دخل برنامج تسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين في إسبانيا ساعاته الأخيرة وسط سباق محموم بين آلاف المهاجرين لاستكمال إجراءات التسجيل قبل انتهاء المهلة الرسمية، بينما كثفت المنظمات الحقوقية والإنسانية جهودها لمساعدة أكبر عدد ممكن من المتقدمين على الاستفادة من البرنامج الاستثنائي الذي يتيح الحصول على تصريح إقامة لمدة عام. وشهدت الأيام الأخيرة إقبالاً غير مسبوق على مكاتب الدعم والمنصات الإلكترونية، في ظل مخاوف من فقدان آلاف الأشخاص فرصة تقنين أوضاعهم القانونية بسبب نقص بعض المستندات أو العقبات الإدارية.
وذكرت وكالة رويترز أن المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال الهجرة وحقوق الإنسان وجهت دعوات عاجلة إلى المهاجرين غير النظاميين للإسراع في تقديم طلباتهم قبل انتهاء المهلة، حتى في حال عدم اكتمال جميع الوثائق المطلوبة، مؤكدة أن القانون يمنح المتقدمين فرصة لاستكمال المستندات لاحقاً، وهو ما قد يحافظ على حقهم في الاستفادة من البرنامج.
جهود مكثفة قبل انتهاء المهلة
شهدت الساعات الأخيرة قبل إغلاق باب التسجيل نشاطاً واسعاً داخل مكاتب المنظمات الحقوقية التي خصصت فرقاً قانونية وإدارية لمراجعة الملفات ومساعدة المهاجرين على استكمال الإجراءات الأساسية.
وركزت هذه الجهود على الأشخاص الذين واجهوا صعوبات في الحصول على وثائق رسمية من بلدانهم الأصلية، خاصة الدول التي تعاني اضطرابات سياسية أو أمنية.
ودعت منظمتا سي إي إي آر وسيبايم، اللتان تعملان في مجال الدفاع عن حقوق اللاجئين والمهاجرين، جميع الراغبين في تقنين أوضاعهم إلى تقديم الطلبات فوراً، حتى إذا كانوا لا يزالون ينتظرون وصول بعض الوثائق من دول مثل مالي وإيران وفنزويلا، مؤكدة أن تقديم الطلب خلال المهلة القانونية يمثل الخطوة الأهم للحفاظ على حق المتقدم في استكمال الملف لاحقاً.
ارتفاع غير مسبوق في عدد الطلبات
سجل البرنامج إقبالاً فاق توقعات الحكومة الإسبانية بصورة كبيرة، بعدما تلقت السلطات خلال الفترة الممتدة من أبريل الماضي وحتى نهاية يونيو الجاري نحو مليون طلب، بينما توقعت في البداية استقبال نحو 500 ألف طلب فقط.
وأكد سيزار بيريز، رئيس نقابة موظفي وكالات الهجرة في إسبانيا، أن عدد الطلبات المقدمة وصل حتى نهاية الأسبوع الماضي إلى نحو 1.27 مليون طلب، وهو رقم يعكس حجم الإقبال على البرنامج وحاجة أعداد كبيرة من المهاجرين إلى تسوية أوضاعهم القانونية بعد سنوات من العمل والإقامة خارج الأطر الرسمية.
ويرتبط هذا الإقبال الكبير برغبة المهاجرين في الحصول على إقامة قانونية تتيح لهم الوصول إلى فرص عمل مستقرة والاستفادة من الخدمات العامة، إضافة إلى التخلص من حالة عدم اليقين التي تفرضها الإقامة غير النظامية.
عقبات أمام استكمال الملفات
واجه كثير من المهاجرين تحديات معقدة خلال إعداد ملفاتهم، خاصة أولئك القادمين من دول تشهد نزاعات أو أزمات سياسية.
وأكد خبراء في شؤون الهجرة أن استخراج الوثائق الرسمية أو توثيقها لدى القنصليات الإسبانية استغرق وقتاً طويلاً بالنسبة لمهاجرين من إيران ومالي، كما واجه مواطنون من الجزائر ونيجيريا إجراءات إدارية معقدة حالت دون استكمال ملفاتهم بسهولة.
