منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

“ماعت”: فجوة بين توصيات الأمم المتحدة والتنفيذ.. وإفريقيا تحتاج إلى السلام لتحقيق التنمية

30 يونيو 2026
أيمن عقيل
أيمن عقيل

يشهد ملف حقوق الإنسان والتنمية في إفريقيا تحديات متزايدة تفرض نفسها على أجندة المؤسسات الدولية والإقليمية، في وقت تتواصل فيه المناقشات داخل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بشأن مستقبل آلية الاستعراض الدوري الشامل، بالتوازي مع تصاعد التحذيرات من تأثير النزاعات المسلحة والتدخلات الخارجية على فرص تحقيق أهداف التنمية في القارة الإفريقية. وفي هذا السياق، أكد أيمن عقيل، رئيس مؤسسة ماعت للسلام والتنمية وحقوق الإنسان، أن نجاح جهود حماية حقوق الإنسان وتحقيق التنمية المستدامة يرتبط بقدرة الدول على تنفيذ التزاماتها الدولية وتوفير بيئة مستقرة تدعم خطط الإصلاح والتنمية.

وقال عقيل، في تصريحات صحفية، إن آلية الاستعراض الدوري الشامل التابعة لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة تمثل واحدة من أهم الآليات الدولية لمتابعة أوضاع حقوق الإنسان في مختلف دول العالم، موضحاً أن الجولة الرابعة من الاستعراض تنتهي رسمياً في يناير 2027، لتبدأ بعدها الجولة الخامسة التي ستواصل تقييم التزام الدول بتعهداتها الحقوقية وتنفيذ التوصيات الصادرة بحقها.

آلية دولية لمراجعة أوضاع حقوق الإنسان

وأوضح عقيل أن الاستعراض الدوري الشامل يعد آلية غير تعاقدية تتبع مجلس حقوق الإنسان في جنيف، وتخضع من خلالها جميع الدول الأعضاء بالأمم المتحدة لتقييم دوري مرة كل أربع سنوات ونصف. وخلال هذه العملية تقدم الدول تقارير عن أوضاع حقوق الإنسان لديها، في حين توجه إليها الدول الأخرى توصيات تهدف إلى تطوير التشريعات والسياسات وتعزيز حماية الحقوق والحريات.

وأشار إلى أن الدول تحتفظ بحقها الكامل في التعامل مع التوصيات المقدمة إليها، إذ يمكنها قبولها بصورة كاملة أو جزئية، أو رفضها كلياً أو جزئياً، كما تستطيع الاكتفاء بالإحاطة علماً ببعض التوصيات أو توضيح أنها نفذت بالفعل ما تتضمنه قبل صدور التوصية. وأضاف أن التوصيات التي تقبلها الدول تتحول إلى التزامات رسمية يتعين العمل على تنفيذها قبل موعد الاستعراض التالي.

تحديات التنفيذ في الجولة الرابعة

وأكد رئيس مؤسسة ماعت للسلام أن المناقشات الحالية في جنيف تركز على تقييم أبرز التحديات التي واجهت الدول خلال تنفيذ توصيات الجولة الرابعة، بهدف الاستفادة من التجارب السابقة وتحسين آليات العمل خلال الجولة الخامسة.

وأوضح أن الزيادة المستمرة في عدد التوصيات تمثل أحد أبرز التحديات، إذ تتلقى بعض الدول ما يتراوح بين 200 و300 توصية في دورة واحدة، وهو ما يفرض أعباءً كبيرة على الحكومات والمؤسسات الوطنية المسؤولة عن التنفيذ والمتابعة.

وأضاف أن التجربة كشفت أيضاً عن وجود فجوة واضحة بين عدد التوصيات التي توافق عليها الدول وبين ما يطبق فعلياً خلال فترة التنفيذ الممتدة لأربع سنوات ونصف، وهو ما يعكس الحاجة إلى تطوير آليات المتابعة وتوفير الإمكانات اللازمة لضمان تنفيذ الالتزامات الحقوقية بصورة أكثر فاعلية.

ولفت إلى أن محدودية الموارد المالية والفنية تشكل تحدياً إضافياً، سواء بالنسبة للدول أو للجهات الدولية المعنية بمتابعة تنفيذ التوصيات وتقييم نتائجها، الأمر الذي يؤثر في كفاءة عمليات الرصد وقياس مدى التقدم المحقق.

إفريقيا بين التنمية والصراعات

وفي سياق متصل، أكد عقيل أن تحقيق أهداف أجندة إفريقيا 2063 يواجه تحديات كبيرة بسبب استمرار النزاعات المسلحة والتدخلات الخارجية في عدد من دول القارة، مشيراً إلى أن الأجندة الإفريقية تتقاطع في العديد من محاورها مع أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة 2030، خاصة فيما يتعلق بالقضاء على الفقر وتعزيز النمو الاقتصادي وتحسين الخدمات الأساسية وترسيخ العدالة الاجتماعية.

