منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

وسط مطالبات بوقف الانتهاكات وتعزيز المساءلة الدولية

مجلس حقوق الإنسان يناقش تداعيات الحرب على لبنان والحريات في بوروندي وبيلاروس

29 يونيو 2026
لبنان.. اعتداءات متكررة ونزوح متواصل
لبنان.. اعتداءات متكررة ونزوح متواصل

هيمنت ملفات النزاعات المسلحة، وحماية المدنيين، والحقوق السياسية، والحريات العامة، على مناقشات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، حيث استعرض المشاركون تداعيات الحرب على لبنان، والانتهاكات المستمرة في بوروندي، إلى جانب التدهور المتواصل في أوضاع حقوق الإنسان في بيلاروس، وسط دعوات متكررة إلى تعزيز آليات المساءلة الدولية، وحماية المجتمع المدني، وضمان احترام القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

وجاءت هذه المناقشات ضمن فعاليات الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان المنعقدة في جنيف، والتي خصصت عدداً من جلساتها للحوار التفاعلي مع المقررين الخاصين المعنيين بحالة حقوق الإنسان في عدد من الدول، إضافة إلى مناقشة تطورات الأوضاع الإنسانية في لبنان في ضوء استمرار العمليات العسكرية وما خلفته من خسائر بشرية ومادية واسعة.

واستهل نائب رئيس الوزراء اللبناني ورئيس اللجنة الوطنية المعنية بالقانون الإنساني الدولي، طارق متري، كلمته بالتأكيد أن لبنان لا يتطلع إلى مجرد خفض التصعيد، وإنما إلى وقف كامل لإطلاق النار، مشيراً إلى أن معالجة آثار الحرب ستستغرق وقتاً طويلاً، وأن إعادة بناء ما دمرته العمليات العسكرية ستكون عملية معقدة على المستويين الإنساني والمؤسساتي.

وأكد متري أن توثيق معاناة المدنيين وحماية حقوقهم يمثلان أولوية بالنسبة للحكومة اللبنانية، ليس فقط من منظور وطني، وإنما انطلاقاً من الالتزام بالقانون الدولي والقيم الإنسانية التي تأسست عليها الأمم المتحدة.

جمع المعلومات والأدلة

وأوضح أن فريقاً فنياً أوفده مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان يباشر حالياً عمله داخل لبنان لجمع المعلومات والأدلة المتعلقة بالانتهاكات المزعومة للقانون الدولي والقانون الإنساني الدولي التي ارتكبتها مختلف أطراف النزاع، تمهيداً لتقييمها وفق المعايير الدولية.

وأشار إلى أن المفوض السامي لحقوق الإنسان سبق أن ندد، في التاسع من أبريل الماضي، بما وصفه بالحملة الواسعة من الضربات العسكرية وأعمال التدمير التي بثت الرعب بين المدنيين، ودعا إلى إجراء تحقيق شامل في جميع الانتهاكات المحتملة للقانون الإنساني الدولي.

وسلط المسؤول اللبناني الضوء على حجم الخسائر البشرية التي شهدها لبنان، موضحاً أنه خلال عشر دقائق فقط من الغارات الإسرائيلية على بيروت في الثامن من أبريل، قُتل أكثر من 350 مدنياً وأصيب نحو 1200 آخرين، بينما تجاوز إجمالي عدد القتلى المدنيين منذ اندلاع الحرب أربعة آلاف شخص، إضافة إلى أكثر من اثني عشر ألف جريح.

وأكد أن الأرقام، على قسوتها، لا تعكس وحدها حجم المأساة، فخلف كل رقم قصة إنسانية لعائلة فقدت أحد أفرادها أو لطفل حرم من منزله أو لصحفي أو طبيب أو عامل إغاثة كان يفترض أن يحظى بالحماية التي يكفلها القانون الدولي.

اعتداءات متكررة على لبنان

شدد متري على أن ما شهده لبنان خلال الأشهر الأخيرة لا يمكن وصفه بالأضرار الجانبية للحرب، لأن الاعتداءات تكررت بصورة واسعة، وكثير منها لم يكن موجهاً إلى أهداف عسكرية واضحة، وهو ما يثير تساؤلات جدية بشأن مدى احترام مبادئ القانون الدولي الإنساني.

وأكد أن قواعد القانون الإنساني الدولي واضحة ولا تقبل التأويل، إذ تفرض على أطراف النزاع التمييز بين المدنيين والأهداف العسكرية، واحترام مبدأ التناسب، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتجنيب المدنيين آثار العمليات العسكرية.

وأعرب عن قلق الحكومة اللبنانية من أن تكون الضربات الإسرائيلية قد انتهكت مبادئ التمييز والتناسب والحذر، وهي المبادئ الأساسية التي يقوم عليها القانون الإنساني الدولي، مؤكداً أن هذه الانتهاكات تستوجب تحقيقاً ومساءلة وفق الآليات الدولية المختصة.

