منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إعداد فريق الدراسات والأبحاث في منصة صفر

الشركات وحقوق الإنسان.. من المبادئ التوجيهية إلى سؤال المساءلة الفعلية

30 يونيو 2026
مجلس حقوق الإنسان
مجلس حقوق الإنسان

لم تعد قضايا حقوق الإنسان مرتبطة بالدول وحدها، ولا يمكن فهم الانتهاكات المعاصرة بمعزل عن دور الشركات وسلاسل التوريد والاستثمار والتكنولوجيا، هذا ما أعادت مناقشات منتدى الأعمال وحقوق الإنسان تأكيده أمام مجلس حقوق الإنسان، حيث قدّم رئيس الفريق العامل المعني بمسألة حقوق الإنسان والشركات عبر الوطنية وغيرها من مؤسسات الأعمال تقرير المنتدى الرابع عشر الذي عُقد في جنيف بين 24 و26 نوفمبر 2025.

يُعد المنتدى أكبر تجمع عالمي مخصص لقضية الأعمال وحقوق الإنسان، إذ جمع في دورته الأخيرة أكثر من 4600 مشارك من 146 دولة، حضورياً وعن بُعد، بمشاركة دول، ومستثمرين، ومؤسسات وطنية لحقوق الإنسان، ونقابات، ومجتمع مدني، وأوساط أكاديمية، ووسائل إعلام، هذا الاتساع في المشاركة يعكس أن العلاقة بين الاقتصاد والحقوق لم تعد ملفاً متخصصاً، بل أصبحت في قلب النقاش العالمي حول العدالة والتنمية والمساءلة.

كان موضوع المنتدى هو تسريع العمل في مجال الأعمال وحقوق الإنسان لمواجهة التحديات المعاصرة، وقد عُقدت حوالي 210 جلسات، وقُدمت أكثر من 300 إسهام ومقترح، تناولت قضايا متعددة، منها الانتقال العادل، والمساءلة البيئية، والذكاء الاصطناعي، وهجرة العمالة، والعناية الواجبة في حقوق الإنسان، ودور مؤسسات التنمية، والوصول إلى الانتصاف، وحقوق الشعوب الأصلية، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والنساء والفتيات.

هذا التنوع في القضايا يكشف أن تأثير الشركات في حقوق الإنسان لم يعد محصوراً في ظروف العمل أو الأجور فقط، فالشركات اليوم قد تؤثر في البيئة، والخصوصية، وحقوق العمال المهاجرين، وحقوق المجتمعات المحلية، وحقوق النساء، وحرية التنظيم النقابي، وحتى في النزاعات وسلاسل القيمة العالمية، لذلك، لم يعد كافياً أن تقول الشركات إنها “تحترم القانون المحلي”، خصوصاً في الدول التي تكون فيها الحماية القانونية ضعيفة أو الرقابة محدودة.

الشركات واحترام حقوق الإنسان

في قلب هذا النقاش تقف المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال وحقوق الإنسان، التي تقوم على ثلاثة أعمدة: واجب الدولة في الحماية، ومسؤولية الشركات عن احترام حقوق الإنسان، وحق الضحايا في الوصول إلى الانتصاف، غير أن التقرير أشار بوضوح إلى أن الالتزام بهذه المبادئ لم يتحول بعد إلى نتائج كافية على الأرض، خاصة فيما يتعلق بالعناية الواجبة وجبر الضرر.

العناية الواجبة في مجال حقوق الإنسان تعني أن على الشركات أن تحدد مسبقاً مخاطر أنشطتها على الحقوق، وأن تمنع الانتهاكات أو تخففها، وأن تعالج آثارها عندما تقع، وهذا المفهوم بالغ الأهمية لأنه ينقل الشركات من موقع رد الفعل بعد وقوع الضرر إلى موقع المسؤولية الوقائية، فالشركة يجب ألا تنتظر وقوع الانتهاك لتتحرك، بل عليها أن تعرف أين يمكن أن يحدث الضرر، ومن قد يتأثر، وكيف يمكن منعه.

لكن التحدي الحقيقي يكمن في التنفيذ، فكثير من الشركات يتبنى سياسات عامة أو بيانات التزام، لكن الضحايا لا يجدون دائماً طريقاً واضحاً للانتصاف، وقد شدد التقرير على أن الوصول الفعال إلى سبل الانتصاف وجبر الضرر لا يزال غير متحقق بالكامل، وهذا يعني أن الفجوة ما زالت واسعة بين المبادئ المكتوبة والواقع العملي للعمال والمجتمعات المتضررة.

وتظهر هذه الفجوة بوضوح في القطاعات ذات المخاطر العالية، مثل الزراعة، والأمن، والتعدين، وسلاسل التوريد العابرة للحدود، والتكنولوجيا، ففي هذه القطاعات، قد يكون الضرر متعدد الأبعاد: عمالة استغلالية، تلوث بيئي، تهجير مجتمعات، مراقبة رقمية، عنف ضد المدافعين عن الأرض والبيئة، أو تمييز ضد النساء والفئات المهمشة.

