منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

حرية التعبير في العصر الرقمي تحت مجهر مجلس حقوق الإنسان

دعوات دولية لمواجهة التضليل وحماية الصحفيين وتنظيم الذكاء الاصطناعي

18 يونيو 2026
تحذيرات دولية من خطورة الذكاء الاصطناعي
تحذيرات دولية من خطورة الذكاء الاصطناعي

ناقش مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة التحديات المتصاعدة التي تواجه الحق في حرية الرأي والتعبير في ظل التطورات التكنولوجية المتسارعة، وسط توافق دولي واسع على أهمية حماية هذا الحق باعتباره أحد الركائز الأساسية للديمقراطية والحكم الرشيد، مع تأكيد ضرورة مواجهة مخاطر التضليل الإعلامي وخطاب الكراهية والتهديدات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية.

وجاء ذلك خلال الحوار التفاعلي مع المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بتعزيز وحماية الحق في حرية الرأي والتعبير، إيرين خان، ضمن فعاليات *الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان* المنعقدة في جنيف، حيث استعرضت الدول والمنظمات الدولية رؤيتها بشأن مستقبل حرية التعبير في البيئة الرقمية، والتحديات التي تفرضها التكنولوجيا الحديثة على الحقوق والحريات الأساسية.

وأكدت إثيوبيا أن حرية التعبير تمثل حقاً أساسياً من حقوق الإنسان وركيزة للحكم الديمقراطي والتنمية المستدامة، مشيرة إلى أن التطورات التكنولوجية والمنصات الرقمية أوجدت تحديات معقدة أمام الدول، خصوصاً فيما يتعلق بالتعامل مع المعلومات المضللة وخطاب الكراهية والمحتوى الضار.

وشددت على ضرورة معالجة هذه الظواهر بما يتوافق مع الالتزامات الدولية لحقوق الإنسان، مع احترام السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، داعية إلى تعزيز التعاون الدولي وردم الفجوة الرقمية وبناء القدرات لضمان مشاركة عادلة لجميع الدول في الفضاء الرقمي.

حرية الرأي والتعبير

من جانبها، أكدت بلغاريا أن حرية الرأي والتعبير تمثل معياراً أساسياً للمجتمعات التعددية والمتسامحة، محذرة من الآثار السلبية للتلاعب بالمعلومات وانتشار الأخبار المضللة وتصاعد خطاب الكراهية، خاصة في ظل النزاعات والتوترات السياسية والعسكرية الراهنة.

وأشارت إلى أن التوسع السريع في المجال الرقمي فرض تحديات جديدة تتطلب تحديث الأطر التنظيمية والمؤسساتية لضمان حماية حرية التعبير واستقلال وسائل الإعلام وسلامة الصحفيين، مؤكدة استمرار دعمها للمبادرات الدولية الرامية إلى مواجهة التضليل الإعلامي وتعزيز التعددية الإعلامية.

وركزت أرمينيا على الدور الحيوي الذي يؤديه الصحفيون في توثيق الانتهاكات أثناء النزاعات المسلحة والأزمات الإنسانية، مؤكدة أن حمايتهم التزام قانوني بموجب القانون الدولي الإنساني.

وأعربت عن قلقها من تصاعد المعلومات المضللة ومن المخاطر التي تواجه النساء والأطفال والصحفيين في البيئات الرقمية، إلى جانب التحديات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الناشئة.

واستعرضت الإصلاحات التي نفذتها لتعزيز تعددية وسائل الإعلام وضمان الوصول المفتوح إلى الإنترنت وتحسين بيئة عمل الصحفيين والمجتمع المدني.

تعزيز حرية التعبير

أما جمهورية كوريا، فأشادت بجهود المقررة الخاصة خلال سنوات ولايتها، مؤكدة أن التكنولوجيات الرقمية والذكاء الاصطناعي تتيح فرصاً كبيرة لتعزيز حرية التعبير والمشاركة المدنية ودعم المدافعين عن حقوق الإنسان، لكنها في الوقت ذاته تطرح مخاطر تتعلق بالمراقبة التعسفية والمعلومات المضللة والهجمات التي تستهدف الصحفيين والنشطاء.

وشددت على ضرورة أن تستند الاستجابات لهذه التحديات إلى القانون الدولي لحقوق الإنسان، مع تحقيق توازن بين مكافحة المحتوى الضار وحماية حرية التعبير.

وفي مداخلتها، أعربت مصر عن قلقها إزاء المخاطر الناجمة عن سوء استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي وما يترتب عليها من آثار مباشرة وغير مباشرة في التمتع بالحقوق الأساسية، ومنها حرية الرأي والتعبير.

وأشارت إلى أن التحيز الخوارزمي قد يؤدي إلى تسليط الضوء على قضايا معينة بصورة غير متوازنة، ما يقوض تكافؤ فرص الوصول إلى المعلومات.

وحذرت من تركز أدوات الذكاء الاصطناعي في أيدي عدد محدود من الشركات العالمية، وما قد يترتب على ذلك من إضعاف للتنوع والابتكار، فضلاً عن الإسهام في التحريض على الكراهية والعنف في بعض الحالات.

وأكدت أهمية بناء إعلام رقمي آمن وشفاف وشامل، يستند إلى حقوق الإنسان ويعزز التعاون بين الحكومات والشركات والمجتمع المدني.

تقنيات الذكاء الاصطناعي

بدورها، شددت أيرلندا على أن تطوير واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون متوافقاً بالكامل مع معايير حقوق الإنسان، مشيرة إلى الإمكانات الكبيرة لهذه التكنولوجيا في توسيع الوصول إلى المعلومات وتعزيز المشاركة الديمقراطية.

وفي المقابل، أعربت عن قلقها من مخاطر التلاعب بالمعلومات وانتشار الأخبار الكاذبة وخطاب الكراهية، وما يترتب على ذلك من آثار سلبية في المؤسسات الديمقراطية وحرية التعبير، متسائلة عن السبل الكفيلة بضمان الاستدامة الاقتصادية لوسائل الإعلام وتجنب ما وصفته بـ”صحارى المعلومات”.

وأكدت بنغلاديش أن حرية الرأي والتعبير تشكل حجر الزاوية للديمقراطية والمساءلة والتنمية الشاملة، لكنها شددت على أن هذه الحقوق ترتبط أيضاً بمسؤوليات تتعلق بالأمن العام والنظام العام.

ورأت أن مكافحة الإرهاب والجرائم السيبرانية وخطاب الكراهية والمعلومات المضللة يجب ألا تؤدي إلى تقليص الحيز المدني أو إضعاف الحريات الأساسية، بل ينبغي أن تعتمد على بناء الثقة وتعزيز الثقافة الرقمية وتطوير القدرات المؤسسية.

ولفتت إلى التحديات التي تواجهها الدول النامية في الامتثال للمعايير الرقمية العالمية في ظل محدودية الموارد والبنية التحتية، داعية إلى تعاون دولي حقيقي يشمل نقل التكنولوجيا وبناء القدرات.

التأثير المتزايد للتكنولوجيا

من جهتها، أكدت رومانيا أن التقرير المقدم إلى المجلس يسلط الضوء على التأثير المتزايد للتكنولوجيات الرقمية في إعادة تشكيل واقع حرية التعبير عالمياً.

وأشارت إلى أن تراجع حرية وسائل الإعلام يمثل تهديداً مباشراً للديمقراطية ولمنظومة القيم الأساسية، داعية إلى الاستثمار في التعليم والتوعية باعتبارهما من أهم الأدوات لحماية حرية الرأي والتعبير وتعزيز القدرة المجتمعية على مواجهة المعلومات المضللة.

وفي ختام الحوار، قدمت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحرية الرأي والتعبير، إيرين خان، ملاحظاتها الختامية، معربة عن تقديرها للدعم الواسع الذي حظي به تقريرها ولحالة الإجماع غير المسبوقة التي لمستها خلال المناقشات.

