منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

معاش لا يكفي الدواء والتعليم.. متقاعدو الجيش اللبناني يواجهون تآكل الأمان بعد الخدمة

17 سبتمبر 2026
متقاعدو الجيش اللبناني يواجهون تآكل الأمان بعد الخدمة
متقاعدو الجيش اللبناني يواجهون تآكل الأمان بعد الخدمة

“بيعطوني هلّا 500 دولار.. مبارح دفعتهم كلن على كتب ولادي، طيب كيف بدي أجيب دوا؟ كيف بدي أفتح بيتي وعيش ولادي وعلمهم؟” بهذه الكلمات يختصر الرقيب أول المتقاعد ماهر ضاهر ما فعلته الأزمة الاقتصادية بمعاش كان يفترض أن يوفر له قدراً من الأمان بعد انتهاء خدمته.

أمضى ماهر أكثر من 30 عاماً في الجيش اللبناني، وأصيب ثلاث مرات أثناء تأدية واجبه، لكنه بعد التقاعد وجد نفسه أمام معركة مختلفة، لا تدور في موقع عسكري، بل داخل ميزانية أسرته؛ إذ يحصل اليوم على نحو 500 دولار شهرياً، وفي شهر واحد ذهبت جميعها إلى كتب أبنائه، في حين بقي عليه أن يدبر كلفة الدواء والطعام وبقية احتياجات المنزل.

قصة ماهر تضع سؤالاً يتجاوز مقدار المعاش نفسه، إلى النبش عميقاً حول قدرة نظام التقاعد على توفير الحماية الاقتصادية للعسكري بعد انتهاء خدمته، أم إن تراجع القدرة الشرائية جعل بعض المتقاعدين مضطرين إلى المفاضلة بين احتياجات أساسية؟

معاشات فقدت جزءاً من قيمتها

منذ الأزمة المالية التي انفجرت في لبنان عام 2019، فقدت رواتب ومعاشات القطاع العام جزءاً كبيراً من قيمتها الفعلية، في حين حاولت الدولة تعويض التراجع عبر زيادات ومساعدات وتقديمات مختلفة، لكن العسكريين المتقاعدين يقولون إن ما يحصلون عليه لم يستعد القدرة الشرائية التي كانت لمعاشاتهم قبل الأزمة.

وفي 9 سبتمبر/ أيلول 2026، خرج متقاعدون عسكريون في بيروت ومناطق أخرى احتجاجاً على مشروع موازنة 2027، وقطع بعضهم طرقاً وأشعلوا إطارات، مطالبين بإدراج تصحيح الرواتب والمعاشات في الموازنة واستعادة جزء من قيمتها التي فقدت بعد 2019، في حين طالب محتجون برفع الحد الأدنى إلى نحو 1200 دولار.

ولا يمثل مبلغ 1200 دولار معياراً حقوقياً ملزماً للدولة، بل مطلب رفعه المحتجون، أما القضية التي يختبرها التقرير فهي مدى كفاية معاش التقاعد نفسه لتوفير الحماية الاجتماعية ومستوى معيشي لائق.

من الراتب إلى الاحتياجات الأساسية 

بالنسبة لسعد حسني، عضو رابطة المحاربين القدامى في لبنان، فإن المشكلة لم تعد تقتصر على مقدار المعاش، بل وصلت إلى قدرة المتقاعد على تأمين الغذاء والدواء وتعليم الأبناء ومتطلبات الحياة اليومية.

يقول حسني لـ”صفر”: “الانهيار الاقتصادي وتراجع قيمة العملة جعلا المعاشات عاجزة عن مواكبة تكاليف المعيشة، في حين ينظر المتقاعدون إلى مطالبهم باعتبارها محاولة لاستعادة جزء من القيمة التي فقدتها حقوقهم التقاعدية، لا مجرد مطالبة بزيادة الإنفاق العام”.

وتظهر المشكلة بصورة أكثر وضوحاً بالنسبة إلى ماهر من خلال التالي: المعاش موجود لكنه لا يوقف اضطراره إلى الاختيار بين احتياجات كلها أساسية، ولا تحتمل أن يكون أحدها بديلاً عن الآخر؛ تعليم أبنائه أو شراء دوائه أو متطلبات أسرته.

