في نيكاراغوا لم تعد الأزمة الحقوقية تقتصر على التضييق السياسي أو ملاحقة المعارضين، بل تحولت إلى عملية أوسع لإعادة تشكيل المجال العام بالكامل، فوفق التحديث الشفهي الذي قدمه مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان أمام مجلس حقوق الإنسان، تشهد البلاد تآكلاً مستمراً في سيادة القانون، وإغلاقاً شبه كامل للحيز المدني، واستهدافاً واسعاً للإعلام والمنظمات غير الحكومية، وصولاً إلى إسقاط الجنسية عن معارضين ومنفيين.
منذ اندلاع الأزمة الحقوقية عام 2018، اضطر أكثر من 800 ألف شخص إلى مغادرة نيكاراغوا، وهذا الرقم وحده يكشف حجم الخوف والضغط السياسي والاجتماعي الذي دفع قطاعات واسعة إلى البحث عن الأمان خارج البلاد، فالخروج الجماعي من الوطن لا يحدث عادة بسبب خلاف سياسي عابر، بل بسبب بيئة تُغلق فيها أبواب المشاركة والتعبير والحماية القانونية.
أشار التحديث الأممي إلى أن نيكاراغوا لم تُبدِ أي مؤشرات لتحسن منذ الإحاطة السابقة، كما لم تتعاون مع مجلس حقوق الإنسان أو مع آلية الاستعراض الدوري الشامل أو مع الآليات الحقوقية الأخرى، وهذا الرفض للتعاون الدولي يعكس أزمة أعمق: سلطة لا ترغب في الرقابة، ولا في الحوار، ولا في فتح المجال أمام تقييم مستقل لحالة الحقوق والحريات.
المنظمات الحقوقية في نيكاراغوا
واحدة من أبرز ملامح الأزمة هي إغلاق الحيز المدني بصورة شبه كاملة، فقد سُحبت الصفة القانونية لأكثر من 5600 منظمة غير حكومية بشكل تعسفي، وهو رقم هائل يعكس تفكيكاً منظماً للبنية المدنية في البلاد، فالمنظمات غير الحكومية ليست مجرد كيانات إدارية، بل تمثل مساحات للدفاع عن الحقوق، وتقديم الخدمات، ومراقبة السياسات، وتمثيل الفئات المهمشة، وعندما تُغلق بهذا الحجم، فإن المجتمع يفقد أدواته السلمية في التنظيم والمساءلة.
الإعلام كان أيضاً في قلب الاستهداف، فمنذ عام 2018، أُغلقت 56 وسيلة إعلامية، وتعرض نحو 300 صحفي وعامل إعلامي للمنع أو التضييق، وبهذا، لا يجري إسكات المعارضة السياسية فقط، بل إسكات القدرة المجتمعية على معرفة ما يحدث، فالصحافة المستقلة هي إحدى أهم وسائل الرقابة العامة، وعندما تُخنق، يصبح انتهاك الحقوق أسهل وأقل كلفة.
هذا الواقع أنتج، وفق التحديث، مناخاً من الخوف وانعدام الثقة والرقابة الذاتية، وهي نتيجة طبيعية عندما يدرك المواطن أن الرأي قد يعرّضه للملاحقة، وأن التنظيم المدني قد يُصنف تهديداً، وأن الصحافة قد تُغلق، وأن المنظمات قد تفقد وجودها القانوني بقرار سياسي، في مثل هذه البيئة، لا يكون الصمت خياراً حراً، بل وسيلة للبقاء.
وتزداد خطورة هذا المناخ مع اقتراب الانتخابات العامة المقررة عام 2027، فالمشاركة السياسية الحرة لا يمكن أن تقوم في ظل إغلاق الإعلام والمنظمات وتقييد المعارضة، وقد أشار التحديث إلى حظر خمسة أحزاب معارضة، منها حزب يمثل الشعوب الأصلية، وإلى سيطرة الحزب الحاكم على البرلمان والبلديات والمجالس الإقليمية في الساحل الكاريبي الشمالي والجنوبي، وهذا يضعف التعددية السياسية، ويقوض استقلالية الشعوب الأصلية والمنحدرين من أصول إفريقية.
اعتقالات واختفاء قسري
وأشار مكتب المفوض السامي إلى استمرار الاعتقال التعسفي لأسباب سياسية، حيث تفيد منظمات المجتمع المدني بأن ما لا يقل عن 46 شخصاً ما زالوا محتجزين تعسفياً، وتفيد معلومات المكتب بأن ثماني حالات على الأقل قد ترقى إلى مستوى الاختفاء القسري، إذ لا يزال مصير أصحابها أو أماكن وجودهم مجهولة، وهذه المعطيات تنقل الأزمة من مستوى تقييد الحريات إلى مستوى أكثر خطورة يمس الحق في الحرية والأمان الشخصي والحماية من الاختفاء.
