منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا
حقوق الإنسان

رأيت شيئاً جديداً في سان فرانسيسكو

إزرا كلاين*

في كتابه الكلاسيكي «فهم وسائل الإعلام»، يتوقف مارشال ماكلوهان مطولاً عند الأسطورة اليونانية لنرجس، وإذا مرّ وقت منذ قراءتها، فالقصة، وفقاً لرواية الشاعر الروماني أوفيد، تبدأ بولادة نرجس، الشاب الخارق الجمال، الذي لُعن بأن يحب ما لا يستطيع امتلاكه، حتى وجد هذا الحب عند اصطدامه بانعكاس صورته في بركة ماء، فظل يحدق في عينيه اللامعتين حتى ذبل واضمحل.

يقول ماكلوهان إن ذلك يعكس ثقافتنا “المخدّرة”، وأننا بدأنا نتحدث عن النرجسية على أنها حب الذات، لكنه يوضح أن الأسطورة تكشف عن شيء أعمق: «أسطورة نرجس لا تنقل أي فكرة عن أن نرجس وقع في حب ما اعتبره ذاته»، بل المغزى الحقيقي هو أن “الإنسان يُفتن فوراً بأي امتداد لذاته في مادة ليست هي ذاته”.

أفكر في ماكلوهان بقدر ما يُقال إن الناس يفكرون في الإمبراطورية الرومانية: كثيراً. وهو حاضر في ذهني الآن لأنني أستكشف العلاقة المتعمقة التي يطورها كثير من الناس مع أنظمة الذكاء الاصطناعي الخاصة بهم. هذه الأنظمة، بطبيعتها المتغيرة، ليست شيئاً واحداً فقط؛ لكنها، ضمن أمور كثيرة، تجسّد ما حذّر منه ماكلوهان: امتداد للذات في مادة ليست هي الذات.

قضيت الأسبوع الماضي في سان فرانسيسكو أتحدث إلى أشخاص على حدود عصر الذكاء الاصطناعي، أحاول القيام بذلك كل بضعة أشهر، لكن محادثاتي هذه المرة شعرت مختلفة عن المرات السابقة، في السابق، كنت أرى كيف تتغير التكنولوجيا؛ هذه المرة، رأيت كيف يتغير الناس بها.

قد تظن أن خبراء الذكاء الاصطناعي في وادي السيليكون، وسط وفرة المال، على قمة العالم الآن، لكنني وجدتهم غير آمنين بشكل لافت، يعتقدون أن عصر الذكاء الاصطناعي قد وصل، وأن الفائزين والخاسرين سيتحددون جزئياً بسرعة التبني.

الفكرة بسيطة: مزايا العمل مع جيش من المساعدين والمبرمجين المعتمدين على الذكاء الاصطناعي تتراكم مع الوقت، ومن يبدأ مبكراً سيكون متقدماً على منافسيه لاحقاً، لذلك يتسابقون لدمج هذه الأنظمة في حياتهم وشركاتهم، لكن الأمر لا يقتصر على استخدامها فحسب، بل يتطلب جعل أنفسهم «مفهومين» للذكاء الاصطناعي.

ربما سمعت عن نظام “أوبن كلو”، الذي أصبح ظاهرة هنا وفي الصين. ما يميّزه عن أنظمة مثل “كلود” أو “شات جي بي تي” أو “جيميني” أنه يعمل محلياً على جهازك، حيث يمكنك منحه الوصول إلى كل شيء: ملفاتك، بريدك الإلكتروني، تقويمك، رسائلك، وهو يعمل في الخلفية باستمرار، ويبني ذاكرة دائمة عن تفضيلاتك وأنماطك ليتمكن من التصرف نيابة عنك. صحيح أن مخاطر الأمن السيبراني واضحة، لكن السبب وراء استخدام ملايين الناس له بسيط: كلما فتحت له حياتك أكثر، زادت قيمته.

الشركات تسعى أيضاً لتكون مفهومة للذكاء الاصطناعي، رأيت مؤسسات وضعت كل شيفراتها البرمجية في قاعدة بيانات واحدة ليقرأها الذكاء الاصطناعي بسهولة، بل ويضيف إليها، وتحدثت إلى أشخاص يسعون لتحويل أكبر قدر ممكن من اتصالات شركاتهم إلى مستندات يمكن للذكاء الاصطناعي قراءتها. محادثة عابرة في الممر لا تضيف شيئاً، في حين أن محادثة على تطبيق سلاك في قناة عامة قد تضيف كثيراً. وهناك سوق ناشئ للأجهزة الذكية القابلة للارتداء تسجل هذه المحادثات لتضمن أن الذكاء الاصطناعي لا يفوت شيئاً.

