تدخل بوروندي مرحلة سياسية حساسة مع اقتراب انتخابات 2027، في ظل مخاوف حقوقية متزايدة من أن تُجرى العملية الانتخابية المقبلة في بيئة لا تضمن حرية التعبير ولا المشاركة السياسية الكاملة ولا سلامة المجتمع المدني، فالنقاش الذي شهده مجلس حقوق الإنسان حول حالة حقوق الإنسان في بوروندي أظهر انقساماً واضحاً بين خطاب حكومي يرفض الرقابة الدولية باسم السيادة، وتحذيرات أممية وحقوقية من استمرار التضييق على الحريات الأساسية.
في مداخلته أمام المجلس، شدد المقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في بوروندي، فورتوني غيتان زونغو، على أن البلاد لا تزال تواجه تحديات جدية منذ أزمة عام 2015، ورغم بعض المؤشرات التي تقدمها السلطات باعتبارها خطوات إيجابية، فإن القلق ما زال قائماً بشأن الفضاء المدني، واستقلال القضاء، وحرية الإعلام، والحق في التجمع والتنظيم، وأوضاع المعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان.
أحد أبرز محاور النقاش كان المسار الانتخابي بين عامي 2025 و2027، فقد أشار المقرر الخاص إلى انتخابات 2025 التي فاز فيها الحزب الحاكم بنسبة 96.5%، في سياق وصفته مداخلات عدة بأنه اتسم بالتخويف والانتهاكات، ومع اقتراب انتخابات 2027، يصبح السؤال الأساسي: هل تتجه بوروندي نحو منافسة سياسية مفتوحة، أم نحو عملية انتخابية شكلية تجري في ظل قيود واسعة؟
المشهد الحقوقي في بوروندي
الانتخابات لا تُقاس فقط بيوم الاقتراع، بل بالبيئة التي تسبقها، فإذا كان المجتمع المدني مقيداً، والصحافة تحت الضغط، والمعارضة غير قادرة على العمل بحرية، فإن الصندوق الانتخابي يفقد معناه الحقيقي، ولهذا ركزت عدة دول ومنظمات على ضرورة فتح الفضاء العام قبل الانتخابات، وضمان حرية التعبير والتجمع والتنظيم، وحماية المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين.
وأعربت دول مثل المملكة المتحدة وسويسرا والاتحاد الأوروبي ودول الشمال والبلطيق عن قلقها من تقلص الحيز المدني واستهداف الأصوات المعارضة، كما حذرت من أن استمرار القيود قد يؤدي إلى انتخابات لا تسمح بمشاركة حقيقية أو تنافس سياسي عادل، وفي المقابل، تمسكت بوروندي وعدد من الدول الداعمة لها بخطاب السيادة ورفض ما تعده تسييساً وانتقائية في آليات حقوق الإنسان.
هذا الانقسام داخل المجلس يعكس إشكالية أوسع: هل تُقرأ حالة بوروندي من زاوية السيادة الوطنية فقط، أم من زاوية الالتزامات الدولية بحماية الحقوق والحريات؟ فالدولة تملك حق تنظيم انتخاباتها، لكنها في الوقت ذاته ملزمة بضمان أن تكون هذه الانتخابات قائمة على حرية الاختيار، لا على الخوف أو الإقصاء أو إغلاق المجال العام.
وقد شددت منظمات حقوقية على أن المعارضة السياسية لا تزال تواجه قيوداً، وأن المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين يعملون في بيئة غير آمنة، كما أشارت بعض المداخلات إلى استمرار الاعتقالات التعسفية، والاختفاء القسري، والتهديدات، والقيود المفروضة على منظمات المجتمع المدني، هذه الممارسات، إن استمرت، قد تجعل انتخابات 2027 محطة جديدة لتكريس الأزمة بدلاً من حلها.
