منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الأمم المتحدة تحذّر من كارثة إنسانية في لبنان مع تصاعد الغارات الإسرائيلية وأوامر التهجير

28 مايو 2026
آثار الغارات الإسرائيلية في لبنان
آثار الغارات الإسرائيلية في لبنان

يتواصل التصعيد العسكري على الحدود اللبنانية الإسرائيلية بوتيرة غير مسبوقة، وسط تحذيرات أممية متزايدة من التداعيات الإنسانية الخطيرة للغارات الإسرائيلية المكثفة على جنوب لبنان، وما تسببه من سقوط ضحايا مدنيين وتدمير للبنية التحتية وعمليات نزوح واسعة، وفي ظل تصاعد العمليات العسكرية المتبادلة بين إسرائيل وحزب الله تتزايد المخاوف الدولية من انزلاق الوضع إلى مواجهة أوسع قد تهدد الاستقرار في المنطقة بأكملها.

وأكد مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، وفق ما نقلته وكالات الأمم المتحدة ووكالة فرانس برس، أنه يشعر بقلق بالغ إزاء الأثر المدمر لتصعيد العمليات الإسرائيلية في لبنان، وإزاء أوامر التهجير التي فرضت على سكان مناطق واسعة في الجنوب اللبناني.

وقال تورك إن المعلومات الواردة تشير إلى أن غارات إسرائيلية استهدفت مدينتي صور والنبطية ومناطق أخرى، وأدت إلى مقتل مدنيين بينهم نساء وأطفال، مشدداً على أن الحاجة أصبحت ملحة لخفض التصعيد وضمان حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية وفق قواعد القانون الدولي الإنساني.

غارات مكثفة وضحايا مدنيون

شهد جنوب لبنان خلال الساعات الأخيرة واحدة من أعنف موجات القصف منذ تجدد المواجهات على الحدود، حيث أعلنت وزارة الصحة اللبنانية مقتل 11 شخصاً على الأقل بينهم طفلان وسيدتان، جراء سلسلة غارات إسرائيلية استهدفت مناطق متفرقة في الجنوب اللبناني.

وجاء هذا التصعيد بعد إعلان إسرائيل اعتبار مناطق تمتد بعمق أربعين كيلومتراً من حدودها الشمالية منطقة قتال ضد حزب الله، في خطوة أثارت مخاوف من توسع العمليات العسكرية لتشمل نطاقاً جغرافياً أوسع داخل الأراضي اللبنانية.

وأفادت وكالة فرانس برس بأن مدينة صور تعرضت بعد منتصف ليل الأربعاء/ الخميس لسلسلة غارات إسرائيلية مكثفة أعقبت إنذارات بالإخلاء وجهها الجيش الإسرائيلي إلى السكان، ما أدى إلى دمار واسع في عدد من الأحياء السكنية والمنشآت المدنية.

وأظهرت مشاهد بثتها وكالة فرانس برس تصاعدَ ألسنةِ اللهب وسحباً كثيفة من الدخان الأسود من حي الآثار في مدينة صور عقب استهداف مبنى سكني بغارة إسرائيلية، بينما سُمعت انفجارات متتالية في محيط المدينة ومناطق أخرى من الجنوب.

وقال غزوان حلواني، أحد سكان مدينة صور، إن الغارات استهدفت البشر والحجر معاً، مضيفاً أن المدينة تتعرض لدمار طال أحياء تاريخية ومناطق سكنية مأهولة، في وقت يعيش فيه السكان حالة خوف ونزوح متزايد.

سقوط قتلى وجرحى

وامتد القصف الإسرائيلي إلى مدينة صيدا الساحلية، حيث استهدفت غارة إسرائيلية شقة داخل مبنى سكني تقطنه عائلة نازحة، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، وفق ما أفادت به وكالة الأنباء اللبنانية الرسمية.

وأكدت الجمعية الطبية الإسلامية أن فرق الإسعاف التابعة لها عملت على انتشال ثلاثة قتلى من تحت الأنقاض بالتعاون مع فرق إسعاف أخرى، إضافة إلى نقل خمسة جرحى إلى مستشفيات المدينة لتلقي العلاج، بينما تولت فرق الطوارئ إزالة الركام وفتح الطرقات المتضررة.

وأشارت الجمعية إلى أن عمليات الإنقاذ استمرت لساعات بسبب حجم الدمار الذي خلفته الغارة داخل المبنى السكني والمناطق المحيطة به.

تصاعد المواجهات العسكرية

في المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل جندية إسرائيلية تدعى روتيم ياناي تبلغ من العمر عشرين عاماً، إثر هجوم بطائرة مسيرة أطلقها حزب الله قرب الحدود اللبنانية، وفق بيان رسمي صادر عن الجيش الإسرائيلي.

