لم تعد أزمة حقوق الإنسان في بيلاروس محصورة داخل حدود الدولة، أو مقتصرة على السجون والمحاكم وأجهزة الأمن، فوفق ما عُرض أمام مجلس حقوق الإنسان، باتت منظومة القمع تمتد إلى الخارج، تطارد المنفيين، وتضغط على عائلاتهم، وتستخدم الوثائق الرسمية والجنسية والخدمات القنصلية كأدوات للعقاب السياسي، وبذلك تتحول بيلاروس من نموذج للقمع الداخلي إلى حالة أكثر تعقيداً، يصبح فيها الخوف قابلاً للتصدير، ويغدو المنفى نفسه مساحة غير آمنة بالكامل.
خلال الحوار التفاعلي بشأن حالة حقوق الإنسان في بيلاروس، تكررت الإشارات إلى أن البلاد لم تشهد تغييراً منهجياً حقيقياً، رغم الإفراج عن عدد من السجناء السياسيين، فقد أكد المقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في بيلاروس، نيلسميزنيكس، أن الإفراجات المحدودة لا تكفي لإخفاء استمرار القمع واسع النطاق، ولا يمكن اعتبارها مؤشراً على تحول سياسي أو حقوقي ما لم تقترن بإنهاء الانتهاكات البنيوية، ووقف التعذيب وسوء المعاملة، والإفراج عن جميع السجناء السياسيين، ووقف إساءة استخدام قوانين مكافحة الإرهاب والتطرف.
غير أن أحد أبرز ملامح النقاش كان اتساع الحديث عن القمع العابر للحدود، فقد أشارت عدة مداخلات، من دول ومنظمات حقوقية، إلى أن السلطات البيلاروسية لم تكتفِ بملاحقة المعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان داخل البلاد، بل واصلت الضغط على من أُجبروا على المغادرة، سواء عبر المحاكمات الغيابية، أو التهديدات، أو القيود على الوثائق، أو استهداف الأقارب داخل بيلاروس.
وتكشف هذه الممارسات عن نمط عقابي مركب، لا يستهدف الشخص المعارض وحده، بل يمتد إلى عائلته وشبكته الاجتماعية والمهنية، فقد تحدثت اللجنة البيلاروسية لهلسنكي عن توسع ما وصفته بمبدأ “المسؤولية الجماعية”، حيث يتعرض أقارب المستهدفين سياسياً إلى الاستجواب والتهديد والضغط، وأحياناً الفصل من العمل أو أشكال أخرى من المضايقة، وتحت غطاء ما يُسمى “الزيارات الوقائية”، تقوم أجهزة أمنية، بما فيها جهاز الأمن ووزارة الداخلية، بزيارة عائلات المعارضين أو المنفيين، في رسالة واضحة مفادها أن مغادرة البلاد لا تعني الخروج من دائرة الخطر.
القمع في بيلاروس
هذا النمط لا يمس فقط الحقوق السياسية، بل يهدد النسيج الاجتماعي ذاته، فعندما تتحول العائلة إلى نقطة ضغط، يصبح النشاط الحقوقي أو الصحفي أو السياسي عبئاً جماعياً، ويُدفع الأفراد إلى الصمت ليس خوفاً على أنفسهم فقط، بل خشية من إيذاء أقاربهم، وهنا لا يعود القمع مجرد علاقة بين الدولة والمعارض، بل يتحول إلى بنية ترهيب اجتماعي واسعة، هدفها إنتاج الرقابة الذاتية وإضعاف أي قدرة على التنظيم أو التعبير.
ومن بين أكثر الأدوات خطورة في هذا السياق استخدام الجنسية والوثائق الرسمية كسلاح سياسي، فقد أثيرت في الجلسة مسألة حرمان بيلاروسيين في الخارج من الخدمات القنصلية، وصعوبات تجديد جوازات السفر، وخطر انعدام الجنسية، وهذه المسألة تتجاوز البعد الإداري، لأنها تمس الحق في الهوية القانونية، وحرية التنقل، والوصول إلى الحماية، والقدرة على الإقامة والعمل والدراسة في بلدان اللجوء أو المنفى.
فعندما يُحرم المعارض أو المدافع عن حقوق الإنسان من تجديد وثائقه، يصبح وجوده القانوني في الخارج هشاً، وقد يجد نفسه عاجزاً عن السفر، أو تسوية وضعه، أو إثبات هويته، أو الوصول إلى خدمات أساسية، وفي حالات معينة، قد يواجه خطر انعدام الجنسية أو فقدان الحماية القانونية الفعلية، وهو ما يجعل الوثيقة الرسمية أداة للسيطرة السياسية خارج حدود الدولة.
وبرزت المحاكمات الغيابية كأداة أخرى للقمع العابر للحدود، فقد أشارت منظمات حقوقية إلى صدور أحكام غيابية بحق نشطاء ومدافعين عن حقوق الإنسان في الخارج، من بينهم أولغا كاراتشا، إلى جانب آخرين، ولا تقتصر خطورة هذه المحاكمات على الأحكام ذاتها، بل على الرسالة التي تحملها: أن الدولة لا تعترف بالمنفى كمساحة للحماية، وأنها قادرة على إنتاج ملاحقة قانونية وسياسية ضد من ينتقدونها حتى وهم خارج أراضيها.
