بدأ الاتحاد الأوروبي مرحلة جديدة في تنظيم الذكاء الاصطناعي مع دخول قواعد إلزامية حيز التنفيذ تلزم الشركات والمنصات الرقمية بالكشف عن المحتويات التي أُنشئت أو عُدلت باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، في محاولة لمواجهة الانتشار المتزايد للصور والأصوات ومقاطع الفيديو والنصوص المزيفة التي باتت تهدد قدرة المستخدمين على التمييز بين الحقيقة والتلاعب الرقمي.
وأكدت المفوضية الأوروبية أن تطبيق قواعد الشفافية الجديدة يأتي ضمن قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي الذي أقره الاتحاد عام 2024، باعتباره أول إطار قانوني شامل في العالم لتنظيم استخدام هذه التكنولوجيا، موضحة أن الهدف الأساسي يتمثل في حماية ثقة المواطنين بما يشاهدونه أو يسمعونه أو يقرأونه عبر المنصات الرقمية، في ظل تطور أدوات إنتاج المحتوى الاصطناعي بسرعة غير مسبوقة.
وقالت المفوضية الأوروبية إن التحدي الرئيسي لا يتعلق بمنع استخدام الذكاء الاصطناعي، وإنما بضمان معرفة المستخدمين عندما يتعاملون مع محتوى أنشأته أنظمة ذكية وليس بشرا، خاصة في المجالات الحساسة مثل الأخبار والسياسة والإعلانات والاتصالات العامة.
قواعد جديدة لهوية المحتوى الرقمي
أوضحت المفوضية الأوروبية أن القواعد الجديدة تلزم مزودي أنظمة الذكاء الاصطناعي بإضافة علامات تعريفية ووسوم مائية رقمية تساعد على اكتشاف المحتوى المنشأ بواسطة الذكاء الاصطناعي، وتشمل هذه المتطلبات الصور والفيديوهات والتسجيلات الصوتية والنصوص التي يمكن أن تبدو حقيقية رغم أنها خضعت للإنشاء أو التعديل بواسطة الخوارزميات.
وأضافت المفوضية الأوروبية أن أكثر الحالات التي تستهدفها القواعد الجديدة هي تقنيات “التزييف العميق”، التي تسمح بإنتاج مقاطع صوتية أو مرئية تبدو واقعية لأشخاص لم يقولوا أو يفعلوا ما يظهر في المحتوى، وهو ما أثار مخاوف واسعة من استخدامها في التضليل السياسي والاحتيال الإلكتروني وتشويه السمعة.
وبموجب الإجراءات الجديدة، يتعين على الأشخاص والمؤسسات الذين ينشرون محتوى مولدا بالذكاء الاصطناعي ضمن نشاطهم المهني توضيح ذلك للمستخدمين، كما يجب تصنيف النصوص المنتجة بالذكاء الاصطناعي التي تقدم معلومات حول قضايا عامة إذا لم تخضع لمراجعة بشرية تحريرية.
أزمة التضليل الرقمي
أشار تقرير صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي عام 2024 إلى أن المعلومات المضللة والمحتوى المصطنع بالذكاء الاصطناعي أصبحا من أكبر المخاطر العالمية على المدى القصير، خاصة مع اقتراب العديد من الاستحقاقات الانتخابية حول العالم.
وأوضح الاتحاد الأوروبي في تقاريره الخاصة بالتحول الرقمي أن أكثر من 450 مليون مواطن يعيشون داخل دول الاتحاد الأوروبي سيكونون مشمولين بالقواعد الجديدة، ما يجعلها واحدة من أوسع التجارب التنظيمية العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي.
وأكدت وكالة الاتحاد الأوروبي للأمن السيبراني أن تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي رفع مخاطر استخدام المحتوى المزيف في عمليات الاحتيال والهجمات الرقمية، مشيرة إلى أن التمييز بين المحتوى الحقيقي والمصطنع أصبح أكثر صعوبة مع تحسن جودة النماذج الحديثة.
تحديات تقنية
أثارت القواعد الأوروبية الجديدة نقاشاً واسعاً بين شركات التكنولوجيا وخبراء الحوكمة الرقمية حول كيفية تطبيقها عمليا، خاصة مع ضخامة حجم المحتوى الذي ينتج يوميا عبر الإنترنت.
وقالت آشلي كاسوفان، المسؤولة في مركز متخصص بحوكمة الذكاء الاصطناعي لدى جمعية لمحترفي معالجة البيانات، في تصريحات نقلتها وكالة الصحافة الفرنسية، إن تنفيذ متطلبات الامتثال الجديدة يمثل تحديا تقنيا، لكنها أشارت إلى أن التجارب السابقة في تنظيم الإنترنت أظهرت إمكانية التكيف مع القواعد الجديدة بمرور الوقت.
وأضافت كاسوفان أن الشركات واجهت تحديات مشابهة عند تطبيق، نظام ملفات تعريف الارتباط “كوكيز”، قبل أن تصبح تلك الإجراءات جزءا معتادا من تجربة المستخدم على الإنترنت.
المنصات الكبرى تتحرك قبل الموعد
بادرت شركات التكنولوجيا الكبرى إلى تطبيق أدوات تعريف المحتوى الاصطناعي قبل الإلزام القانوني الأوروبي، في محاولة للتكيف مع البيئة التنظيمية الجديدة.
وأكدت منصة تيك توك أنها أطلقت أدوات لمساعدة منشئي المحتوى على الإشارة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي، وأعلنت أن أكثر من 3 مليارات محتوى حصل على علامات توضح استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وفق بيانات الشركة.
وأوضحت شركة ميتا أنها أضافت علامة “AI Info” إلى المحتويات المنشورة على منصتي فيسبوك وإنستغرام عندما تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاجها أو تعديلها، ضمن سياسة تهدف إلى زيادة الشفافية أمام المستخدمين.
وقالت شركة غوغل إنها انضمت إلى مدونة السلوك الأوروبية الخاصة بشفافية الذكاء الاصطناعي، بالتعاون مع شركات تقنية أخرى من بينها أوبن إيه آي وأبل وإنفيديا، لتطوير تقنيات تساعد في وضع علامات رقمية على المحتوى المنتج بالذكاء الاصطناعي.
تحذيرات حقوقية
أكدت الأمم المتحدة أن الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي التوليدي يفرض تحديات غير مسبوقة على حماية حقوق الإنسان، خاصة مع قدرة هذه التقنيات على إنتاج محتويات مضللة يصعب تمييزها عن الواقع، وهو ما قد يؤثر على الحق في الحصول على معلومات موثوقة وحرية تكوين الرأي والمشاركة العامة.
وأوضحت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن أنظمة الذكاء الاصطناعي يجب أن تُطور وتُستخدم وفق نهج قائم على حقوق الإنسان، مشيرة إلى أن الشفافية والمساءلة يمثلان عنصرين أساسيين لمنع إساءة استخدام التكنولوجيا في نشر خطاب الكراهية أو التحريض أو التمييز أو التلاعب بالمعلومات.
وقالت المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة إن المحتوى المصطنع بالذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤدي إلى أضرار واسعة عندما يستخدم لانتحال هوية أشخاص أو نشر معلومات كاذبة أو التأثير على العمليات الديمقراطية، مؤكدة ضرورة وجود ضمانات قانونية وتقنية تكشف للمستخدمين طبيعة المحتوى الذي يتعاملون معه.
الانتخابات في مواجهة التزييف العميق
ركز الاتحاد الأوروبي على حماية المجال الديمقراطي باعتباره أحد الأسباب الرئيسية وراء فرض قواعد الشفافية، بعدما أثارت تقنيات التزييف العميق مخاوف من استخدامها في التأثير على الناخبين وتشويه صورة المرشحين ونشر أخبار مختلقة خلال الحملات الانتخابية.
وأكدت المفوضية الأوروبية أن قانون الخدمات الرقمية الأوروبي وقانون الذكاء الاصطناعي يشكلان جزءا من استراتيجية أوسع لمواجهة التضليل الرقمي، خاصة بعد ارتفاع الاعتماد على المنصات الاجتماعية كمصدر رئيسي للأخبار لدى ملايين المواطنين الأوروبيين.
وأظهر تقرير صادر عن المفوضية الأوروبية حول سلوك المستخدمين الرقمي أن نسبة كبيرة من الأوروبيين تعتمد على المنصات الإلكترونية للحصول على المعلومات اليومية، ما يجعل حماية البيئة الرقمية من المحتوى المزيف قضية مرتبطة مباشرة بحقوق المواطنين في المعرفة واتخاذ القرارات على أساس معلومات صحيحة.
القانون الأوروبي يضع مسؤوليات على الشركات
اعتمد الاتحاد الأوروبي قانون الذكاء الاصطناعي في عام 2024 بعد مفاوضات استمرت عدة سنوات بين المؤسسات الأوروبية والدول الأعضاء، ليصبح أول تشريع شامل في العالم يصنف أنظمة الذكاء الاصطناعي وفقا لمستويات الخطورة.
وأوضح البرلمان الأوروبي أن القانون يقسم تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى أربع فئات رئيسية تبدأ من الأنظمة منخفضة المخاطر وصولا إلى الأنظمة المحظورة التي تهدد الحقوق الأساسية، مع فرض التزامات أكبر على الأنظمة ذات التأثير العالي.