وتناول متري قضية الإخلاء القسري، معتبراً أن أوامر الإخلاء التي وجهت إلى المدنيين، وإعلان عشرات البلدات والقرى مناطق يمنع العودة إليها، تمثل انتهاكاً لاتفاقية جنيف الرابعة، وأسهمت في خلق موجة نزوح غير مسبوقة.

وأوضح أن أكثر من 170 قرية أُخليت بالكامل، قبل أن تتعرض لاحقاً لعمليات تدمير واسعة، حولت أجزاء كبيرة منها إلى مناطق غير صالحة للحياة، مشيراً إلى أن صور الأقمار الصناعية والوثائق الميدانية تثبت حجم الدمار الذي طال جنوب لبنان.

وأضاف أن الدمار لم يقتصر على المنازل، وإنما امتد إلى الجسور ودور العبادة والمنشآت العامة والمواقع الأثرية والتراثية، الأمر الذي يهدد الهوية الثقافية والتاريخية للمناطق المتضررة.

التسوية الكاملة للأحياء

انتقد المسؤول اللبناني التصريحات الإسرائيلية التي تحدثت عن سياسة “جز العشب”، معتبراً أن هذا المصطلح يعكس عملياً سياسة تقوم على التسوية الكاملة للأحياء والقرى، بما يجعل عودة سكانها أمراً بالغ الصعوبة.

وأكد أن اللجنة الوطنية اللبنانية المعنية بالقانون الإنساني الدولي أنجزت تحليلاً قانونياً شاملاً مدعوماً بالأدلة والوثائق، وجرى وضعه أمام مجلس حقوق الإنسان، معرباً عن ثقته في أن المجلس سيواصل الدفاع عن مبادئ العدالة وحماية المدنيين، باعتبار أن احترام حقوق الإنسان يمثل الأساس الحقيقي لتحقيق السلام.

وانتقل المجلس بعد ذلك إلى الحوار التفاعلي مع المقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في بوروندي، حيث أجمعت مداخلات المنظمات الدولية والحقوقية على أن البلاد لا تزال تواجه تحديات كبيرة تتعلق بالحريات العامة، واستقلال القضاء، وأوضاع اللاجئين، والاستعدادات للانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027.

وأكد ممثلو الاتحاد الدولي لمنظمات مناهضة التعذيب أن عمليات الطرد القسري للاجئين البورونديين من تنزانيا، وحرمان الرافضين للعودة من المساعدات الإنسانية، تشكل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي، محذرين من استمرار حالات الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي التي تستهدف المعارضين السياسيين، ولا سيما العائدين من اللجوء.

وطالبت المنظمة المجتمع الدولي بالعمل على تهيئة بيئة آمنة تتيح للمجتمع المدني أداء دوره بحرية، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية التي يخشى كثيرون أن تعيد إنتاج أعمال العنف التي شهدتها البلاد خلال الانتخابات السابقة.

تأهيل ضحايا التعذيب

وفي السياق ذاته، أعرب المجلس الدولي لإعادة تأهيل ضحايا التعذيب عن قلقه من استمرار تقلص الفضاء المدني في بوروندي، مؤكداً أن منظمات المجتمع المدني تعمل في ظروف شديدة الصعوبة، بينما يتعرض المدافعون عن حقوق الإنسان والصحفيون للملاحقة والتهديد.

وأشار إلى أن غياب سيادة القانون حال دون إجراء تحقيقات مستقلة في العديد من الجرائم، مستشهداً بقضية مقتل وزير الاتصالات السابق جابي باغا، التي ما تزال ملابساتها غامضة حتى اليوم.

ولفت إلى أن استمرار إغلاق الحدود مع رواندا منذ أكثر من عام ألحق أضراراً اقتصادية واسعة بالمناطق الحدودية، داعياً السلطات إلى اتخاذ خطوات عملية لإعادة الأمن والثقة داخل الفضاء المدني.

ومن جانبها، ركّزت منظمة “فيفات الدولية” على أوضاع اللاجئين البورونديين، مطالبة بضمان عودتهم بصورة طوعية وآمنة، ومنع أي عمليات إعادة قسرية، ولا سيما بالنسبة للنساء والأشخاص ذوي الإعاقة والمرضى الذين يحتاجون إلى رعاية صحية مستمرة.

ودعت المنظمة المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى تكثيف جهودها لإيجاد حلول دائمة، بما في ذلك إعادة التوطين عند الضرورة، كما طالبت السلطات التنزانية بوقف هدم مراكز إيواء اللاجئين وضمان احترام حقوقهم الأساسية.

تمديد ولاية المقرر الخاص

بدوره، دعا مشروع المدافعين عن حقوق الإنسان في شرق إفريقيا والقرن الإفريقي إلى تمديد ولاية المقرر الخاص، مؤكداً أن مراقبة الانتخابات الرئاسية المقبلة ستكون ضرورية في ضوء التاريخ الطويل من العنف الانتخابي في البلاد.

وسلط الضوء على تدهور حرية الصحافة، مشيراً إلى تعرض الصحفي ليونارد ماروها للتعذيب والاحتجاز، مع الترحيب في الوقت ذاته بالإفراج عن الصحفية ساندرا مووزا، التي كانت قد أُدينت بالسجن أربع سنوات.