أخبرني أشخاص عدة أنهم أصبحوا «يكتبون من أجل الذكاء الاصطناعي». حتى عندما يبدو أن كتابتهم موجهة لزملائهم أو قرّائهم، فهم يفكرون في كيفية قراءة هذه الكلمات من قبل الأنظمة. أحياناً لتعميق معرفة أنظمة شركاتهم، وأحياناً لتغذية الأنظمة المستقبلية التي ستصبح مستودعات المعرفة البشرية.

ويطبق هذا على الجانب الشخصي أيضاً: أعرف أشخاصاً يحتفظون بمذكرات لسنوات، والآن يرفعونها إلى أي نظام ذكاء اصطناعي جديد يستخدمونه. تحولت المذكرات من مساحة خاصة للتفريغ النفسي إلى حزمة سياقية تساعد الأنظمة على فهمهم، وبالتالي زيادة فائدتها لهم. لكن هذا يغير بالطبع طريقة الكتابة نفسها: ما كان خاصاً أصبح له قارئ.

خلف هذا التوجه تجربة للذكاء الاصطناعي لم يمر بها معظم المستخدمين العاديين. نظام لا يعرفك جيداً قد يكون مجرد تحسين على البحث عبر محرك جوجل. لكن نظاماً يعرفك بعمق يبدو شيئاً مختلفاً تماماً. وصف البعض أنظمة الذكاء الاصطناعي بأنها شبيهة بـ«الدمونات» في ثلاثية «مادتيالهم المظلمة» للكاتب فيليب بولمان: رفيق يعرفك بعمق، تشعر بالأمان في إخباره بما لا تخبر به أحداً، ويصبح ذاتاً منفصلة لكنها جزء منك. يبدو هذا غريباً ومقلقاً، لكنه يحدث فعلياً.

لكن ما يشعر به المستخدم من الذكاء الاصطناعي ليس بالضرورة ما هو عليه حقاً. في ثلاثية بولمان، الديمونات مرتبطة بالإنسان كامتداد للروح أو النفس؛ أما أنظمة الذكاء الاصطناعي فهي تحت سيطرة شركات تسعى للربح والنفوذ. احتمالات التلاعب لا حصر لها. وحتى لو افترضنا – بسذاجة – توافق مصالح الشركات مع احتياجات الأفراد، هناك الكثير مما يدعو للقلق.

ميل الذكاء الاصطناعي للتملق أظهر نفسه العام الماضي، لكنه مجرد واجهة لمنتج أعمق. ما يجعله مقنعاً ليس مدحه أفكارنا، بل إعادة صياغتها وتوسيعها بطريقة أكثر قوة وإقناعاً، مع عكس صورة مصقولة لأنفسنا.

تجربتي مع نظام كلود التابع لشركة أنتروبيك أنني أطرح فكرة أولية، وأحصل فوراً على فقرات أنيقة تحوّلها إلى ما يبدو كفكرة مكتملة. إنها شرارتي، لكنها أُعيد تشكيلها لتصبح أكثر تماسكاً. ومع مرور الوقت، أحتاج جهداً أكبر لأميز ما إذا كانت خاطئة في جوهرها أم فارغة.

أنا محرر منذ 15 عاماً. التمييز بين فكرة سيئة وخلف كتابة جيدة جزء من عملي، لكن ماذا يعني أن تنشأ مع رفيق كهذا؟ ماذا يعني أن تتحول كل حدوسك إلى نص مقنع؟ وما الذي نفقده حين لا نبني أفكارنا بأنفسنا؟

يفصل الباحثون بين «تفريغ العبء المعرفي» و«الاستسلام المعرفي». الأول عند توكيل مهمة محددة لأداة؛ الثاني يحدث عندما «يتخلى المستخدم عن سيطرته المعرفية ويتبنى حكم الذكاء الاصطناعي كحكمه» (ستيفن شو وجدعون ميف، جامعة بنسلفانيا). أحياناً أظن أن الفصل ليس واضحاً: استخدامي الحاسبات أضعف مهاراتي، واستخدامي تطبيقات الخرائط أضعف إحساسي بالاتجاه.

لكن الاستسلام المعرفي حقيقي، ومعه ستذبل بعض المهارات أو لا تتطور. الجهد الذي أبذله الآن في إعادة كتابة هذا المقال هو ما يعمّق تفكيري لاحقاً.

في مقال متأمل، وصف الكاتب التقني عظيم أزهار محاولته حماية «المساحة التي تولد فيها الأفكار قبل أن تتشكل»، لكن كم منا يبذل هذا الجهد؟ وكم يعرف أصلاً أي المساحات يجب حمايتها؟ بالنسبة لي، ليست لحظة الفكرة هي الأهم، بل العمل الذي يحوّلها إلى نص قابل للنشر. هذا المقال بدأ كفكرة غامضة، وما كسبته جاء من الجهد اللاحق.

