أعاد إعلان وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش نقل صلاحيات التخطيط والبناء في أجزاء من الخليل من البلدية الفلسطينية إلى السيطرة الإسرائيلية، إلى الواجهة المخاوف من تسارع الخطوات الأحادية الهادفة إلى تكريس السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وذكرت وكالة رويترز أن القرار يغير أجزاءً من الترتيبات التي أرساها اتفاق الخليل عام 1997، خصوصاً ما يتعلق بصلاحيات إدارية فلسطينية في المدينة التاريخية.
ولا يمثل المساس بالترتيبات المرتبطة باتفاق الخليل مجرد إجراء إداري أو أمني، بل يحمل أبعاداً سياسية وقانونية تتجاوز المدينة نفسها، لارتباطه بمستقبل العملية السلمية والحقوق الأساسية للفلسطينيين، وفي مقدمتها حل الدولتين والحق في تقرير المصير وإقامة دولة مستقلة.
وُقع اتفاق الخليل في يناير 1997 باعتباره أحد مخرجات اتفاقات أوسلو، ونص على إعادة انتشار القوات الإسرائيلية في المدينة وفقاً للاتفاق المرحلي والبروتوكول الخاص بالخليل، وبموجب هذا الترتيب، قُسمت الخليل عملياً إلى منطقتين: H1 الخاضعة لإدارة السلطة الفلسطينية، وH2 التي بقيت تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية.
ومنذ ذلك الوقت، شكّل الاتفاق إطاراً لإدارة واحدة من أكثر المدن الفلسطينية حساسية، بسبب وجود الحرم الإبراهيمي/مغارة البطاركة، والتداخل بين السكان الفلسطينيين والمستوطنين الإسرائيليين في قلب المدينة، وتشير الأمم المتحدة إلى أن منطقة H2 تضم عدة آلاف من الفلسطينيين وعدداً من المستوطنين الإسرائيليين، وتخضع لقيود مشددة على الحركة ونقاط تفتيش وإغلاقات تؤثر في الحياة اليومية.
تقليص صلاحيات السلطة الفلسطينية
تأتي خطوة سموتريتش في سياق أوسع تتبناه الحكومة الإسرائيلية الحالية، يقوم على تقليص صلاحيات السلطة الفلسطينية وتعزيز السيطرة الإسرائيلية الفعلية في الضفة الغربية. وذكرت رويترز أن سموتريتش ربط القرار بتوسيع النفوذ الإسرائيلي في الضفة، في حين اعتبر فلسطينيون ومنتقدون أن الخطوة تمثل مساراً باتجاه الضم الفعلي وتقويض إمكان قيام دولة فلسطينية.
وقد يفتح إضعاف الترتيبات المنبثقة عن اتفاق الخليل الباب أمام توسيع النفوذ الاستيطاني وفرض وقائع جديدة على الأرض، ما يجاوز حدود المدينة نفسها إلى مناطق أخرى في الضفة الغربية، كما أن أي تغيير أحادي في الوضع القائم بالخليل قد يؤدي إلى مزيد من القيود على حرية الحركة والتنقل للفلسطينيين، وزيادة الحواجز والإغلاقات، والتأثير على الحق في العمل والتعليم والوصول إلى الخدمات الأساسية، وتؤكد أوتشا أن القيود المفروضة في H2 عطلت سبل العيش والحياة الأسرية وحدّت من الوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية.
وتبرز كذلك مخاوف من اتساع الانتهاكات المرتبطة بحماية المستوطنات على حساب السكان الفلسطينيين، خاصة في المنطقة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. فقد وثقت منظمات حقوقية، منها بتسيلم، أثر الوجود الاستيطاني في الخليل على الفلسطينيين، ومنه القيود الشديدة على الحركة، وإغلاق متاجر، واعتداءات مستوطنين، وانخفاض قدرة السكان على مواصلة حياتهم الطبيعية.
ويربط مراقبون بين الخطوة الأخيرة وتوجهات سياسية إسرائيلية رافضة عملياً لفكرة الدولة الفلسطينية المستقلة، خاصة أن تقويض الاتفاقات المرحلية الموقعة بين الجانبين يضعف الأسس التي قامت عليها عملية السلام، ويجعل العودة إلى المفاوضات أكثر صعوبة في ظل استمرار التوسع الاستيطاني وتراجع الثقة بين الطرفين.
ويطرح القرار تساؤلات حول قدرة المجتمع الدولي على حماية الاتفاقات الموقعة وضمان احترام قواعد القانون الدولي الإنساني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فالأمم المتحدة ومعظم المجتمع الدولي يعدون الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة غير قانوني، في حين تواصل الحكومة الإسرائيلية الدفع بخطوات تعزز السيطرة الميدانية والإدارية على أجزاء واسعة من الضفة الغربية.
وبينما تقدم الحكومة الإسرائيلية خطوة سموتريتش باعتبارها إعادة تنظيم للصلاحيات في الخليل، يرى الفلسطينيون ومنظمات حقوق الإنسان أنها حلقة جديدة في مسار تقويض الاتفاقات القائمة وتآكل فرص السلام، ما يهدد بتحويل المدينة إلى نموذج أكثر حدة للسيطرة الأحادية وتقييد الحقوق اليومية للسكان الفلسطينيين.
