أعادت محكمة الاستئناف في باريس ملف الإبادة الجماعية للتوتسي في رواندا إلى واجهة العدالة الدولية، بعدما ألغت قرارًا قضائيًا سابقًا بحفظ الدعوى في قضية أغات هابياريمانا، أرملة الرئيس الرواندي الراحل جوفينال هابياريمانا، وأمرت باستئناف التحقيق في دورها المحتمل في التحضير أو التواطؤ في الإبادة الجماعية عام 1994.
ويأتي القرار بعد أكثر من ثلاثة عقود على واحدة من أبشع الجرائم الجماعية في القرن العشرين، التي قُتل خلالها مئات الآلاف خلال نحو مئة يوم، أغلبهم من التوتسي، إلى جانب هوتو معتدلين عارضوا مشروع الإبادة.
قرار باريس لا يعني إدانة أغات هابياريمانا، البالغة اليوم نحو 83 عامًا، لكنه يمثل تطورًا قضائيًا مهمًا لأنه يرفض إغلاق الملف نهائيًا، ويعيد فتح سؤال دور الدائرة القريبة من السلطة الرواندية السابقة في التخطيط للإبادة والتحريض عليها.
وكانت هابياريمانا موضع تحقيق في فرنسا منذ عام 2008 بتهمة التواطؤ في الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية، لكن قضاة التحقيق أصدروا في أغسطس 2025 قرارًا بحفظ الدعوى، قبل أن تقرر محكمة الاستئناف في 6 مايو 2026 إلغاء ذلك القرار واستئناف التحقيق.
قضية تعود من جديد
تكتسب القضية رمزية كبيرة لأنها تتعلق بامرأة ارتبط اسمها، منذ سنوات، بما عُرف بـ“الأكازو”، وهي شبكة من المتشددين الهوتو القريبين من عائلة الرئيس الراحل، يشتبه مؤرخون وحقوقيون في أنها لعبت دورًا مركزيًا في تعبئة خطاب الكراهية والتحضير للعنف ضد التوتسي والمعارضين.
وتقول منظمات حقوقية مشاركة في الملف إن قرار محكمة الاستئناف يسمح بإعادة فحص وثائق وشهادات كانت، بحسبها، غير مُقدّرة بما يكفي في قرار الحفظ السابق.
ومنذ عام 2004، تقيم أغات هابياريمانا في فرنسا، بعدما تم إجلاؤها من رواندا في الأيام الأولى من الإبادة، وقد ظل وجودها في فرنسا موضوع جدل قانوني وسياسي بين باريس وكيغالي، خاصة أن رواندا طالبت مرارًا بمحاسبة شخصيات يشتبه في ضلوعها في الإبادة، بينما ظل القضاء الفرنسي يتحرك ببطء في عدد من الملفات المرتبطة برواندا، وتعتزم هابياريمانا الطعن على قرار إعادة فتح التحقيق.
100 يوم من القتل
بدأت الإبادة الجماعية في رواندا في 6 أبريل 1994، بعد إسقاط الطائرة التي كانت تقل الرئيس الرواندي جوفينال هابياريمانا ورئيس بوروندي سيبريان نتارياميرا.
وخلال أسابيع قليلة، تحوّلت البلاد إلى مسرح قتل واسع ومنظم استهدف التوتسي بالدرجة الأولى، وكل من رفض المشاركة في القتل أو عارض المتطرفين من الهوتو.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من مليون رجل وامرأة وطفل قُتلوا خلال نحو مئة يوم، وأن ما بين 150 ألفًا و250 ألف امرأة تعرضن للاغتصاب خلال الإبادة.
كما يؤكد السجل التاريخي للأمم المتحدة أن الدعاية الحكومية والإعلامية لعبت دورًا حاسمًا قبل الإبادة، إذ صُوّر التوتسي كـ“أعداء داخليين”، ووُصم المعارضون الهوتو بالخيانة.
وتستخدم مصادر دولية أخرى، بينها اللجنة الدولية للصليب الأحمر ووكالات أنباء دولية، تقديرًا شائعًا بنحو 800 ألف قتيل خلال مئة يوم، في حين تستخدم الأمم المتحدة في موادها التذكارية الحديثة رقمًا يتجاوز المليون.
ويعكس هذا التفاوت صعوبة إحصاء الضحايا في مجزرة جماعية واسعة، لكنه لا يغير حقيقة أن ما حدث كان إبادة منظمة استهدفت جماعة بعينها على أساس الهوية.
آلة الإبادة
لم تكن الإبادة انفجارًا عفويًا للعنف، بل جاءت نتيجة سنوات من التحريض والتنظيم والتسليح.. فالميليشيات، وعلى رأسها الإنتراهاموي، لعبت دورًا رئيسيًا في القتل، إلى جانب عناصر من الجيش والدرك، ومسؤولين محليين، وسياسيين، وإعلاميين، ومواطنين جرى تحريضهم ودفعهم إلى المشاركة.
وقد وثقت المحكمـة الجنائية الدولية لرواندا أن جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب ارتُكبت على نطاق هائل، واستهدفت أساسًا المدنيين التوتسي والهوتو المعتدلين.
وتُعد وسائل الإعلام المتطرفة أحد أكثر وجوه الإبادة فداحة، إذ لعبت إذاعة وتلفزيون “الألف تلة” دورًا في نشر الكراهية والتحريض وتحديد الضحايا وتبرير العنف.
وكان رجل الأعمال فيليسيان كابوغا، الذي توفي في لاهاي في مايو 2026 قبل استكمال محاكمته، متهمًا بتمويل الميليشيات ودعم الإعلام التحريضي، في قضية جسدت تأخر العدالة عقودًا حتى يفلت بعض المتهمين من محاكمة كاملة بسبب المرض أو الوفاة.