وأوضح أن أجندة الاتحاد الإفريقي تتشابه بدرجة كبيرة مع أجندة الأمم المتحدة من حيث الأهداف التنموية والاقتصادية والاجتماعية، إلا أن وتيرة متابعة تنفيذ أهداف الأمم المتحدة تبدو أكثر سرعة وتنظيماً مقارنة بآليات متابعة الأجندة الإفريقية.

وأشار إلى أن القارة لا تزال تواجه تحديات مركبة تشمل الفقر والجوع والأزمات الاقتصادية، إلى جانب الصراعات المسلحة والتوترات الأمنية التي تستنزف الموارد وتحد من قدرة الحكومات على تنفيذ برامج التنمية وتحسين مستوى معيشة المواطنين.

وشدد على أن استمرار الحروب والصراعات بالوكالة داخل عدد من الدول الإفريقية يعطل جهود تنفيذ أجندة 2063، كما أن بعض القوى الدولية تقدم الدعم لأطراف وميليشيات مسلحة، وهو ما يطيل أمد النزاعات ويقوض فرص تحقيق الاستقرار السياسي والأمني.

السلام شرط أساسي للتنمية

وأكد عقيل أن تحقيق التنمية المستدامة في إفريقيا يظل مرهوناً بتوافر الأمن والاستقرار، موضحاً أن الدول الإفريقية لن تتمكن من تحقيق تقدم حقيقي في مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية دون إنهاء النزاعات القائمة وتعزيز جهود السلام.

ودعا إلى وقف التدخلات الخارجية في الشؤون الإفريقية، وتمكين الدول من إدارة مواردها الطبيعية وتحديد أولوياتها التنموية بصورة مستقلة، مؤكداً أن القارة تمتلك إمكانات اقتصادية وزراعية وموارد طبيعية هائلة تؤهلها لتحقيق معدلات نمو مرتفعة إذا توافرت البيئة المناسبة للاستثمار والاستقرار.

وأشار إلى وجود إدراك متزايد لدى القيادات الإفريقية بأهمية تعزيز الأمن الإقليمي وتفعيل الآليات الإفريقية المشتركة لإدارة الموارد وتسوية النزاعات، معتبراً أن توسيع التعاون بين الدول الإفريقية يمثل أحد أهم المسارات لتحقيق أهداف أجندة إفريقيا 2063 خلال السنوات المقبلة.

كما لفت إلى أن الدول الإفريقية تواجه تحديات إضافية ترتبط بالظروف الاقتصادية والسياسية، فضلاً عن استمرار تأثير التدخلات الخارجية، وهو ما ينعكس على قدرتها على الوفاء بكامل التزاماتها في مجال حقوق الإنسان.

وأضاف أن العديد من الدول الإفريقية لا تزال تتحمل تداعيات الحقبة الاستعمارية، مشيراً إلى استمرار المطالبات بالحصول على تعويضات عن فترات الاستعمار وما صاحبها من استنزاف للموارد والثروات الطبيعية. وأوضح أن السنوات الأخيرة شهدت حضوراً أكبر لهذا الملف في النقاشات الدولية، كما أبدت بعض الاجتماعات الأوروبية دعماً مبدئياً لفكرة التعويضات، في حين اتخذت البرتغال خطوات عملية في هذا الاتجاه، لكن تطبيق هذه المبادرات لا يزال محدوداً مقارنة بحجم المطالب الإفريقية.

يعد الاستعراض الدوري الشامل إحدى الآليات الرئيسية التابعة لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، وانطلقت أولى دوراته عام 2008 بهدف مراجعة أوضاع حقوق الإنسان في جميع الدول الأعضاء بالأمم المتحدة على قدم المساواة. وتعتمد الآلية على ثلاثة مصادر رئيسية للمعلومات، تشمل التقرير الوطني الذي تقدمه الدولة، وتقارير أجهزة الأمم المتحدة، وإسهامات المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني. أما أجندة إفريقيا 2063، فهي الخطة الاستراتيجية طويلة المدى التي اعتمدها الاتحاد الإفريقي عام 2015، وتهدف إلى تحقيق تنمية شاملة ومستدامة، وتعزيز التكامل الاقتصادي والسياسي، وترسيخ السلم والأمن، وتحسين مستويات التعليم والصحة والبنية التحتية، ما يجعل القارة أكثر قدرة على الاستفادة من مواردها وتحقيق الازدهار لشعوبها بحلول عام 2063.

 

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print