نهج فرض السيطرة
في البداية قال الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني هاني أبو عكر إن إعلان وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش سحب صلاحيات التخطيط والبناء من بلدية الخليل ونقلها إلى سلطات الاحتلال، يمثل إلغاءً عملياً لاتفاق الخليل الموقع عام 1997، والذي قسم المدينة إلى منطقتي (H1) الخاضعة للإدارة الفلسطينية و(H2) الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية.
وأوضح أبو عكر، في حديثه لـ”صفر”، أنه رغم نفي وزارة الخارجية الإسرائيلية إلغاء الاتفاق بشكل رسمي، فإن الإجراءات الميدانية والتصريحات الصادرة عن قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف تعكس توجهاً متسارعاً نحو فرض سيطرة إسرائيلية أوسع على مدينة الخليل، ما يتجاوز الترتيبات التي نصت عليها الاتفاقات السابقة.
وأكد أن هذه الخطوة تأتي ضمن مشروع أشمل يستهدف فرض واقع جديد في الضفة الغربية من خلال التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي وتقليص الصلاحيات الفلسطينية، مشيراً إلى أن ذلك يتزامن مع قرارات إسرائيلية متلاحقة، منها إقرار إنشاء 61 مستوطنة جديدة، وتخصيص أكثر من 300 مليون شيكل لدعم المشروعات والبنى التحتية الاستيطانية.
وشدد أبو عكر على أن نقل صلاحيات التخطيط والبناء في الخليل لا يمكن النظر إليه باعتباره إجراءً إدارياً معزولاً، بل يمثل خطوة عملية ضمن مسار متدرج يهدف إلى فرض الوصاية والسيطرة الإسرائيلية الكاملة على المدينة، تمهيداً لتكريس مشروع ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية.
ولفت إلى أن الضفة الغربية المحتلة تضم نحو 192 مستوطنة وأكثر من 350 بؤرة استيطانية عشوائية ورعوية، يقطنها ما يزيد على 800 ألف مستوطن، وتسيطر على أكثر من 42% من مساحة الضفة.
وحذر أبو عكر من أن هذه الإجراءات المتسارعة تؤدي عملياً إلى تقويض التقسيمات التي قامت عليها اتفاقيات أوسلو، في وقت يواصل فيه المجتمع الدولي التزام الصمت، في حين يبدو دور الوسطاء عاجزاً عن وقف الإجراءات الميدانية أو التأثير في مسار الأحداث.
وخلص الكاتب الفلسطيني إلى أن ما يجري في الخليل لا يمثل حدثاً منفصلاً، بل يندرج ضمن سياسة أوسع تستهدف إعادة تشكيل الواقع السياسي والجغرافي في الضفة الغربية، وصولاً إلى فرض سيطرة إسرائيلية شاملة على الأرض وتقويض ما تبقى من الاتفاقات السابقة وفرص تطبيق حل الدولتين.
واعتبر أن المجتمع الدولي عاجز عن فرض إجراءات فاعلة على إسرائيل، مكتفياً في كثير من الأحيان بفرض عقوبات أو اتخاذ تدابير تستهدف أفراداً دون المساس بسياسات الاحتلال أو مساءلته بصورة مباشرة.
تقويض الوضع والتاريخي
من جانبه، قال الباحث في القانون الدولي والشأن الفلسطيني وقضايا اللاجئين، حسن سيدة، إن الإجراء الإسرائيلي الأخير يحمل أبعاداً قانونية وسياسية خطيرة، وينعكس بصورة مباشرة على الحقوق الفلسطينية وعلى مستقبل الرؤية الدولية القائمة على حل الدولتين.
وأوضح سيدة، في حديثه لـ”صفر”، أن القرار يقوض الاتفاقيات الموقعة والوضع القانوني والتاريخي القائم في مدينة الخليل، مشيراً إلى أنه بموجب اتفاق الخليل الموقع عام 1997، ورغم تقسيم المدينة إلى منطقتي (H1) و(H2)، احتفظت بلدية الخليل الفلسطينية بصلاحياتها المدنية في مجالات التخطيط والبناء وإدارة البنية التحتية في كامل المدينة، ومنها المنطقة الخاضعة للسيطرة الأمنية الإسرائيلية (H2) والبلدة القديمة والمسجد الإبراهيمي.
وأكد على أن سحب هذه الصلاحيات من جانب واحد يُعد خرقاً مباشراً للاتفاقيات الموقعة برعاية دولية، ومنها الرعاية الأمريكية، كما يجرد الإدارة المحلية الفلسطينية من قدرتها على حماية النسيج العمراني والخدماتي للسكان الفلسطينيين في تلك المناطق.