هذا الاستخدام للقانون لأغراض سياسية يضرب جوهر الحق في المحاكمة العادلة، فالمحاكمة الغيابية، حين تُستخدم ضد معارضين في الخارج ضمن بيئة قمعية، تتحول من إجراء قضائي إلى وسيلة ردع، وهي لا تهدف فقط إلى معاقبة الفرد، بل إلى تخويف مجتمع المنفى، ومنع النشطاء من مواصلة التوثيق أو المناصرة أو التواصل مع الآليات الدولية.
المنفيون في بيلاروس
وفي هذا السياق، شددت منظمات حقوقية على أن المنفيين البيلاروسيين، بمن فيهم الصحفيون والمحامون والناشطون والمدافعون عن حقوق الإنسان، يواجهون تحديات مضاعفة، فمن جهة، هم خارج البلاد بسبب القمع، ومن جهة أخرى، يستمر استهدافهم بوسائل مختلفة، بما يشمل التهديدات، والملاحقات، والهجمات السيبرانية، والضغط على عائلاتهم، والحرمان من الوثائق والخدمات القنصلية.
وقد أكد المقرر الخاص في ملاحظاته الختامية أن هؤلاء المنفيين واللاجئين يحتاجون إلى دعم فعلي، لا سيما عبر إجراءات مرنة وسريعة للحصول على الوثائق الرسمية، وتوفير الحماية من القمع العابر للحدود، ودعم التعليم والإعلام المستقل والإنتاج الثقافي باللغة البيلاروسية، كما أشار إلى الحاجة إلى دعم نفسي واجتماعي للمفرج عنهم من السجون، خاصة ممن تعرضوا للتعذيب أو سوء المعاملة.
وتكمن أهمية هذا الطرح في أنه ينقل ملف بيلاروس من دائرة الانتهاكات التقليدية إلى سؤال أوسع حول حماية المنفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان خارج بلدانهم، فاللجوء لا يكون آمناً إذا ظلت الدولة الأصلية قادرة على ملاحقة الشخص قانونياً أو رقمياً أو عائلياً أو إدارياً، والحماية الدولية لا تكتمل بمجرد عبور الحدود، بل تحتاج إلى سياسات واضحة تمنع تحول المنفى إلى امتداد غير مباشر لساحة القمع.
ضمان عدم الإعادة القسرية
من هنا، يصبح دور الدول المستضيفة أساسياً، فالمطلوب ليس فقط منح الحماية أو اللجوء، بل أيضاً ضمان عدم الإعادة القسرية، وتسهيل تسوية الأوضاع القانونية، والاعتراف بالمخاطر الخاصة التي يواجهها المعارضون والمدافعون عن حقوق الإنسان، وتوفير بدائل عملية في حال تعذر الحصول على وثائق من السلطات البيلاروسية، كما ينبغي دعم منظمات المجتمع المدني في المنفى، لأنها أصبحت في كثير من الحالات الجهة القادرة على التوثيق، وحفظ الذاكرة، ونقل صوت الضحايا إلى الآليات الدولية.
كما أن استمرار جمع الأدلة والشهادات يكتسب أهمية مضاعفة، فوفق ما أكده المقرر الخاص، بات الوصول إلى المعلومات أكثر صعوبة بسبب حرص السلطات على إخفاء الانتهاكات وتزايد الخوف من الانتقام، وهذا يعني أن دعم التوثيق لم يعد عملاً حقوقياً تقليدياً فقط، بل أصبح ضرورة لحماية الحقيقة من الاختفاء، ولمنع الإفلات من العقاب مستقبلاً.
تكشف حالة بيلاروس أن القمع الحديث لا يحتاج دائماً إلى حدود مغلقة كي يكون فعالاً، فقد يمتد عبر السفارات، والوثائق، والمحاكم، والإنترنت، والتهديدات، والعائلات، وقد يعيش المعارض في بلد آخر، لكنه يبقى مرتبطاً بمنظومة ضغط تطاله وتطال من بقي خلفه.
لذلك، فإن التعامل مع الأزمة البيلاروسية يتطلب فهماً أوسع للانتهاكات، فالمسألة ليست فقط عدد السجناء السياسيين، رغم خطورة هذا الملف، وليست فقط إغلاق الحيز المدني أو تقييد الإعلام، إنها أيضاً معركة على الحق في الأمان خارج الحدود، والحق في الهوية القانونية، والحق في عدم استخدام العائلة كوسيلة ابتزاز، والحق في مواصلة الدفاع عن حقوق الإنسان دون خوف من انتقام عابر للحدود.
وفي ضوء ما عُرض أمام مجلس حقوق الإنسان، تبدو الرسالة واضحة: لا يمكن الحديث عن تحسن حقيقي في بيلاروس طالما بقي القمع ممتداً إلى الخارج، وطالما ظل المنفى غير كافٍ لحماية المعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان، فالإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تتوقف الدولة عن معاقبة مواطنيها بسبب آرائهم، داخل البلاد وخارجها، وعندما يصبح القانون أداة حماية لا وسيلة ملاحقة، وعندما تُفتح الطريق أمام المساءلة بدل الإفلات من العقاب.