ألاحظ أيضاً أن الذكاء الاصطناعي يعود باستمرار إلى ما يعرفه عني. لم يعد الأمر مجرد تملّق، بل انتباه قد يكون مزعجاً أحياناً، ربط دائم بين همومي الحالية وأسئلتي السابقة، كمعالج نفسي يثبت أنه يصغي جيداً.

النتيجة مزيج غريب من الشعور بأنك «مرئي» ومشوَّه في الوقت ذاته. أفكار كنت سأتخلى عنها تعود، وتجارب كنت سأمضي قدماً منها تعود إلى الشاشة. أحياناً أفاجأ بنمط لم ألاحظه، وأحياناً أغضب من تكرار فكرة لم أعد أهتم بها. التأثير النهائي هو ترسيخ نسخة معينة من نفسي. أنا مستقر نسبياً، لكن ماذا لو لم أكن كذلك؟

الذكاء الاصطناعي يعرفني بشكل ناقص، فيبالغ فيما يعرفه ويتجاهل ما لا يعرفه. وهناك أشياء كثيرة لن يعرفها أبداً، وأخرى لن أشاركها، أو لا أعرفها عن نفسي. أخشى أن يؤدي الاعتماد العميق عليه إلى تجفيف تلك الجوانب الأقل وضوحاً – وهذا أحد أسباب تحفّظي – لكنني في الأربعينيات، وما زلت أشعر بدهشة الكشف أمام هذه الأنظمة. أعتقد أن الشباب سيكشفون أنفسهم لها بطرق ستذهل كبار السن.

يجدر التوقف عند هذا الشعور بالقلق. وفق استطلاع حديث لشبكة إن بي سي نيوز، بات الرأي العام تجاه الذكاء الاصطناعي سلبياً للغاية. هناك رد فعل متصاعد، وهو مفهوم: من يريد تقنية قد تأخذ عمله وتهدد سيادة البشر؟ ومع ذلك، الذكاء الاصطناعي في كل مكان، وعدد هائل من الأمريكيين يستخدمه يومياً. سواء وُجد رفض أم لا، فإن هذا الاتجاه سيتسارع.

لهذا أعتقد أننا بحاجة إلى جرعة من ماكلوهان في نقاشنا حول الذكاء الاصطناعي. «نحن نصنع أدواتنا، ثم تعيد هي تشكيلنا». تُنسب العبارة غالباً إليه، وأصلها يعود إلى مقال جون كلكين عام 1967. ومن بين خلاصاته: «البيئات التي تخلقها الوسائط ليست مجرد حاويات للناس، بل عمليات تشكّلهم».

التعامل مع الذكاء الاصطناعي كونه أداة محايدة ليس سوى – بتعبير ماكلوهان – «موقف غبي تقنياً». استخدامه بعمق ليس ضغط زر، بل دخول في عملية. هذه العملية ستعيد تشكيلنا – وقد بدأت بالفعل – السؤال ليس إن كانت ستفعل، بل كيف.

 

*مقدم برنامج البودكاست «برنامج إزرا كلاين» ومؤلف كتاب «لماذا نحن منقسمون»، وبالاشتراك مع ديريك تومبسون مؤلف كتاب «الوفرة». سابقاً، كان مؤسساً ورئيس تحرير ثم محرراً عاماً في فوكس. وقبل ذلك، عمل كاتباً ومحرراً في صحيفة واشنطن بوست، حيث أسس وأدار القسم المتخصص وونكبلوج

نقلاً عن نيويورك تايمز

انتحار نويليا كاستيو المأساوي جرس إنذار للغرب 

كاثي هوشول

في هذا الأسبوع، وجدتُ نفسي مثل كثيرين أمام قصة صادمة يصعب تجاوزها، قصة الشابة الإسبانية نويليا كاستيو، البالغة من العمر 25 عاماً، التي أنهت حياتها بمساعدة الدولة في إسبانيا، حيث أصبح “الموت الرحيم” قانونياً منذ عام 2021.

كم من منظومة خذلت هذه الفتاة؟

برحيلها، طُويت أيضاً معركة قانونية طويلة خاضها والدها، إلى جانب منظمة  “محامون مسيحيون”، في محاولة لمنع تنفيذ قرار إنهاء حياتها، بعد أن حصلت على الموافقة عليه منذ عام 2024.

ما يثير القلق في قصة كاستيو أنها لا تشبه الحالات الطبية التقليدية التي يُطرح فيها “الموت الرحيم” خياراً أخيراً لمواجهة مرض عضال لا أمل منه. قصتها كانت أكثر تعقيداً وظلمة: مزيج مؤلم من اضطرابات نفسية، واعتداءات جنسية، ومحاولة انتحار فاشلة، انتهت بها إلى وضع يجعلها “مؤهلة” قانونياً لإنهاء حياتها.