القلق على الحريات السياسية
لا يقتصر القلق على الحريات السياسية فقط، بل يمتد إلى استقلال القضاء، فالانتخابات الحرة تحتاج إلى مؤسسات قادرة على إنصاف المتضررين، والنظر في الطعون، وحماية الحقوق، وإذا كان القضاء غير مستقل أو خاضعاً لضغوط سياسية، فإن الانتهاكات الانتخابية قد تمر دون مساءلة، ويشعر المواطنون والمعارضون بأن اللجوء إلى القانون لا يوفر حماية حقيقية.
كما أن ملف اللاجئين والمنفيين حاضر بقوة في الحالة البوروندية، فقد شددت منظمات عدة على ضرورة أن تكون عودة اللاجئين طوعية وآمنة وكريمة، وأن لا تتم تحت ضغط أو إكراه، وفي سياق انتخابي، يصبح هذا الملف مهماً لأن المنفيين والمعارضين في الخارج يشكلون جزءاً من الحياة السياسية والاجتماعية للبلاد، وأي عملية سياسية لا تأخذ في الاعتبار حقهم في العودة والمشاركة الآمنة تبقى ناقصة.
من جهة أخرى، تحاول السلطات البوروندية إبراز خطوات تعدها إيجابية، مثل إجراءات تخفيف اكتظاظ السجون، وبعض الإفراجات، والحديث عن الحوار والمصالحة والتنمية، لكن المقرر الخاص ومنظمات المجتمع المدني شددوا على أن هذه الخطوات لا تكفي إذا لم ترتبط بتغيير بنيوي يضمن الحقوق الأساسية، ويوقف الإفلات من العقاب، ويفتح المجال العام أمام المشاركة المستقلة.
في ملاحظاته الختامية، دعا المقرر الخاص إلى اتخاذ تدابير وقائية واضحة قبل انتخابات 2027، منها فتح حوار سياسي شامل، والإفراج عن المحتجزين السياسيين، والسماح للمراقبين الدوليين بالعمل دون قيود، وإنشاء لجنة وطنية مستقلة وتعددية، وهذه التوصيات تعكس أن منع الأزمة يبدأ قبل يوم الاقتراع، من خلال بناء شروط الثقة والشفافية والمشاركة.
إدارة الانتخابات في بيئة مغلقة
الخطر الأكبر في بوروندي هو الاعتياد على إدارة الانتخابات في بيئة مغلقة، فحين يصبح التضييق أمراً طبيعياً، وحين تُعامل الرقابة الدولية بوصفها عداءً سياسياً، وحين يُختزل الاستقرار في غياب الاحتجاج، فإن الانتخابات قد تتحول إلى إجراء شكلي لا يعكس الإرادة الشعبية.
لذلك، فإن انتخابات 2027 تمثل اختباراً حقيقياً لبوروندي وللمجتمع الدولي معاً، فإما أن تكون فرصة لفتح المجال العام وتخفيف الاحتقان السياسي، أو تتحول إلى محطة جديدة في مسار طويل من تقييد الحريات وإضعاف الثقة بالمؤسسات.
في النهاية، لا تحتاج بوروندي إلى انتخابات فقط، بل إلى بيئة انتخابية آمنة ومفتوحة، وهذا يتطلب حماية المعارضة، وضمان حرية الصحافة، ووقف استهداف المدافعين عن حقوق الإنسان، وتعزيز استقلال القضاء، والسماح بالمراقبة الدولية، وضمان حق اللاجئين والمنفيين في العودة والمشاركة دون خوف.
فالانتخابات التي تجري في ظل الخوف لا تنتج شرعية مستقرة، والاقتراع الذي يسبقه صمت قسري لا يعبر عن ديمقراطية حقيقية، ومن هنا، فإن مستقبل بوروندي السياسي لن يتحدد في صناديق الاقتراع وحدها، بل في قدرة الدولة على تحويل السنوات التي تسبق انتخابات 2027 إلى مساحة إصلاح وانفتاح، لا إلى مرحلة جديدة من التضييق والترهيب.
