منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

التمييز ضد المسلمين في السويد.. تحقيقات رسمية تفتح نقاشاً حول الفجوة بين التشريع والممارسة

29 يونيو 2026
احتجاجات ضد الإسلاموفوبيا والكراهية
احتجاجات ضد الإسلاموفوبيا والكراهية

تشهد السويد التي تُصنف ضمن أكثر الدول التزاماً بمعايير حقوق الإنسان في أوروبا، نقاشاً متزايداً حول أوضاع المسلمين داخل المؤسسات العامة، في ظل تزايد شكاوى مرتبطة بالتمييز الديني في المدارس وسوق العمل والخدمات العامة، وفق بيانات هيئة أمين المظالم السويدية المعنية بمكافحة التمييز.

وتكتسب هذه القضية زخماً إضافياً بعد سلسلة من التحقيقات الرسمية التي شملت مؤسسات تعليمية في السويد، منها حالة مدرسة غريبين الثانوية في مدينة مالمو التي كشفت عنها هيئة التفتيش المدرسي السويدية “Skolinspektionen”، حيث سجلت اتهامات تتعلق بسلوكيات اعتُبرت مسيئة لطلاب مسلمين، إلى جانب قيود على ممارسة الشعائر الدينية داخل البيئة المدرسية.

ويأتي هذا الجدل في سياق أوسع يشمل ارتفاعاً في بلاغات جرائم الكراهية ذات الطابع الديني، وفق تقارير المجلس الوطني السويدي لمكافحة الجريمة “Brå”، ما يثير تساؤلات حول الفجوة بين الإطار القانوني المتقدم في السويد وتطبيقه الفعلي على أرض الواقع.

الجالية المسلمة وسياق اجتماعي متغير

تشير تقديرات رسمية صادرة عن هيئة الإحصاء السويدية Statistiska centralbyrån إلى أن المسلمين يشكلون إحدى أكبر المجموعات الدينية غير المسيحية في البلاد، نتيجة موجات هجرة متتالية منذ تسعينات القرن الماضي، خاصة من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والبلقان.

وتوضح بيانات المجلس الوطني السويدي لمكافحة جرائم الكراهية “Brå” أن بلاغات الجرائم ذات الدوافع الدينية تشكل جزءاً ثابتاً من إجمالي البلاغات السنوية، مع تسجيل استهداف متكرر للأشخاص بسبب الدين أو الأصل أو المظهر الخارجي، ومنهم المسلمون.

وتشير وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية “FRA” إلى أن المسلمين في أوروبا عموماً يواجهون مستويات عليا من التمييز في مجالات العمل والتعليم والسكن مقارنة بغيرهم من المجموعات الدينية، مع تفاوت واضح بين الدول من حيث حدة الظاهرة وآليات الاستجابة القانونية.

أنماط التمييز ضد المسلمين في السويد

تكشف تقارير هيئة مكافحة التمييز في السويد أن الشكاوى المتعلقة بالتمييز الديني لا تقتصر على حالات فردية، بل تتوزع على عدة قطاعات رئيسية هي:

التمييز في المؤسسات التعليمية

تسجل المدارس حالات مرتبطة بالرموز الدينية، وحرية ممارسة الشعائر، والتعامل مع الطلاب المسلمين داخل البيئة التعليمية، وهو ما يظهر في التحقيقات الرسمية الصادرة عن هيئة التفتيش المدرسي.

التمييز في سوق العمل

تشير تقارير سويدية وأوروبية إلى وجود شكاوى تمييز تتعلق بالحجاب والمظهر الديني أثناء التوظيف، إضافة إلى صعوبات في الوصول إلى فرص عمل متساوية في بعض القطاعات.

التمييز في الفضاء العام

ترصد تقارير المجلس الوطني لمكافحة الجريمة حالات من خطاب الكراهية والمضايقات ذات الطابع الديني، خاصة عبر الإنترنت وفي بعض الفضاءات العامة.

التمييز المؤسسي

تشير تقارير حقوقية إلى مخاوف من تفاوت في التعامل داخل بعض المؤسسات العامة، ومنها الخدمات الاجتماعية والبلديات، رغم وجود إطار قانوني صارم لمكافحة التمييز.