النساء في ساحة الحرب
لم تكن الإبادة في رواندا قتلًا جماعيًا فقط؛ فقد استخدم العنف الجنسي كأداة للإذلال والتدمير الاجتماعي. وتشير الأمم المتحدة إلى أن ما بين 150 ألفًا و250 ألف امرأة تعرضن للاغتصاب، في واحدة من أوسع موجات العنف الجنسي المرتبط بالإبادة في التاريخ الحديث.
وقد تركت هذه الجرائم آثارًا ممتدة على الناجيات، بما في ذلك الصدمات النفسية، والإصابات الجسدية، والوصمة الاجتماعية، وحمل ناتج عن الاغتصاب، وانتقال أمراض، وفقدان الأسر والمجتمعات.
وفي تطور قانوني مهم، كانت المحكمة الجنائية الدولية لرواندا أول محكمة دولية تعترف بالاغتصاب كوسيلة يمكن أن تُستخدم لارتكاب الإبادة الجماعية، وهو تطور أصبح لاحقًا ركيزة في القانون الجنائي الدولي.
العدالة المتأخرة
بعد الإبادة، أنشأ مجلس الأمن الدولي المحكمة الجنائية الدولية لرواندا في أروشا بتنزانيا، لملاحقة المسؤولين عن الإبادة والجرائم الجسيمة.
وقد شكلت المحكمة محطة تاريخية في العدالة الدولية، لأنها كانت أول محكمة دولية تصدر أحكامًا في جرائم الإبادة وتفسر مفهوم الإبادة في إطار القانون الدولي.
لكن العدالة بقيت بطيئة ومجزّأة؛ فبعض كبار المشتبه فيهم فروا لعقود، وبعضهم توفي قبل المحاكمة، فيما استمرت محاكم وطنية في أوروبا، خصوصًا في فرنسا وبلجيكا، في استخدام الولاية القضائية لمحاكمة متهمين بجرائم مرتبطة بالإبادة.
وفي فبراير 2026، مثلًا، أيد القضاء الفرنسي حكمًا بالسجن 14 عامًا على كلود موهاييمانا بتهمة التواطؤ في الإبادة وجرائم ضد الإنسانية، ما يعكس استمرار ملاحقة ملفات رواندا أمام القضاء الفرنسي بعد عقود.
فرنسا تحت المجهر
قرار استئناف التحقيق مع أغات هابياريمانا يفتح مجددًا ملفًا حساسًا في العلاقة بين فرنسا ورواندا، ففرنسا كانت حليفًا وثيقًا للنظام الرواندي السابق قبل الإبادة، وتعرض دورها لانتقادات سياسية وحقوقية واسعة، خصوصًا بسبب الدعم الذي قدمته لسلطات هابياريمانا، ثم بسبب الجدل حول ما إذا كانت تحركت بما يكفي لمنع الإبادة أو حماية الضحايا.
ويشير تقرير هيومن رايتس ووتش التاريخي “لا تتركوا أحدًا يروي القصة” إلى أبعاد واسعة من التخطيط والتحريض والتنفيذ، كما تناول علاقات النظام السابق وداعميه.
ومن هذا المنظور، لا تهم قضية هابياريمانا فقط لأنها تخص فردًا بعينه، بل لأنها قد تكشف، إذا مضى التحقيق بجدية، المزيد عن شبكات القرار والتحريض والتمويل قبل الإبادة، وعن سبب تأخر بعض مسارات العدالة في أوروبا.
ولذلك رحّبت منظمات مثل الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان بقرار محكمة الاستئناف، معتبرة أنه يفتح فرصة جديدة لاستكمال التحقيق في اتهامات التواطؤ في الإبادة وجرائم ضد الإنسانية.
الناجون والحق في العدالة
من زاوية إنسانية، لا يمثل فتح التحقيق مجرد إجراء قانوني، بل يحمل معنى عميقًا للناجين وأسر الضحايا.
فبعد 32 عامًا، لا تزال كثير من العائلات تبحث عن الحقيقة الكاملة: من خطط؟ من حرّض؟ من موّل؟ من أمر؟ ومن سهّل الإفلات من العقاب؟
الحق في الحقيقة جزء أساسي من العدالة بعد الجرائم الجماعية، فالإدانة الجنائية ليست الغاية الوحيدة، بل إن كشف الشبكات والمسؤوليات والوثائق وإعادة الاعتبار للضحايا يمثل شرطًا للتعافي المجتمعي ومنع الإنكار والتحريف.
وتكتسب قضية أغات هابياريمانا رمزية خاصة لأنها تتعلق بشخصية قريبة جدًا من مركز السلطة الرواندية السابقة، وبشبكة يُعتقد أنها كانت جزءًا من هندسة المناخ السياسي الذي سبق الإبادة.
وتظل الإبادة الجماعية للتوتسي في رواندا درسًا قاسيًا في فشل الوقاية الدولية؛ فقد سبقت المذبحة علامات واضحة: خطاب كراهية، تحريض إعلامي، تعبئة ميليشيات، قوائم استهداف، عنف سياسي، ونزع إنسانية الضحايا.. ومع ذلك، لم يتحرك المجتمع الدولي بالسرعة والقوة المطلوبتين.
ولهذا تؤكد الأمم المتحدة في موادها الخاصة بمنع الإبادة أن رواندا يجب أن تبقى تذكيرًا دائمًا بأن خطاب الكراهية والتحريض ونزع الإنسانية ليست مجرد كلمات، بل قد تكون مقدمات لجريمة جماعية إذا لم تُواجه مبكرًا.







