في الوقت الذي تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية حول العالم، يواجه العاملون في مجال الإغاثة خطراً متصاعداً يجعل تقديم المساعدة نفسها مهمة محفوفة بالمخاطر. فالأشخاص الذين يدخلون مناطق النزاع لتقديم الغذاء والدواء والرعاية والحماية أصبحوا هدفاً مباشراً للهجمات والاختطاف والقتل.
ويأتي اليوم العالمي للعمل الإنساني -19 أغسطس من كل عام- هذا العام وسط ارتفاع غير مسبوق في الاعتداءات على العاملين الإنسانيين، ما يثير أسئلة حول احترام قواعد القانون الدولي الإنساني وقدرة المجتمع الدولي على حماية من يعملون في الخطوط الأمامية للأزمات.
وفق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا”، قُتل 82 من العاملين في المجال الإنساني منذ بداية عام 2026، في حين تعرض 39 للاختطاف وأصيب 97 آخرون.
العنف ضد العاملين الإنسانيين
كشف تقرير جديد لـ”أوتشا” بمناسبة اليوم العالمي للعمل الإنساني أن عام 2025 سجل مستوى قياسياً من العنف ضد العاملين الإنسانيين، حيث قُتل أو أُصيب أو اختُطف 907 من العاملين في المجال الإنساني خلال عام واحد.
ولا تعكس هذه الأرقام مجرد خسائر بشرية، بل تكشف حجم المخاطر التي تواجه منظومة الإغاثة العالمية، في وقت يعتمد فيه ملايين الأشخاص على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.
تتصدر مناطق النزاع الكبرى قائمة المناطق الأكثر خطراً على العاملين الإنسانيين؛ إذ أشار تقرير الأمم المتحدة إلى أن قطاع غزة ظل خلال عام 2025 “البيئة الأكثر فتكاً” للعاملين في المجال الإنساني، مع مقتل 186 عاملاً.
أما الحرب في أوكرانيا فقد أدت إلى اضطراب واسع في سلاسل إمدادات الغذاء والطاقة، ما زاد الضغط على المنظمات الإنسانية التي تعمل في بيئة أمنية معقدة.
استهداف عمال الإغاثة انتهاك للقانون
يحمي القانون الدولي الإنساني العاملين في المجال الإنساني باعتبارهم من الأشخاص الذين يقدمون خدمات لمصلحة المدنيين أثناء النزاعات المسلحة.
ولا يجوز استهدافهم بصورة مباشرة، كما تحظر قواعد القانون الدولي الهجمات التي تطول المدنيين أو المنشآت المدنية، ومنها المستشفيات والمرافق المخصصة لتقديم المساعدة.
ويؤكد الاتحاد الأوروبي أن استهداف العاملين الإنسانيين أو المستشفيات أو الأهداف المدنية لا يمكن اعتباره حوادث عرضية، بل يمثل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني.
ويحذر الاتحاد الأوروبي من أن غياب المحاسبة على هذه الانتهاكات يؤدي إلى تكرارها وزيادة حجم المعاناة الإنسانية.
المساعدات تحت تهديد العنف
لا تقتصر آثار استهداف العاملين الإنسانيين على الضحايا أنفسهم، بل تمتد إلى ملايين الأشخاص الذين يعتمدون على خدماتهم.
فعندما تتعرض فرق الإغاثة للهجوم، قد تضطر المنظمات إلى تعليق عملياتها أو تقليص وجودها في المناطق الأكثر احتياجاً، ما يترك المدنيين أمام نقص في الغذاء والمياه والرعاية الصحية والحماية.
وتزداد خطورة ذلك في النزاعات طويلة الأمد، حيث تصبح المنظمات الإنسانية جزءاً أساسياً من قدرة المجتمعات على الصمود أمام آثار الحرب والكوارث.
حماية من يحمون الآخرين
يرى المجتمع الدولي أن حماية العاملين في المجال الإنساني ليست مسألة تضامن فقط، بل التزام قانوني يقع على أطراف النزاعات والدول كافة.
وتتطلب هذه الحماية ضمان وصول المساعدات الإنسانية بأمان، ومحاسبة المسؤولين عن الهجمات، واحترام القواعد التي تميز بين الأهداف العسكرية والمدنيين.
وفي ظل استمرار النزاعات في مناطق عدة من العالم، يبقى العاملون الإنسانيون أمام معادلة صعبة.. الوصول إلى من يحتاجون المساعدة في أكثر الأماكن خطورة، مع احتمال أن يصبحوا هم أنفسهم ضحايا الحرب التي يحاولون تخفيف آثارها.