نموذج من التحقيقات الرسمية في مالمو

كشفت هيئة التفتيش المدرسي السويدية مخالفات داخل مدرسة غريبين الثانوية في مدينة مالمو، شملت اتهامات تتعلق بسلوكيات اعتُبرت مسيئة لطلاب مسلمين، منها منع ممارسة الصلاة داخل المدرسة وإغلاق غرفة كانت مخصصة لذلك.

وأفاد التحقيق بأن عدداً من الطلاب تحدثوا عن ممارسات اعتبروها مهينة، إضافة إلى شهادات موظفين داخل المدرسة دعمت هذه الادعاءات، ما دفع الهيئة إلى التحذير من وجود بيئة غير آمنة للطلاب المسلمين.

كما أشارت الهيئة إلى وجود خلل في الإدارة التعليمية وعدم الالتزام الكامل بعدد ساعات التدريس القانونية، وهو ما اعتبرته مؤشراً على مشكلة أوسع تتعلق بالإدارة والرقابة داخل المؤسسة.

وتعاملت السلطات المحلية في مالمو مع نتائج التحقيق بوصفها قضية خطيرة تمس مبدأ المساواة داخل النظام التعليمي، وفق تصريحات رسمية صادرة عن بلدية مالمو.

جرائم موثقة

تشير أحدث بيانات المجلس الوطني السويدي لمنع الجريمة إلى استمرار جرائم الكراهية ذات الدوافع العنصرية والدينية في السويد خلال عام 2024، حيث سجلت السلطات 2731 بلاغاً تضمنت 3707 جرائم كراهية، نتيجة احتواء بعض البلاغات على أكثر من جريمة.

وأظهرت الإحصاءات أن 50 في المئة من هذه الجرائم ارتبطت بدوافع عنصرية أو معاداة الأجانب، في حين شكلت الجرائم ذات الدوافع الدينية 18 في المئة من الإجمالي. وسجلت السلطات السويدية 199 بلاغاً بدافع معاداة المسلمين، مقابل 217 بلاغاً بدافع معاداة اليهود، في حين رصد التقرير ارتفاع جرائم الكراهية داخل المؤسسات التعليمية إلى 511 جريمة خلال عام 2024، مقارنة بـ391 جريمة في عام 2022، وهو ما يمثل نحو 19 في المئة من إجمالي مواقع وقوع جرائم الكراهية.

كما أظهرت البيانات أن 20 في المئة من الجرائم وقعت في الأماكن العامة، و14 في المئة عبر الفضاء الرقمي، و13 في المئة بالقرب من منازل الضحايا، الأمر الذي يعكس اتساع نطاق هذه الجرائم خارج الإطار التقليدي.

وفي السياق الأوروبي، كشفت وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية أن 47 في المئة من المسلمين الذين شملهم أحدث مسح أوروبي أفادوا بتعرضهم للتمييز خلال السنوات الخمس السابقة، في حين لم يبلغ سوى 6 في المئة من الضحايا السلطات المختصة، وهو ما يشير إلى استمرار ظاهرة عدم الإبلاغ عن حوادث التمييز والكراهية، وفق المجلس الوطني السويدي لمنع الجريمة ووكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية.

الإطار القانوني لمكافحة التمييز

ينظم قانون مكافحة التمييز السويدي حماية الأفراد من التمييز على أساس الدين أو الأصل أو الجنس، ويلزم المؤسسات العامة والخاصة بضمان المساواة في الوصول إلى الخدمات والفرص.

وعلى المستوى الأوروبي، تنص المادة التاسعة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان على حماية حرية الدين والمعتقد، في حين تحظر المادة الرابعة عشرة التمييز في التمتع بالحقوق المكفولة في الاتفاقية.

كما تشير وكالة الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي “FRA” إلى أن فعالية التشريعات تعتمد على التطبيق العملي وآليات الرقابة، وليس فقط على قوة النص القانوني، وهو ما يفتح النقاش حول الفجوة بين القانون والممارسة في بعض الدول الأوروبية، ومنها السويد.

مواقف المؤسسات الحقوقية والدولية

تؤكد منظمة العفو الدولية أن التمييز ضد المسلمين في أوروبا غالباً ما يتخذ أشكالاً مؤسسية وغير مباشرة، تشمل القيود على المظاهر الدينية وصعوبات في الاندماج الوظيفي والتعليمي.