الحكومة تحسب كلفة التصحيح

في المقابل تربط الحكومة معالجة الرواتب والمعاشات بقدرة الخزينة على تحمل أي زيادة بصورة مستدامة.

وزير المالية ياسين جابر قال في تصريحات صحافية، إن مشروع موازنة 2027 يجب أن ينتقل من مجرد ضبط الإنفاق والتوازن بين الإيرادات والنفقات إلى موازنة تعكس أولويات الدولة واستراتيجيتها، وتظهر المناقشات الحكومية أن معالجة أوضاع العاملين والمتقاعدين ترتبط أيضاً بكيفية تمويل الزيادات وعدم تحويلها إلى التزام لا تستطيع المالية العامة الاستمرار فيه.

وتكشف التطورات السابقة للموازنة أن الخلاف لا يتعلق بمبدأ الزيادة فقط، بل بطريقة تنفيذها أيضاً، ففي يوليو/ تموز 2026 اقترحت وزارة المالية توزيع دفعات إضافية مستحقة للموظفين والعسكريين والمتقاعدين على 12 شهراً حتى أغسطس/ آب 2027، وهو ما واجه اعتراضاً في القطاع العام.

أما مشروع موازنة 2027 الذي بدأت الحكومة مناقشته في سبتمبر/ أيلول، فتبلغ نفقاته المقترحة نحو 6.87 مليار دولار، بزيادة تقارب 15% على موازنة 2026، ما يضع مطالب تصحيح الرواتب والمعاشات داخل نقاش أوسع حول الإنفاق والإيرادات وقدرة الدولة على تمويل التزاماتها.

إصلاح يتجاوز زيادة المعاش

الباحث والخبير اللبناني في الشؤون الاجتماعية والاقتصادية زياد ناصر الدين يرى في تصريح لـ”صفر” أن أزمة المتقاعدين جزء من أزمة اقتصادية أوسع بدأت عام 2019 وانعكست مباشرة على قيمة العملة والقدرة الشرائية، ولا يكفي التعامل مع ملف التقاعد من خلال زيادة مؤقتة، بل يحتاج إلى معالجة مالية أكثر استدامة تقوم على تحسين إيرادات الدولة والتحصيل والجباية ومكافحة الهدر والتهرب.

هذه المقاربة لا تلغي مطلب المتقاعدين، لكنها تضعه أمام سؤال التمويل، وكيف يمكن استعادة جزء من القيمة الفعلية للمعاش من دون أن يتحول التصحيح إلى زيادة مؤقتة تلتهمها الأسعار أو تعجز الخزينة لاحقاً عن تمويلها؟

المعاش حق لا ينتهي بانتهاء الخدمة

لبنان طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية منذ عام 1972، ويقر العهد في المادة التاسعة الحق في الضمان الاجتماعي، وفي المادة الحادية عشرة الحق في مستوى معيشي لائق.

وتوضح لجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أن الضمان الاجتماعي يشمل الحماية من فقدان الدخل المرتبط، من بين أسباب أخرى، بالتقدم في السن وإصابات العمل، وأن الإعانات ينبغي أن تكون كافية من حيث قيمتها ومدتها، ما يسمح بالتمتع بمستوى معيشي لائق والوصول إلى الرعاية الصحية.

ولا يعني ذلك أن القانون الدولي يحدد رقماً معيناً لمعاش المتقاعد أو يلزم الدولة بمطلب 1200 دولار، لكنه يجعل كفاية الحماية التي يوفرها المعاش جزءاً من السؤال الحقوقي، لا مجرد مسألة محاسبية داخل الموازنة.

ماهر وزملاؤه يرون الأمور أقل تعقيداً من أرقام الخزينة، فهم لا يسألون اليوم فقط كم ستزيد الدولة معاشاتهم، بل ماذا يستطيع هذا المعاش أن يؤمن لهم ولأسرهم، فالاختبار الحقيقي للمعاش لا يبدأ عند الرقم الذي تحوله الدولة إلى حساب المتقاعدين، بل عندما يستطيع هذا الرقم أن يحميهم من العوز ويلغي المفاضلة بين الدواء وتعليم الأبناء واحتياجات بيوتهم الأساسية.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان