منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إعداد فريق الدراسات والأبحاث في منصة صفر

لبنان والقانون الإنساني الدولي.. المدنيون بين القصف والتوثيق والمساءلة

30 يونيو 2026
لبنان يواجه انتهاكات إسرائيلية متواصلة
لبنان يواجه انتهاكات إسرائيلية متواصلة

في الحروب، لا يكون المدنيون مجرد أرقام في بيانات الضحايا، بل معياراً أساسياً لاختبار مدى احترام أطراف النزاع للقانون الإنساني الدولي، ومن هذا المنطلق، جاءت مداخلة نائب رئيس الوزراء اللبناني طارق متري، بصفته أيضاً رئيس اللجنة الوطنية المعنية بالقانون الإنساني الدولي، أمام مجلس حقوق الإنسان، لتضع ملف حماية المدنيين في لبنان في قلب النقاش الدولي حول الحرب، والتوثيق، والمساءلة.

المداخلة اللبنانية لم تكتفِ بالدعوة إلى تخفيف التصعيد، بل طالبت بوقف كامل لإطلاق النار، معتبرة أن معالجة آثار الحرب ستكون عملية طويلة وصعبة، غير أن الرسالة الأهم كانت أن توثيق معاناة المدنيين وحماية حقوقهم ليسا مسألة سياسية عابرة، بل واجب قانوني وأخلاقي يقع في صميم القانون الدولي والقيم الإنسانية.

بحسب المداخلة، يعمل فريق تقييم أوفده مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان في لبنان على جمع المعلومات والأدلة بشأن الانتهاكات المزعومة للقانون الدولي والقانون الإنساني الدولي من جميع أطراف النزاع، ويكتسب هذا الدور أهمية خاصة لأن التوثيق في زمن الحرب لا يهدف فقط إلى تسجيل الوقائع، بل إلى بناء أساس لأي مساءلة مستقبلية، ومنع تحويل معاناة المدنيين إلى روايات متضاربة بلا تحقيق مستقل.

وقد عرضت المداخلة أرقاماً ثقيلة عن الكلفة البشرية للحرب، مشيرة إلى مقتل أكثر من 4000 مدني وإصابة أكثر من 12 ألفاً منذ بداية الحرب التي قالت إن لبنان جُرّ إليها، كما تحدثت عن ضربات إسرائيلية أسفرت، وفق النص المعروض، عن سقوط مئات الضحايا المدنيين خلال دقائق في بيروت، هذه الأرقام، بصرف النظر عن الحاجة إلى تحقيق مستقل يثبت المسؤوليات التفصيلية، تعكس حجم الضرر الواقع على المدنيين وتعيد طرح السؤال الأساسي: هل جرى احترام قواعد الحرب؟

لبنان بين القصف والتوثيق

القانون الإنساني الدولي لا يمنع الحرب فقط، بل ينظم سلوك أطرافها عندما تقع، ومن أهم مبادئه مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، ومبدأ التناسب، وواجب اتخاذ الاحتياطات لتجنب أو تقليل الأضرار الواقعة على المدنيين، وعندما تتكرر الهجمات على مناطق مأهولة أو منشآت مدنية، أو عندما لا تكون الأهداف العسكرية واضحة، يصبح من الضروري التحقيق في مدى احترام هذه المبادئ.

المداخلة اللبنانية شددت على أن ما حدث لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد “أضرار جانبية”، مشيرة إلى أن كثيراً من الهجمات لا تبدو مرتبطة بأهداف عسكرية واضحة، وهذه النقطة مهمة، لأن توصيف الضرر المدني كأثر جانبي لا يعفي أطراف النزاع من مسؤولياتها، فحتى في حال وجود هدف عسكري، يبقى الطرف المهاجم ملزماً بتقدير الأثر المحتمل على المدنيين، واتخاذ الاحتياطات، والامتناع عن الهجمات غير المتناسبة.

وتناولت المداخلة مسألة أوامر الإخلاء، مشيرة إلى أنها شملت أكثر من 170 قرية، وأنها تحولت، وفق الخطاب اللبناني، إلى حملة تدمير واسع، وهنا يبرز جانب قانوني حساس: فالإخلاء في سياق النزاع قد يكون مشروعاً فقط إذا فرضته سلامة المدنيين أو أسباب عسكرية قهرية، لكنه لا يجوز أن يتحول إلى وسيلة تهجير أو عقاب جماعي أو تمهيد لتدمير واسع للممتلكات المدنية.

وتزداد خطورة هذا الملف حين يقترن الإخلاء بتدمير المنازل والجسور وأماكن العبادة والمباني والمواقع التراثية، فالقانون الإنساني الدولي يوفر حماية خاصة للأعيان المدنية، كما يفرض قيوداً صارمة على استهداف الممتلكات الثقافية والدينية والبنية التحتية المدنية، وإذا كانت صور الأقمار الصناعية والوثائق تشير، كما قالت المداخلة، إلى دمار واسع في جنوب لبنان، فإن ذلك يستدعي تحقيقاً مستقلاً وشفافاً.

عزل قرى ومناطق

لا يقتصر أثر الحرب على القتلى والجرحى فقط، فكل بيت يُدمر يعني عائلة تفقد أمانها، وكل جسر يُقصف يعني عزل قرى ومناطق عن الخدمات، وكل منشأة صحية أو طريق أو موقع مدني يتضرر يعني تقليص قدرة السكان على الصمود، ولهذا فإن حماية المدنيين لا تعني فقط الامتناع عن استهداف الأشخاص، بل تشمل أيضاً حماية شروط الحياة المدنية نفسها.

وقد حرصت المداخلة على الإشارة إلى فئات مختلفة من المتضررين كالنساء، والرجال، والصحفيين، وعمال الإغاثة، والأطباء، والعاملين الطبيين، وهذا مهم لأن بعض الفئات تتمتع بحماية خاصة أو تؤدي أدواراً حيوية أثناء النزاعات، فالصحفيون يسهمون في نقل الحقيقة، والعاملون الإنسانيون والطبيون يحمون الحياة، واستهدافهم أو تعريضهم للخطر يضاعف آثار الحرب على المجتمع كله.

من زاوية حقوقية، يمثل لبنان اليوم اختباراً لفكرة المساءلة في النزاعات غير المتكافئة، فالدعوات إلى وقف إطلاق النار مهمة، لكنها لا تكفي وحدها إذا لم تقترن بتحقيقات مستقلة، وتوثيق دقيق، وضمان حق الضحايا في معرفة الحقيقة وجبر الضرر، فالحروب التي تنتهي دون مساءلة تترك خلفها ذاكرة مثقلة بالظلم، وتفتح الباب أمام تكرار الانتهاكات.

كما أن دور اللجنة الوطنية المعنية بالقانون الإنساني الدولي، كما عكسته المداخلة، يكتسب أهمية في ربط العمل الحكومي بالتقييم القانوني، فالتحليل القانوني، وجمع الأدلة، ووضعها في تصرف الآليات الدولية، كلها خطوات تعزز قدرة لبنان على تحويل الخطاب السياسي إلى مسار حقوقي قائم على الوقائع والقانون.

غير أن المساءلة يجب ألا تكون انتقائية، فالمداخلة أشارت إلى الانتهاكات المزعومة من جميع أطراف النزاع، وهذا أمر ضروري للحفاظ على قوة الموقف الحقوقي، فالقانون الإنساني الدولي لا يُطبق بحسب الهوية السياسية للطرف، بل بحسب الأفعال والالتزامات، وأي تحقيق جاد يجب أن ينظر في الانتهاكات أينما وقعت ومن أي طرف صدرت.

كيف يمكن حماية المدنيين؟

في النهاية، تضع الحالة اللبنانية سؤالاً واضحاً أمام مجلس حقوق الإنسان والمجتمع الدولي: كيف يمكن حماية المدنيين عندما تتحول مناطق كاملة إلى ساحات قصف وتهجير؟ وكيف يمكن ضمان ألا تختفي الأدلة وسط الدمار؟ وكيف يمكن تحويل التوثيق إلى مساءلة فعلية لا إلى أرشيف جديد للألم؟

إن لبنان، كما ظهر في المداخلة، لا يطلب فقط تضامناً سياسياً، بل اعترافاً بأن المدنيين يجب أن يكونوا في مركز أي مقاربة للحرب، فالوقف الكامل لإطلاق النار، وضمان وصول فرق التقييم، وتوثيق الانتهاكات، وحماية العاملين الإنسانيين والطبيين والصحفيين، والتحقيق في استهداف الأعيان المدنية، كلها خطوات ضرورية لمنع الإفلات من العقاب.

الحروب قد تترك دماراً مادياً يمكن إعادة بنائه مع الوقت، لكنها تترك أيضاً جراحاً حقوقية لا تلتئم دون حقيقة وعدالة، ومن هنا، فإن حماية المدنيين في لبنان ليست مطلباً إنسانياً فقط، بل اختبار حقيقي لمدى جدية النظام الدولي في الدفاع عن القانون الإنساني الدولي عندما تكون كلفته السياسية عالية.

 

 

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print