وتشير هيومن رايتس ووتش إلى أن تصاعد الخطاب السياسي المرتبط بالهجرة في بعض الدول الأوروبية أسهم في زيادة حساسية الملفات المتعلقة بالمسلمين، خصوصاً في المؤسسات العامة.

كما تؤكد المفوضية الأوروبية لمناهضة العنصرية وكراهية الأجانب أن الإسلاموفوبيا تمثل أحد أشكال التمييز الديني المتصاعدة في أوروبا، مع دعوات مستمرة لتعزيز سياسات الإدماج والمساواة.

الأمم المتحدة

بدورها، تؤكد الأمم المتحدة من خلال منظومتها الحقوقية، ومنها مجلس حقوق الإنسان ومكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، أن التمييز ضد الأفراد على أساس الدين أو المعتقد يمثل انتهاكاً مباشراً للمعايير الدولية لحقوق الإنسان، وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يضمن حرية الدين والمعتقد والممارسة دون تمييز.

وتشير الأمم المتحدة إلى أن الأقليات الدينية، ومنها المسلمون في الدول الغربية، قد تواجه أشكالاً متعددة من التمييز تبدأ من التمييز المباشر في المؤسسات العامة وسوق العمل، وصولاً إلى التمييز غير المباشر المرتبط بالسياسات الإدارية أو المناخ الاجتماعي العام.

كما تؤكد تقارير المقررين الخاصين المعنيين بحرية الدين أو المعتقد أن تصاعد خطابات الكراهية المرتبطة بالدين، خصوصاً في سياقات الهجرة والتعددية الثقافية، ينعكس بشكل مباشر على فرص المساواة والاندماج الاجتماعي. وتشدد الأمم المتحدة على أن الدول ملزمة قانونياً ليس فقط بمنع التمييز، بل أيضاً باتخاذ تدابير إيجابية لضمان الحماية الفعلية للأقليات الدينية، ومنها توفير آليات فعالة لتقديم الشكاوى، ومحاسبة الجهات التي تمارس التمييز، وتعزيز ثقافة احترام التنوع داخل المؤسسات التعليمية والإدارية، باعتبار أن حماية حرية المعتقد تشكل أحد الركائز الأساسية للنظام الدولي لحقوق الإنسان.

تحول المجتمع السويدي

شهدت السويد تحولاً ديموغرافياً ملحوظاً منذ تسعينات القرن الماضي نتيجة استقبال موجات من اللاجئين والمهاجرين، خاصة من البلقان والعراق وسوريا وأفغانستان، ما أدى إلى زيادة التنوع الديني والثقافي داخل المجتمع.

ومع هذا التحول، تطورت السياسات السويدية باتجاه تعزيز قيم التعددية والمساواة، إلا أن تقارير حقوقية تشير إلى استمرار تحديات تتعلق بالاندماج والتعامل مع التنوع الديني داخل بعض المؤسسات، خاصة المدارس وسوق العمل.

الفجوة بين القانون والممارسة

تظهر المعطيات الرسمية والحقوقية أن السويد تمتلك أحد أكثر الأطر القانونية تقدماً في أوروبا فيما يتعلق بمكافحة التمييز، إلا أن التقارير الميدانية تكشف استمرار شكاوى تتعلق بتطبيق هذه القوانين داخل المؤسسات.

وتشير حالة مدرسة مالمو إلى أن الإشكال لا يرتبط فقط بالنصوص القانونية، بل بآليات التنفيذ والرقابة والتدريب داخل المؤسسات العامة، خاصة في القطاعات التي تتعامل مباشرة مع فئات متعددة ثقافياً ودينياً.

وتعكس قضية التمييز ضد المسلمين في السويد معادلة معقدة تجمع بين نموذج قانوني متقدم في حماية الحقوق، وواقع اجتماعي وإداري يواجه تحديات في التطبيق العملي لمبادئ المساواة.

وتشير المعطيات الرسمية والحقوقية إلى أن معالجة هذه الفجوة تتطلب تعزيز آليات الرقابة داخل المؤسسات، وتطوير برامج تدريبية للكوادر التعليمية والإدارية، إلى جانب تعزيز الثقة بين المجتمعات المحلية والمؤسسات العامة، لضمان تحقيق المساواة الفعلية وليس فقط القانونية داخل المجتمع السويدي.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print