وأوضح الجيش الإسرائيلي أن عدد قتلاه منذ تجدد المواجهات مع حزب الله في مارس الماضي ارتفع إلى 24 قتيلاً، بينهم 23 جندياً ومتعاقد مدني.

وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع استمرار حزب الله في تنفيذ هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ باتجاه مواقع عسكرية إسرائيلية، في إطار المواجهات اليومية الممتدة على طول الحدود الجنوبية للبنان.

تصريحات إسرائيلية تدفع نحو التصعيد

وفي ظل تصاعد المواجهات، ارتفعت حدة التصريحات السياسية داخل إسرائيل بصورة لافتة، وقال وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، عبر منصة إكس، إن الرد على هجمات حزب الله يجب أن يتضمن تدمير عشرات المباني مقابل كل طائرة مسيرة تستهدف جنود الجيش الإسرائيلي، معتبراً أن ذلك يمثل وسيلة الردع الوحيدة، بحسب تعبيره.

كما قال وزير الثقافة والرياضة الإسرائيلي ميكي زوهر، في تصريحات لإذاعة إسرائيل، إن الحرب لن تنتهي إلا بالقضاء على حزب الله، مضيفاً أن الولايات المتحدة تدعم هذا التوجه.

وفي وقت لاحق، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه استهدف أكثر من 135 هدفاً تابعاً لحزب الله داخل لبنان خلال أربع وعشرين ساعة فقط، في مؤشر على اتساع نطاق العمليات العسكرية.

استهداف الجيش اللبناني

ولم تقتصر الهجمات الإسرائيلية على مواقع مرتبطة بحزب الله، بل طالت أيضاً عناصر من الجيش اللبناني، ما أثار قلقاً متزايداً بشأن اتساع دائرة الاستهدافات.

وأعلن الجيش اللبناني، في بيانات رسمية، مقتل عدد من جنوده جراء غارات إسرائيلية استهدفتهم أثناء تنقلهم أو قرب مواقعهم العسكرية.

وأكد الجيش استشهاد أحد العسكريين على طريق زفتا دير الزهراني في النبطية، إضافة إلى مقتل جنديين آخرين في غارات منفصلة استهدفت منطقتي كفررمان والخردلي، وكذلك محيط سد القرعون في البقاع الغربي.

ويعكس استهداف الجيش اللبناني حساسية التطورات الحالية واحتمال انزلاق الوضع نحو مواجهة أكثر تعقيداً تشمل أطرافاً إضافية داخل لبنان.

قلق أممي وتحذيرات حقوقية

وأكد مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن جميع أطراف النزاع ملزمة باحترام قواعد القانون الدولي الإنساني، وخاصة ما يتعلق بحماية المدنيين وعدم استهداف البنية التحتية المدنية.

كما شددت منظمات حقوقية دولية على أن أوامر التهجير الواسعة والقصف المتكرر للمناطق السكنية يفاقمان الأزمة الإنسانية في لبنان، في ظل وجود آلاف العائلات النازحة التي اضطرت إلى مغادرة منازلها هرباً من الغارات.

وحذّرت منظمات إغاثية من أن استمرار العمليات العسكرية يهدد بحدوث موجة نزوح أكبر، خاصة مع تضرر الخدمات الأساسية والبنية الصحية والطرقات في عدد من المناطق الجنوبية.

محادثات مرتقبة وسط أجواء متوترة

ويأتي هذا التصعيد العسكري بينما يستعد لبنان وإسرائيل لعقد جولة جديدة من المحادثات غير المباشرة في واشنطن، حيث من المقرر أن يبدأ وفدان عسكريان اجتماعات في مقر وزارة الدفاع الأميركية لمناقشة التطورات الأمنية على الحدود.

لكنّ مراقبين يرون أن فرص التهدئة تبدو محدودة في ظل استمرار القصف المتبادل وتصاعد الخطاب السياسي والعسكري، إضافة إلى تزايد الخسائر البشرية في الجانبين.

وتشهد الحدود اللبنانية الإسرائيلية منذ أشهر تصعيداً عسكرياً متواصلاً على خلفية الحرب في قطاع غزة، حيث توسعت المواجهات بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله لتشمل قصفاً يومياً متبادلاً واستهدافات متكررة داخل العمق اللبناني والشمال الإسرائيلي.

ورغم التوصل سابقاً إلى تفاهمات غير معلنة لاحتواء التصعيد بوساطة أمريكية ودولية، فإن العمليات العسكرية لم تتوقف، بل اتخذت منحى أكثر حدة خلال الأسابيع الأخيرة مع توسع الغارات الإسرائيلية وارتفاع وتيرة الهجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ.

ويخشى المجتمع الدولي من أن يؤدي استمرار هذا التصعيد إلى اندلاع حرب واسعة النطاق بين إسرائيل وحزب الله، بما يحمله ذلك من تداعيات إنسانية وأمنية خطيرة على لبنان والمنطقة بأسرها.