تزايد عدم المساواة والنزاعات

ناقش المنتدى الأزمات المتداخلة التي يعيشها العالم اليوم، تزايد عدم المساواة، النزاعات، تغير المناخ، التدهور البيئي، واضطراب سلاسل القيمة العالمية، هذه الأزمات تضاعف مسؤولية الدول والشركات معاً؛ لأنها تجعل الفئات الأضعف أكثر عرضة للاستغلال، فعندما تضطرب الأسواق أو تتراجع الحماية الاجتماعية أو تتوسع النزاعات، يصبح العمال والمجتمعات المحلية أكثر هشاشة أمام الممارسات التجارية غير المسؤولة.

و شدد رئيس الفريق العامل على ضرورة أن توفر الدول بيئة داعمة لا معرقلة، فالدولة مسؤولة عن وضع القوانين والرقابة وضمان الانتصاف، وإذا اكتفت الدولة بجذب الاستثمار دون اشتراط احترام الحقوق، فإنها قد تتحول إلى شريك غير مباشر في الانتهاك، وفي المقابل، على الشركات ألا تكتفي بالحد الأدنى القانوني، بل أن تدعم جهود الحماية ولا تقوضها.

وهذه النقطة مهمة جداً في الدول التي تعاني من ضعف مؤسسي أو نزاعات أو فساد، ففي مثل هذه السياقات، قد تجد الشركات فرصة للربح السريع على حساب الحقوق، أو قد تستفيد من ضعف الرقابة لتقليل التكاليف، ولذلك، فإن مسؤولية الشركات عن احترام حقوق الإنسان لا تسقط بسبب ضعف الدولة، بل تصبح أكثر إلحاحاً.

كما أن ملف الوصول إلى الانتصاف يبقى جوهر القضية، فحين يتضرر عامل أو مجتمع محلي أو مجموعة من السكان بسبب نشاط تجاري، يجب أن تكون هناك آليات واضحة وفعالة للشكوى والتحقيق والتعويض، أما إذا بقيت سبل الانتصاف معقدة أو مكلفة أو خاضعة لنفوذ الشركات، فإن العدالة تتحول إلى وعد نظري.

دور المجتمع المدني والنقابات

يبرز دور المجتمع المدني والنقابات والمدافعين عن حقوق الإنسان هنا بوصفهم خط رقابة أساسياً، لكن هؤلاء أنفسهم قد يتعرضون للتهديد أو التضييق عندما يواجهون مصالح اقتصادية كبرى، لذلك، فإن حماية المدافعين عن حقوق الإنسان، ولا سيما المدافعين عن الأرض والبيئة وحقوق العمال، يجب أن تكون جزءاً رئيسياً من أي مقاربة للأعمال وحقوق الإنسان.

المنتدى القادم المقرر عقده في جنيف بين 23 و25 نوفمبر 2026 سيحمل عنوان: “المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة +15: كيف نتخيل المستقبل ونصوغه”، وهذا العنوان يطرح سؤالاً مهماً: بعد 15 عاماً على المبادئ التوجيهية، هل يكفي الإرشاد الطوعي، أم إن العالم بحاجة إلى أدوات أكثر إلزاماً لضمان المساءلة؟

الإجابة ليست بسيطة، فالمبادئ التوجيهية وفرت إطاراً مهماً وموحداً، لكنها لا تكفي وحدها إذا لم تتحول إلى قوانين وسياسات وممارسات قابلة للقياس والمحاسبة، ولهذا، فإن المرحلة المقبلة يجب أن تركز على سد الفجوة بين الالتزام والتنفيذ، وبين التصريحات والانتصاف، وبين المسؤولية الأخلاقية والمساءلة القانونية.

في النهاية، يكشف ملف الأعمال وحقوق الإنسان أن الاقتصاد ليس محايداً من زاوية حقوق الإنسان، فكل استثمار، وكل سلسلة توريد، وكل مشروع بنية تحتية، وكل نظام ذكاء اصطناعي، وكل نشاط تجاري، قد يكون له أثر مباشر في حياة الناس وكرامتهم وحقوقهم.

لذلك، فإن السؤال لم يعد: هل للشركات علاقة بحقوق الإنسان؟ بل أصبح: كيف نضمن ألا تتحول القوة الاقتصادية إلى مصدر انتهاك بلا مساءلة؟ وكيف نجعل الربح متوافقاً مع الكرامة؟ وكيف نمنح الضحايا طريقاً فعلياً للعدالة؟

هذه هي المعركة الحقيقية في ملف الأعمال وحقوق الإنسان .. الانتقال من المبادئ إلى التنفيذ، ومن الالتزام الطوعي إلى المساءلة، ومن حماية سمعة الشركات إلى حماية الإنسان نفسه.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print