ولا يقتصر القمع على داخل البلاد، فقد أشار التحديث إلى استمرار القمع العابر للحدود ضد المعارضين والمنفيين، من خلال التهديد والانتقام وحتى التهديد بالقتل، كما جُرد مئات النيكاراغويين المقيمين في الخارج من جنسيتهم، في حين يواجه آلاف آخرون صعوبات في تجديد جوازات سفرهم، ما يضع بعضهم في خطر انعدام الجنسية.
نزع الجنسية هنا ليس إجراءً إدارياً عادياً، بل عقوبة سياسية شديدة الخطورة، فالجنسية هي الرابط القانوني الأساسي بين الفرد والدولة، وهي بوابة الوصول إلى الوثائق والحماية والحقوق، وعندما تُستخدم بوصفها أداة لمعاقبة المعارضين، يصبح الإنسان مهدداً بفقدان الحماية القانونية والهوية الرسمية، وقد يجد نفسه عالقاً في المنفى بلا وثائق أو ضمانات.
وهذا النمط يعكس تحول الدولة إلى أداة لمعاقبة المواطنين حتى خارج حدودها، فالمعارض أو الصحفي أو الناشط الذي يغادر البلاد لا يخرج بالضرورة من دائرة الخطر؛ لأن السلطة تستطيع أن تلاحقه عبر إسقاط الجنسية أو تعطيل الجوازات أو تهديد عائلته أو حرمانه من الخدمات القنصلية، وهكذا يصبح المنفى امتداداً للأزمة، لا نهاية لها.
وتعرضت حرية الدين للتقويض، خاصة عندما يُنظر إلى القادة أو المؤسسات الدينية باعتبارها منتقدة للحكومة، وتستمر أيضاً الهجمات ضد الطلاب والأكاديميين والنساء وأفراد مجتمع الميم والمنظمات التي تمثلهم، وهذا الاتساع في الفئات المستهدفة يدل على أن القمع لم يعد موجهاً فقط إلى المعارضة السياسية التقليدية، بل إلى كل مساحة مستقلة يمكن أن تنتج رأياً أو تنظيماً أو تضامناً خارج سيطرة السلطة.
إغلاق المجال العام
من منظور حقوقي، تمثل حالة نيكاراغوا نموذجاً لاستخدام أدوات متعددة لإغلاق المجال العام: قوانين وإجراءات إدارية ضد المنظمات، تضييق على الإعلام، حظر للأحزاب، اعتقال تعسفي، اختفاء قسري محتمل، قمع ديني، استهداف للفئات المهمشة، وتجريد من الجنسية، وهذه الأدوات، مجتمعة، لا تترك للمواطن سوى هامش ضيق جداً للتعبير والمشاركة.
ولذلك دعا مكتب المفوض السامي الحكومة إلى إلغاء الإصلاحات المناهضة للديمقراطية، وإعادة فتح الحيز المدني، واستعادة سيادة القانون، وضمان قدرة جميع المواطنين، ومنهم المعارضون السياسيون، على التعبير عن آرائهم بحرية مع اقتراب الانتخابات المقبلة، كما طالب بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المحتجزين تعسفياً، وتحسين ظروف الاحتجاز، والتحقيق المستقل في الوفيات التي تقع أثناء الاحتجاز.
إن الأزمة في نيكاراغوا تكشف أن الديمقراطية لا تنهار فجأة، بل تُفرّغ تدريجياً من مضمونها: يُغلق الإعلام، تُحظر الأحزاب، تُحل المنظمات، يُعتقل المعارضون، ثم يُدفع الناس إلى المنفى، وحتى هناك قد تُسحب منهم الجنسية أو الوثائق، وفي النهاية، يصبح الوطن نفسه مشروطاً بالصمت والولاء.
حماية النيكاراغويين في الداخل والخارج يجب أن تكون أولوية دولية، فإعادة فتح الحيز المدني ليست مطلباً إجرائياً، بل شرط أساسي لاستعادة الحياة العامة، ووقف إسقاط الجنسية ليس مجرد مسألة قانونية، بل دفاع عن حق الإنسان في الانتماء والحماية والكرامة.
ما تعرضه نيكاراغوا اليوم ليس أزمة سياسية محلية فقط، بل اختبار لمدى قدرة النظام الدولي على مواجهة أنماط القمع التي تستخدم القانون والإدارة والجنسية والمنفى بوصفها ساحات للعقاب، وما لم تتم استعادة سيادة القانون وحماية المجتمع المدني والإعلام والمعارضين، ستبقى البلاد نموذجاً خطيراً لدولة تغلق أبوابها أمام مواطنيها، ثم تلاحقهم حتى بعد مغادرتها.
