في بيلاروس، لم يعد القمع محصوراً في السياسة والسجون والمحاكم، بل امتد إلى الذاكرة واللغة والكتب والفنون، فما عُرض أمام مجلس حقوق الإنسان كشف أن السلطات لا تسعى فقط إلى السيطرة على المجال العام، بل إلى إعادة تشكيل المجال الثقافي نفسه: كيف يتذكر الناس تاريخهم، وبأي لغة يتحدثون، وأي كتب يقرؤون، وأي رواية وطنية يُسمح لها بالبقاء.
هذه الزاوية الثقافية في الملف البيلاروسي لا تقل خطورة عن الاعتقال التعسفي أو تقييد الإعلام، لأنها تمس حقاً أساسياً من حقوق الإنسان: الحق في المشاركة في الحياة الثقافية، والحق في استخدام اللغة، والحق في التعبير الفني والفكري، والحق في الوصول إلى المعرفة دون خوف أو رقابة أو تجريم.
خلال الحوار التفاعلي بشأن حالة حقوق الإنسان في بيلاروس، ركز المقرر الخاص نيلسميزنيكس على أن قمع الثقافة ليس مسألة هامشية، بل جزء من بنية سياسية أوسع، فقد أشار إلى تزايد دور اللغة الروسية والسرديات الروسية ـ السوفياتية، في مقابل تراجع مساحة اللغة البيلاروسية والثقافة المستقلة، كما لفت إلى أن استخدام اللغة البيلاروسية بات يُعامل، في بعض السياقات، كمؤشر على موقف سياسي أو ضعف في الولاء للسلطات.
وهذا التحول بالغ الخطورة، لأنه يحوّل اللغة من وسيلة للتعبير والانتماء إلى أداة اشتباه، فعندما يصبح التحدث بلغة وطنية أو دعمها أو نشر مواد ثقافية بها سبباً للرقابة أو الاستهداف، فإن الدولة لا تقمع رأياً سياسياً فقط، بل تقمع أحد عناصر الهوية الجماعية، وهنا يصبح الدفاع عن اللغة دفاعاً عن الوجود الثقافي نفسه.
وقد شددت عدة دول ومنظمات على أن بيلاروس تشهد اتجاهاً واضحاً نحو “الروسنة”، أي تعزيز اللغة الروسية والروايات التاريخية المرتبطة بالحقبة السوفياتية والروابط السياسية والثقافية مع روسيا، على حساب التعددية الثقافية واللغوية داخل المجتمع البيلاروسي، ولا يعني ذلك مجرد تغير في السياسات التعليمية أو الإعلامية، بل يعكس محاولة لإعادة تعريف الهوية الوطنية وفق رواية واحدة، تهمّش الأصوات البديلة والذاكرة المتعددة.
في هذا السياق، برزت قضية استهداف منظمة PEN Belarus بوصفها مثالاً صارخاً على تجريم الثقافة المستقلة، فقد أشارت Human Rights House Foundation إلى أن المنظمة صُنفت كـ”تشكيل متطرف” في فبراير، بعد استهداف موقعها الإلكتروني، وذلك ضمن حملة أوسع ضد أنشطتها الثقافية والحقوقية المشروعة، هذه الواقعة تكشف كيف تستخدم السلطات تصنيفات “التطرف” لتوسيع دائرة القمع لتشمل الكتاب والناشرين والمؤسسات الثقافية، لا السياسيين فقط.
إن وصف منظمة ثقافية أو أدبية بأنها “متطرفة” لا يستهدف المؤسسة وحدها، بل يرسل رسالة إلى كل كاتب وناشر وفنان ومثقف: العمل الثقافي المستقل قد يصبح تهمة، وبذلك يتحول القانون الأمني إلى أداة لمراقبة الخيال، وضبط الذاكرة، وتجريم الإبداع.
وقد وثقت منظمات حقوقية تعرض ناشرين وموزعين ومنظمات ثقافية للمداهمة والاحتجاز والتهديد بالملاحقة القضائية، كما أشارت منظمة PEN Belarus، وفق ما ورد في المداخلات، إلى أن ما لا يقل عن 125 شخصية ثقافية، بينهم 24 كاتباً على الأقل، إما محتجزون أو رهن الحبس الاحتياطي، هذه الأرقام تكشف أن استهداف الثقافة ليس رمزياً أو محدوداً، بل يمس أشخاصاً ومؤسسات ومساحات إنتاج معرفي وثقافي حقيقية.