وأضاف أن البعد الثاني لهذه الإجراءات يتمثل في تسريع التوسع الاستيطاني والدفع نحو ما وصفه بـ”الضم الفعلي”، لافتاً إلى أن سموتريتش أعلن ذلك بشكل صريح عندما أكد أن الخطوة تهدف إلى إنهاء ما سماه “التبعية لبلدية الخليل” وتثبيت السيادة العملية الإسرائيلية في الضفة الغربية.
وأشار سيدة إلى أن هذا التوجه ظهر عملياً فور صدور القرار من خلال مصادقة المجلس الأعلى للتخطيط الإسرائيلي على مشاريع بناء استيطانية جديدة داخل مدينة الخليل، محذراً من أن نقل السيطرة المدنية والقانونية في عمق المدن الفلسطينية الكبرى، مثل الخليل، إلى إسرائيل يسهم في تفتيت الجغرافيا الفلسطينية، ولا سيما أن هذا التفتيت والضم التدريجي يقوضان إمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً وذات سيادة، ما يفرغ خيار “حل الدولتين” المدعوم دولياً من مضمونه الفعلي على الأرض.
وعن الموقف الدولي، قال الباحث في القانون الدولي والشأن الفلسطيني وقضايا اللاجئين، حسن سيدة، إن إنصاف الفلسطينيين لا تنقصه النصوص القانونية، فالقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف واضحان تماماً، لكن ما ينقص هو الإرادة السياسية الدولية القادرة على تجاوز الضغوط الجيوسياسية وتطبيق معايير حقوق الإنسان بصورة موحدة وغير مجتزأة.
حلقة جديدة في مسار التهديد
على صعيد موازٍ، قال أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة القدس، الدكتور أمجد شهاب، إن قرار وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش يأتي في إطار معركة مستمرة تستهدف الأرض والهوية الفلسطينية وفرض السيادة الإسرائيلية، محذراً من أن ما يجري في الخليل يندرج ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى تكريس الضم وفرض السيادة على الأراضي الفلسطينية.
وأوضح شهاب، في حديثه لـ”صفر”، أن مراحل المشروع الإسرائيلي مرت بالاحتلال العسكري أولاً، ثم إجراءات الضم، وصولاً إلى المرحلة الحالية المتمثلة في فرض السيادة الفعلية على الأرض، معتبراً أن الإجراءات الأخيرة في الخليل تمثل حلقة جديدة في هذا المسار.
وشدد على أن ما يحدث يشكل تهديداً مباشراً للحقوق الفلسطينية ولأي إمكانية مستقبلية لتطبيق حل الدولتين، مؤكداً أن الاحتلال العسكري قائم منذ عقود، في حين تمر القضية الفلسطينية حالياً بمرحلة حاسمة على المستوى الميداني، مشيراً إلى أن التوسع الاستيطاني وتقطيع أوصال الأراضي الفلسطينية أضعفا بشكل كبير المقومات اللازمة لإقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.
ولفت إلى أن السلطة الفلسطينية التي يفترض أن تمارس صلاحياتها على الأرض تواجه قيوداً واسعة تحد من قدرتها على إدارة العديد من الملفات، مشيراً إلى أن بعض الصلاحيات الأساسية باتت موضع نزاع أو تقييد مستمر، ويمتد الوضع إلى غياب العديد من المقومات المرتبطة بقيام دولة مستقلة كاملة السيادة، ومنها السيطرة على المعابر والحدود، والقدرة على اتخاذ قرارات سياسية واقتصادية مستقلة، فضلاً عن استكمال بناء مؤسسات الدولة.
وعن دور المجتمع الدولي في مواجهة هذه الإجراءات، قال إن الخطوة الأولى التي ينبغي اتخاذها، من وجهة نظر شهاب، هي ممارسة ضغوط حقيقية على إسرائيل، منها فرض عقوبات دولية إذا توافرت الإرادة السياسية لذلك، قائلاً: “من غير المقبول استمرار الانتهاكات والصراع لعقود طويلة دون إجراءات دولية فاعلة قادرة على التأثير في مسار الأحداث أو دفع الأطراف نحو تسوية عادلة”.
ورفض شهاب الاكتفاء بالحديث عن الضغوط السياسية أو الدبلوماسية الحالية، معتبراً أن الواقع يعكس غياب إرادة دولية جادة للضغط على إسرائيل أو الدفع نحو حل سياسي مستدام، فضلاً عن توفير حماية فعالة للفلسطينيين، مؤكداً أن المجتمع الدولي مطالب باتخاذ خطوات عملية لحماية المدنيين الفلسطينيين على الأرض، خاصة في ظل المخاوف المتزايدة من اتساع نطاق التهجير والنزوح، سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية.
وفي ختام تصريحاته لـ”صفر”، أكد الدكتور أمجد شهاب أن البيانات الرسمية والمؤتمرات الدولية، رغم أهميتها السياسية، لم تعد كافية بمفردها في ظل الوقائع المتسارعة على الأرض، داعياً إلى مواقف دولية أكثر فاعلية وجدية لحماية الحقوق الفلسطينية والحفاظ على فرص التوصل إلى تسوية عادلة ودائمة للصراع.

