مع خبراء وقانونيين وحشدت تأييد نحو ستين نائبا لمناقشته.
ويرى أن الأثر يتجاوز الصحفي الذي يتعرض للتحقيق إلى غرف الأخبار نفسها، مع انتشار الرقابة الذاتية والخشية من تناول أفكار وقضايا حساسة بسبب احتمالات الملاحقة القانونية.
وتتفق معه عضو مجلس النقابة إيمان عوف في وجود فجوة بين النصوص والتطبيق.. وقالت لـ”صفر” إن مطالب النقابة تشمل تشريعا يمنع الحبس في قضايا النشر وإقرار قانون لحرية تداول المعلومات، إلى جانب مراجعة القيود المرتبطة بالتصوير والعمل الصحفي الميداني.
وطالبت عوف بالإفراج عن الصحفيين المحبوسين، مشيرة إلى 19 صحفيا تقول النقابة إن بعضهم يعاني أوضاعا صحية ونفسية صعبة مع امتداد فترات الحبس الاحتياطي.
قراءتان قانونيتان
المستشار القانوني جاب الله أبو عامود يرفض اختزال الصورة في القول إن الصحافة بلا حماية قانونية، مؤكدا لـ”صفر” أن الدستور وقانون تنظيم الصحافة والإعلام يقدمان ضمانات مهمة.
لكنه يشير إلى استثناءات ومساحات تقديرية مرتبطة بالأمن القومي والسرية، وإلى إمكان ملاحقة الصحفي بأوصاف جنائية أخرى بعيدة عن جريمة النشر بمعناها الضيق، ويرى أن المطلوب تضييق النصوص الفضفاضة ووضع ضوابط صارمة للحبس الاحتياطي وإصدار قانون متكامل لحرية تداول المعلومات.
في المقابل، يؤكد الخبير القانوني عماد عجبان أن حرية الصحافة تقترن بمسؤولية مهنية، وأن الصحفي يستطيع ممارسة حرية الرأي والتعبير ضمن ضوابط تمنع الإساءة والتشهير وتوجب الاستناد إلى مصادر موثوقة.
ويرى عجبان في حديث لـ”صفر” أن قانون تنظيم الصحافة والإعلام يوفر حماية في جرائم النشر والعلانية ضمن حدوده القانونية، بينما تخضع الأفعال التي تحمل أوصافا جنائية أخرى للقوانين المنظمة لها.
وسعت “صفر” للحصول على موقف الهيئة الوطنية للصحافة، وتواصل فريق العمل مع رئيس الهيئة والمتحدث الرسمي عبد الصادق الشوربجي واثنين من أعضاء مجلس إدارتها، إلا أنهم اعتذروا عن الإجابة.
الاختبار خارج النصوص
قضية صفاء الكوربيجي لا تختصر وحدها واقع الصحافة المصرية، لكنها تضع اليد على المعضلة التي يناقشها التقرير، وهي المسافة بين حماية يمنحها الدستور للصحافة وبين إجراءات قانونية قد تبقي صحفيا خلف القضبان قبل صدور حكم نهائي.
ومع دخول قانون الإجراءات الجنائية الجديد حيز التطبيق، لن تكون قيمة الضمانات الجديدة في عدد المواد التي تحملها، بل فيما إذا كانت ستغير الممارسة فعليا.
فالاختبار يبدأ حيث تنتهي النصوص، يبدأ داخل التحقيقات والمحاكم، وعند القرار بين إبقاء الصحفي محبوسا أو استخدام بديل للحبس، هناك فقط سيتضح ما إذا كانت المسافة بين الحق المكتوب وممارسته ستضيق، أم ستظل زنزانة صحفي قادرة على كشف اتساعها.