وأكدت خان أن التوافق على تشخيص المشكلات لم يعد كافياً، وأن التحدي الحقيقي يتمثل في ترجمة هذا الإجماع إلى إجراءات عملية وسياسات فعالة.

وشددت على أن القانون الدولي لحقوق الإنسان يظل الإطار الأكثر موثوقية للتعامل مع التهديدات الرقمية التي تواجه حرية التعبير والديمقراطية والتنمية في العصر الحديث.

ودعت الدول الأعضاء إلى توسيع نطاق التعاون مع المجتمع المدني والخبراء المستقلين، وحشد الجهود الجماعية لمواجهة محاولات تقويض حرية التعبير أو احتكارها من قبل قوى سياسية أو اقتصادية محدودة النفوذ، كما أكدت أهمية الاستثمار في بناء القدرات وردم الفجوات الرقمية، مع إيلاء اهتمام خاص للفجوة الرقمية بين الجنسين.

التنظيم الذكي

فيما يتعلق بتنظيم شركات التكنولوجيا الكبرى، شددت المقررة الخاصة على ضرورة اعتماد ما وصفته بـ”التنظيم الذكي” القائم على تقييم المخاطر، بدلاً من اللجوء إلى إجراءات واسعة قد تتحول إلى أدوات للرقابة.

وأشارت إلى أن التجارب الأخيرة أثبتت أن الشركات الرقمية تستجيب عندما تواجه أطر تنظيمية فعالة ومستقلة تستند إلى القانون الدولي لحقوق الإنسان.

كما تناولت مسألة خطاب الكراهية واستغلال حرية التعبير ضد الأقليات والجماعات الدينية، مؤكدة أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق القيادات السياسية التي ينبغي أن تستخدم منابرها لتعزيز التعايش والاحترام المتبادل بدلاً من تأجيج الانقسامات.

ودعت إلى تعزيز التثقيف المجتمعي والاستفادة من الأدوات الدولية القائمة، وفي مقدمتها خطة عمل الرباط، لمواجهة خطاب الكراهية بفعالية.

ملف سلامة الصحفيين

في ملف سلامة الصحفيين، اعتبرت خان أن الإفلات من العقاب لا يزال أكبر التحديات التي تواجه حرية الإعلام حول العالم، مؤكدة أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق الدول التي تقع فيها الانتهاكات، لكنها أشارت إلى وجود آليات دولية أخرى يمكن اللجوء إليها عندما تعجز الدول أو تمتنع عن إجراء التحقيقات اللازمة، ومنها الولاية القضائية العالمية وآليات التحقيق الدولية.

وانتقدت المقررة الخاصة بعض التشريعات الوطنية التي ترى أنها تؤدي إلى تقييد حرية التعبير أكثر مما توفره من حماية، مؤكدة أن القوانين السيئة قد تكون أحياناً أكثر خطورة من غياب القوانين، كما شددت على أن حرية التعبير ليست حقاً مطلقاً، لكنها حق تحكمه حدود واضحة ومحددة في القانون الدولي لحقوق الإنسان.

وفي رسالة أخيرة للدول الأعضاء، أكدت خان أن الديمقراطيات نفسها تشهد تراجعاً في بعض الأحيان في التزامها بالمبادئ التي تدافع عنها، داعية الحكومات إلى تطبيق المعايير الدولية التي تدعو إليها، وعدم ترك مستقبل حرية التعبير رهينة لمصالح الشركات الكبرى أو الحسابات السياسية الضيقة.

واختتمت ولايتها بتأكيد أهمية حماية المقررين الخاصين والخبراء المستقلين العاملين ضمن منظومة الأمم المتحدة، مشيرة إلى أنهم يتعرضون بشكل متزايد للهجمات والاستهداف بسبب طبيعة عملهم المستقل.

ودعت الدول الأعضاء والأمين العام للأمم المتحدة والمفوض السامي لحقوق الإنسان إلى توفير الحماية اللازمة لهم، ما يضمن استمرارهم في أداء دورهم الرقابي والدفاع عن حقوق الإنسان في مواجهة السلطة والانتهاكات أينما وجدت.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print