وأشار البرلمان الأوروبي إلى أن قواعد الشفافية الجديدة تلزم الشركات بإبلاغ المستخدمين عندما يتعاملون مع روبوتات محادثة أو محتوى منشأ بواسطة الذكاء الاصطناعي، كما تفرض متطلبات إضافية على الأنظمة التي تنتج صورا أو أصواتا أو فيديوهات اصطناعية.
العقوبات لمواجهة المخالفات
أقر الاتحاد الأوروبي عقوبات مالية على الشركات التي لا تلتزم بمتطلبات قانون الذكاء الاصطناعي، حيث يمكن أن تصل الغرامات إلى نسب كبيرة من حجم الأعمال السنوي للشركات المخالفة، بحسب طبيعة المخالفة وخطورتها.
وأكدت المفوضية الأوروبية أن الهدف من العقوبات ليس عرقلة الابتكار، وإنما ضمان التزام الشركات بالمعايير التي تحمي المستخدمين، خاصة في ظل توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام والتعليم والخدمات العامة والقطاع المالي.
وأضافت المفوضية الأوروبية أن بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية سيُمنح فترة انتقالية للتكيف مع المتطلبات الجديدة حتى يناير 2027، بهدف منح الشركات الوقت اللازم لتطوير أدوات الكشف ووضع العلامات الرقمية المطلوبة.
تحديات التطبيق على أرض الواقع
رغم الاتفاق الواسع على أهمية الشفافية، تواجه القواعد الأوروبية الجديدة تحديات تقنية تتعلق بقدرة أدوات الكشف على مواكبة التطور السريع لنماذج الذكاء الاصطناعي.
وأوضحت شركة غوغل أن وضع علامات على جميع أنواع المحتوى الاصطناعي يمثل مهمة معقدة بسبب اختلاف طرق إنتاج المحتوى وتنوع الأدوات المستخدمة، محذّرة من أن كثرة العلامات والتنبيهات قد تؤدي إلى ارتباك المستخدمين بدلا من مساعدتهم على فهم طبيعة المحتوى.
وقالت غوغل إن الحل يكمن في تطوير معايير تقنية موحدة عالميا، بحيث تستطيع المنصات والمستخدمون التعرف بسهولة على المحتوى المنتج أو المعدل بواسطة الذكاء الاصطناعي.
مخاطر اجتماعية وإنسانية متزايدة
لم تعد قضية المحتوى الاصطناعي مرتبطة فقط بالتكنولوجيا، بل أصبحت مرتبطة بحقوق الإنسان والثقة العامة في المجتمعات الرقمية. وحذرت منظمات حقوقية من أن الفئات الأكثر عرضة للضرر قد تشمل النساء والأقليات والشخصيات العامة، بسبب إمكانية استخدام الصور أو الأصوات المزيفة في حملات التشهير والابتزاز.
وأكدت منظمة العفو الدولية ومنظمات حقوق رقمية دولية أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساهم في تعزيز حقوق الإنسان إذا استخدم بصورة مسؤولة، لكنه قد يتحول إلى أداة للانتهاك عندما يستخدم دون رقابة أو شفافية.
ودعت هذه المنظمات الحكومات وشركات التكنولوجيا إلى ضمان وجود آليات واضحة للاعتراض والمساءلة، وتمكين الأفراد من معرفة مصدر المحتوى الرقمي الذي يؤثر على حياتهم وقراراتهم.
تجدر الإشارة إلى أن الاتحاد الأوروبي بدأ منذ سنوات في بناء منظومة قانونية لتنظيم الاقتصاد الرقمي، بعدما فرض عام 2018 اللائحة العامة لحماية البيانات التي أصبحت من أهم قوانين الخصوصية في العالم. ومع الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي التوليدي منذ إطلاق أدوات مثل روبوتات المحادثة والنماذج القادرة على إنتاج الصور والفيديوهات، انتقلت الأولوية الأوروبية من حماية البيانات الشخصية إلى حماية الثقة العامة في المحتوى الرقمي.
ويعد قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي خطوة غير مسبوقة لتحديد مسؤوليات الشركات والمطورين والمستخدمين، إذ يحاول تحقيق توازن بين تشجيع الابتكار التكنولوجي ومنع تحول الذكاء الاصطناعي إلى وسيلة لنشر التضليل أو تقويض الحقوق الأساسية.
وبينما تستعد دول العالم لمناقشة نماذجها الخاصة لتنظيم الذكاء الاصطناعي، ينظر الاتحاد الأوروبي إلى قواعد الشفافية الجديدة باعتبارها اختبارا عمليا لقدرة القوانين على مواكبة ثورة تقنية تعيد تشكيل طريقة إنتاج المعلومات واستهلاكها، وتضع المجتمع أمام سؤال جوهري حول كيفية الحفاظ على الثقة في عصر يمكن فيه للآلة أن تصنع محتوى يبدو حقيقياً بالكامل.