ولا تتوقف الأزمة عند ملاحقة الأشخاص، فقد تمت الإشارة أيضاً إلى حظر 357 كتاباً، في مؤشر على تصاعد القيود على حرية التعبير والإبداع الثقافي، وحظر الكتب ليس مجرد إجراء إداري، بل فعل سياسي يمس حق المجتمع في المعرفة، ويقيد حرية القراء قبل الكتّاب، فالكتاب المحظور يعني فكرة ممنوعة، ونقاشاً مغلقاً، وذاكرة يراد لها أن تختفي.
هذا النمط من الرقابة يفتح الباب أمام بيئة ثقافية فقيرة وخائفة، حيث لا يكتب الكاتب بحرية، ولا ينشر الناشر بثقة، ولا يقرأ المواطن دون خشية من الوصم أو الملاحقة، وفي هذه البيئة، تصبح الثقافة الرسمية أو المسموح بها وحدها القادرة على الظهور، بينما تُدفع الثقافة المستقلة إلى المنفى أو السرية أو الصمت.
وقد أشار المقرر الخاص في ملاحظاته الختامية إلى أن أحد أبرز التغيرات منذ عام 2020 يتمثل في تعزيز اللغة الروسية على حساب اللغة البيلاروسية، والترويج للروايات السوفياتية، وتعزيز الروابط السياسية والثقافية مع روسيا، كما تحدث عن تصاعد الضغوط على الثقافات المحلية والأقليات، واستهداف مؤسسات أكاديمية وثقافية، من بينها الجامعة الأوروبية للعلوم الإنسانية التي وُصفت بأنها “متطرفة”.
وتُظهر هذه الوقائع أن الصراع في بيلاروس ليس فقط على السلطة السياسية، بل على معنى الوطن نفسه، فمن يملك حق تعريف التاريخ؟ ومن يقرر اللغة التي يجب أن تُستخدم في التعليم والإعلام والحياة العامة؟ ومن يحدد أي ذاكرة وطنية تُحفظ وأي ذاكرة تُمحى؟ هذه الأسئلة تجعل الملف الثقافي جزءاً مركزياً من الأزمة الحقوقية.
إن الحق في الثقافة لا يعني فقط حضور الفنون أو حماية التراث، بل يشمل أيضاً قدرة الأفراد والجماعات على التعبير عن هويتهم، واستخدام لغتهم، ونقل ذاكرتهم، والمشاركة في إنتاج المعنى العام، وعندما تحتكر الدولة الرواية التاريخية والثقافية، فإنها لا تنتهك حق الفنان أو الكاتب وحده، بل تنتهك حق المجتمع في التعددية.
ويكتسب هذا البعد أهمية خاصة في المجتمعات التي تمر بأزمات سياسية عميقة، ففي مثل هذه الحالات، تصبح الثقافة مساحة للمقاومة السلمية، والتوثيق، وحفظ الذاكرة، والتضامن، ولهذا تحديداً قد تنظر إليها السلطات السلطوية كتهديد، فالقصيدة، والكتاب، والمسرحية، واللغة، والأرشيف، والمتحف، والمجلة الثقافية، قد تتحول جميعها إلى مساحات تحمل رواية بديلة عن رواية السلطة.
ومن هنا، فإن قمع الثقافة في بيلاروس لا يمكن فصله عن قمع المجتمع المدني والإعلام والمعارضة، فكلها حلقات في سلسلة واحدة تهدف إلى إضعاف قدرة المجتمع على التعبير والتنظيم والتذكر، فالصحفي يوثّق الحاضر، والحقوقي يوثّق الانتهاك، والكاتب يحفظ المعنى، والمعلم ينقل الوعي، والفنان يكسر الخوف، ولهذا يصبح استهدافهم جميعاً جزءاً من سياسة السيطرة الشاملة.
وقد ركزت مداخلات عدة على أثر هذه السياسات على التعليم أيضاً، فالتعليم، كما أشار المقرر الخاص، يشهد توجهاً نحو العسكرة والتلقين الأيديولوجي، بما يحد من التفكير النقدي ويضيق مساحة التعددية داخل المدارس والجامعات، وهذا يعني أن الجيل الجديد لا يتعرض فقط لتقييد سياسي، بل لمحاولة تشكيل وعيه ضمن رواية واحدة، تقلل من فرص الاطلاع على وجهات نظر متعددة.