كما واجه المهاجرون القادمون من فنزويلا تأخيرات في استخراج شهادات الأبوستيل الخاصة بالسجلات الجنائية، وهي وثيقة أساسية ضمن متطلبات البرنامج. وزادت التعديلات الأخيرة في السياسة الإسبانية الخاصة بطالبي اللجوء من الضغوط على الفنزويليين، بعدما انتقل عدد منهم إلى هذا المسار خلال شهر يونيو، الأمر الذي منحهم فترة زمنية أقصر لتجهيز الوثائق المطلوبة.
مطالب بمرونة أكبر
قال خوان سيجورا، المدير العام لمنظمة سيبايم، إن المهاجرين يجب ألّا يؤجلوا تقديم الطلبات بسبب نقص بعض المستندات، لأن الجهات المختصة تمنحهم مهلة لاحقة لاستكمال الوثائق، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تمنح المتقدمين فرصة أفضل للحفاظ على حقهم في تسوية أوضاعهم.
وأوضح أن عدداً كبيراً من المهاجرين واجه ظروفاً خارجة عن إرادته حالت دون استخراج الوثائق في الوقت المناسب، معتبراً أن تمديد المهلة كان سيساعد آلاف الأشخاص على استكمال ملفاتهم بصورة سليمة، إلا أن وزارة الهجرة الإسبانية أكدت تمسكها بالجدول الزمني المعلن ورفضت تمديد فترة استقبال الطلبات.
من جانبها، قالت إلينا مونيوث، منسقة الفريق القانوني في منظمة “سي إي إي آر”، إن فرق العمل أجرت مراجعة نهائية لجميع الملفات التي وصلت إلى مكاتب المنظمة، وأكدت أن المنظمة حرصت على تقديم الطلبات قبل انتهاء المهلة حتى في الحالات التي لم تستكمل فيها بعض الوثائق، بهدف منح أصحابها فرصة استكمالها لاحقاً وفق الإجراءات القانونية.
مخاوف من استبعاد آلاف المتقدمين
أبدت المنظمات الحقوقية قلقها من احتمال رفض نسبة كبيرة من الطلبات نتيجة نقص الوثائق أو محدودية المرونة الإدارية في مراجعة الملفات.
وتشير التقديرات إلى أن ما لا يقل عن 20 بالمئة من إجمالي الطلبات قد يواجه خطر الرفض إذا لم تتمكن السلطات من التعامل بمرونة مع الحالات التي تعاني صعوبات في استكمال المستندات.
كما كشفت سيلفانا كابريرا، التي تدير إحدى المنظمات غير الحكومية في مدينة فالنسيا، عن تعرض منصات التسجيل الإلكترونية لمشكلات تقنية خلال الساعات الأخيرة، الأمر الذي أثار مخاوف من عدم تمكن عدد من المهاجرين من إرسال طلباتهم قبل انتهاء المهلة، رغم استيفائهم الشروط الأساسية للاستفادة من البرنامج.
وتطالب المنظمات الحقوقية الحكومة الإسبانية بوضع آلية أكثر استدامة لتنظيم أوضاع المهاجرين، بدلاً من الاعتماد على برامج استثنائية محدودة المدة، وترى أن بقاء المهاجرين لعامين في وضع غير نظامي قبل السماح لهم بالحصول على الإقامة يفرض عليهم تحديات قانونية واجتماعية واقتصادية كبيرة، ويزيد من مخاطر استغلالهم في سوق العمل غير الرسمية.
تعتمد إسبانيا منذ سنوات مجموعة من البرامج والإجراءات التي تهدف إلى تسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين وفق ضوابط قانونية محددة، في إطار سياسة تسعى إلى دمج المقيمين داخل المجتمع وتقليص حجم الاقتصاد غير الرسمي.
وتشير التقديرات إلى وجود نحو 840 ألف شخص يعملون بصورة غير رسمية داخل البلاد، بينما يستغرق الحصول على إقامة قانونية في الظروف العادية أكثر من عام، وهو ما يدفع كثيراً من المهاجرين إلى انتظار برامج استثنائية تمنحهم فرصة تقنين أوضاعهم.
وتؤكد المنظمات الحقوقية أن نجاح هذه البرامج لا يقتصر على استقبال الطلبات، بل يعتمد أيضاً على سرعة البت فيها، وتوفير مرونة إدارية تراعي الظروف الاستثنائية التي يواجهها القادمون من الدول المتضررة بالنزاعات والأزمات السياسية.