وأجمعت مداخلات منظمات المجتمع المدني الأخرى على ضرورة فتح حوار سياسي شامل مع المعارضة، وضمان استقلال القضاء، وإجراء انتخابات شفافة تحترم المعايير الدولية، مع إطلاق سراح المحتجزين السياسيين، وإتاحة المجال أمام الإعلام المستقل ومنظمات المجتمع المدني للعمل بحرية.

وركزت عدة منظمات على أوضاع النساء، مؤكدة أن تعرض الناشطات والصحفيات للمضايقات والترهيب يقوض المشاركة السياسية ويضعف فرص تحقيق تنمية ديمقراطية حقيقية، مشددة على أن مشاركة النساء في انتخابات 2027 ستكون مؤشراً أساسياً على جدية الإصلاحات.

دعم حق بوروندي في التنمية

وفي المقابل، دعت المنظمة الدولية للميثاق الوطني إلى مقاربة تقوم على دعم حق بوروندي في التنمية، معتبرة أن معالجة الفقر والأمن الغذائي تمثل مدخلاً أساسياً لتعزيز حقوق الإنسان، مع الدعوة إلى احترام سيادة البلاد وتعزيز التعاون الدولي بعيداً عن الضغوط السياسية.

وفي ختام الحوار، أكد المقرر الخاص أن الاستعدادات لانتخابات عام 2027 تمثل القضية الأكثر إلحاحاً، داعياً إلى إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفتح المجال أمام المراقبين الدوليين، وتعزيز استقلال اللجنة الانتخابية، ودعم منظمات المجتمع المدني داخل البلاد وخارجها، إلى جانب مراجعة التشريعات المقيدة للحريات.

وشدد على أهمية استمرار التعاون مع آليات الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية، وتعزيز حماية الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، مع ضمان استقلال السلطة القضائية، باعتبارها ركائز أساسية لأي عملية ديمقراطية حقيقية.

وتناول المجلس بعد ذلك تقرير المقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في بيلاروس، الذي أكد أن أوضاع الحقوق والحريات ما تزال تشهد تراجعاً مستمراً رغم الإفراج عن عدد محدود من السجناء السياسيين خلال الفترة الماضية.

قيود ومراقبة أمنية

وأوضح المقرر الخاص أن عدداً من المفرج عنهم تعرضوا للإبعاد خارج البلاد أو حُرموا من وثائقهم الرسمية، فيما بقي آخرون داخل بيلاروس لكنهم واجهوا قيوداً واسعة شملت المراقبة الأمنية، وصعوبة الحصول على الخدمات المصرفية أو وسائل الاتصال، إضافة إلى استمرار تعرضهم للضغوط.

وأشار إلى استمرار ورود تقارير عن التعذيب وسوء المعاملة داخل أماكن الاحتجاز، فضلاً عن ضعف الرعاية الطبية وسوء الظروف المعيشية، مؤكداً أن السلطات تواصل استهداف الصحفيين والكتاب والنشطاء ومؤيدي أوكرانيا، إلى جانب توسيع استخدام قوانين مكافحة التطرف لتقييد الحريات.

وركز التقرير بصورة خاصة على الحقوق الثقافية، معتبراً أن استهداف اللغة البيلاروسية والهوية الوطنية أصبح جزءاً من المشهد الحقوقي في البلاد، في ظل تنامي النفوذ الثقافي والسياسي الروسي، وتراجع استخدام اللغة البيلاروسية في التعليم والحياة العامة، إلى جانب استهداف الأقليات القومية والدينية وفرض قيود على نشاطها.

وأعقب ذلك مداخلات من الاتحاد الأوروبي ودول البنلوكس ودول الشمال والبلطيق، التي أجمعت على أن الإفراج عن عدد محدود من السجناء السياسيين لا يعكس تحسناً حقيقياً في أوضاع حقوق الإنسان، في ظل استمرار الاعتقالات والتعذيب والتضييق على المجتمع المدني والإعلام المستقل، داعية إلى الإفراج غير المشروط عن جميع المعتقلين السياسيين، وتعزيز جهود المساءلة الدولية، وحماية الأدلة المتعلقة بالانتهاكات، ودعم المجتمع المدني البيلاروسي داخل البلاد وخارجها.

وعكست المناقشات التي شهدها مجلس حقوق الإنسان خلال هذه الجلسات اتساع دائرة القلق الدولي إزاء استمرار النزاعات المسلحة والانتهاكات الحقوقية في عدد من الدول، وسط تأكيد متكرر على أن حماية المدنيين، واحترام القانون الدولي، وضمان استقلال القضاء، وصون الحريات العامة، تمثل شروطاً أساسية لتحقيق الاستقرار والسلام المستدام، وهي رسائل حرصت الوفود والمنظمات الدولية على التأكيد عليها مع استمرار أعمال الدورة الثانية والستين للمجلس في جنيف.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print