وتزداد خطورة ذلك عندما تُستهدف الجامعات والمؤسسات الأكاديمية أو تُصنف كـ”متطرفة”، كما حدث مع الجامعة الأوروبية للعلوم الإنسانية في فيلنيوس، فالجامعة، في الأصل، مساحة للنقاش والبحث والتفكير الحر، وعندما تُعامل كمصدر تهديد، فإن الرسالة الموجهة إلى الطلاب والأكاديميين واضحة: المعرفة المستقلة قد تكون جريمة.
وفي مواجهة هذا الواقع، شدد المقرر الخاص على ضرورة دعم التعليم الإلكتروني، والتبادل الأكاديمي والمعرفي، ومبادرات التعليم باللغة البيلاروسية في بلدان اللجوء والمنفى، وهذه الدعوة تعكس إدراكاً بأن حماية الثقافة البيلاروسية لم تعد مهمة داخلية فقط، بل أصبحت مسؤولية دولية أيضاً، خاصة بعدما اضطر كثير من المثقفين والطلاب والناشطين إلى مغادرة البلاد.
وتبرز هنا أهمية المنفى الثقافي، فحين تُغلق المساحات داخل البلاد، يمكن للمنفى أن يتحول إلى مساحة بديلة للحفاظ على اللغة والذاكرة والإنتاج الثقافي المستقل، لكن هذا يتطلب دعماً حقيقياً، لا تعاطفاً رمزياً فقط، فالمبدعون والكتاب والصحفيون والمنظمات الثقافية في الخارج يحتاجون إلى تمويل، ومنصات نشر، وحماية قانونية، وفرص تعليمية، وشبكات تضامن، حتى لا تتحول الهجرة القسرية إلى انقطاع ثقافي دائم.
كما أن دعم الثقافة المستقلة يجب أن يُنظر إليه كجزء من دعم حقوق الإنسان، وليس كملف منفصل أو ثانوي، فالأنظمة القمعية تدرك جيداً أن السيطرة على الثقافة تعني السيطرة على الخيال العام، ولذلك، فإن حماية الكتاب والفنانين والناشرين والمعلمين ليست ترفاً ثقافياً، بل خطوة أساسية لحماية المجتمع من الاحتكار الأيديولوجي.
ومن الزاوية القانونية، تمثل هذه الممارسات انتهاكاً لعدد من الحقوق الأساسية: حرية الرأي والتعبير، حرية الفكر، الحق في التعليم، الحق في المشاركة في الحياة الثقافية، حقوق الأقليات، والحق في عدم التعرض للتمييز بسبب اللغة أو الهوية الثقافية، كما أن تصنيف المؤسسات الثقافية كـ”متطرفة” بسبب أنشطتها المشروعة يقوض مبدأ الشرعية، ويفتح الباب أمام استخدام فضفاض وخطير للقوانين الأمنية.
إن أخطر ما في القمع الثقافي أنه طويل الأمد، فالسجين قد يُفرج عنه، والصحيفة قد تعود، والمنظمة قد تستعيد تسجيلها في مرحلة سياسية لاحقة، أما تدمير اللغة، وتخويف الكتاب، وحظر الكتب، وإعادة تشكيل الذاكرة، فقد يترك آثاراً عميقة تمتد لأجيال، ولهذا فإن التعامل مع الملف الثقافي في بيلاروس يجب أن يكون عاجلاً واستراتيجياً في الوقت نفسه.
ولا يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي في بيلاروس ما لم تُرفع القيود عن الثقافة المستقلة، ويُسمح باستخدام اللغة البيلاروسية بحرية، وتُلغى التصنيفات التعسفية بحق المؤسسات الثقافية، ويُفرج عن الكتاب والفنانين والشخصيات الثقافية المحتجزة، وتُعاد الكتب المحظورة إلى المجال العام، وتُفتح المدارس والجامعات أمام التعددية والتفكير النقدي.
في النهاية، تكشف حالة بيلاروس أن القمع لا يستهدف فقط من يعارضون السلطة، بل يستهدف أيضاً من يتذكرون بطريقة مختلفة، ويتكلمون بلغة مختلفة، ويكتبون خارج الرواية الرسمية، وعندما تصبح اللغة شبهة، والكتاب خطراً، والذاكرة خصماً، فإن الأزمة لا تكون سياسية فقط، بل وجودية بالنسبة لهوية المجتمع.
لذلك، فإن حماية الثقافة البيلاروسية المستقلة ليست مسألة أدبية أو تعليمية فحسب، بل معركة حقوقية من أجل بقاء التعددية، فالشعوب لا تُقمع فقط حين تُسلب حريتها السياسية، بل أيضاً حين تُسلب لغتها وذاكرتها وقدرتها على رواية قصتها بنفسها.