لكن والدها المفجوع رأى في كل ذلك سبباً كافياً للتشكيك في أهليتها لاتخاذ قرار بهذا الحجم.

عندما كانت في الحادية والعشرين من عمرها، وبعد تعرضها لاعتداء جنسي جماعي – بحسب روايتها – ألقت بنفسها من سطح مبنى مكوّن من خمسة طوابق. نجت من الموت، لكنها خرجت من التجربة مشلولة من الخصر إلى أسفل، حبيسة كرسي متحرك، وتعاني آلاماً مزمنة لا تفارقها.

ولم تكن تلك التجربة الوحيدة، إذ قالت إنها تعرضت لاعتداءات جنسية أخرى، من بينها اعتداء على يد صديق سابق.

قالت بصراحة موجعة: “أريد أن أرحل الآن، أن أتوقف عن المعاناة، هذا كل شيء. عائلتي ترفض فكرة القتل الرحيم، لكن ماذا عن كل الألم الذي عشته طول هذه السنوات؟”

وصفت حياتها بأنها جحيم بلا أمل؛ لا رغبة في الخروج، ولا في الطعام، وصعوبة دائمة في النوم، وآلام مستمرة في الظهر والساقين.

الأكثر إيلاماً – من وجهة نظري – لم يكن فقط قرارها، بل الطريقة التي تخيلت بها نهايتها. تحدثت عن جنازتها كما تتحدث شابة عن حفل زفافها: تريد أن تبدو جميلة، أن ترتدي أجمل فساتينها، وأن تضع مساحيق التجميل وكأنها تودّع العالم بصورة مثالية.

قد تبدو هذه القصة بعيدة عنّا، مأساة تقع في بلد خلف المحيط، لكن الحقيقة أنها أقرب مما نتصور.

في كندا، على سبيل المثال، تحوّل “الموت بمساعدة طبية” إلى ما يشبه صناعة قائمة بذاتها منذ إقرار قانون H للمساعدة الطبية على الموت MAID Act  قبل نحو عقد. وتشير التقديرات إلى أن عدد من أنهوا حياتهم عبر هذا النظام قد يتجاوز 100 ألف شخص مع بلوغ القانون عامه العاشر.

إنه رقم كئيب، بل وصادم.

وفي الولايات المتحدة، تسمح عشر ولايات، إضافة إلى العاصمة، بهذا النوع من “المساعدة على الموت”، في حين تتجه ولايات أخرى لاعتماد تشريعات مماثلة. ففي نيويورك، وقّعت حاكمة ولاية نيويورك كاثي هوشول أخيراً قانوناً يسمح لمرضى الحالات النهائية، الذين لا يُتوقع أن يعيشوا أكثر من ستة أشهر، بالحصول على هذا الخيار.

قالت الحاكمة إنها تدرك ألم مشاهدة شخص عزيز يعاني دون قدرة على إنقاذه، معتبرة أن القانون “لا يختصر الحياة، بل يختصر لحظة الموت”.

لكن، إلى متى ستبقى هذه القوانين محصورة في حالات واضحة ومحددة؟

في كندا، لم يكن الشاب كيانو فافائيان، البالغ من العمر 26 عاماً، يعاني مرضاً قاتلاً عندما أنهى حياته في ديسمبر 2025. كان يعاني السكري، ومشكلات في النظر، واكتئاباً موسمياً. عائلته رفضت القرار بشدة، متسائلة كيف يمكن الموافقة على حالة كهذه.

من وجهة نظري، هنا تكمن الخطورة الحقيقية: هذا الانزلاق التدريجي.

عندما تفتح القوانين هذا الباب، لا يعود من السهل إغلاقه عند حدود معينة. تبدأ بحالات قصوى، ثم تمتد إلى أخرى أكثر غموضاً وتعقيداً، كما في قصتي كاستيو وفافائيان.

الدولة، في تقديري، دورها أن تُصلح الطرق، وتحمي المواطنين، وتحافظ على النظام، وتبني البنية التحتية.

لا أن تتحول إلى جهة تُنهي الحياة تحت مسمى “الرحمة”.

نقلاً عن نيويورك بوست 

هل أصبحت الحكومات مضطرة للتدخل في الأسعار بعد أن كان ذلك من المحرمات؟

آندي بيكيت

طالما كان يُنظر إلى تدخل الحكومات في تحديد الأسعار باعتباره أمراً غير مقبول، بل يكاد يكون من المحرمات الاقتصادية، فمنذ انهيار الاقتصاد المخطط في الاتحاد السوفيتي قبل نحو أربعة عقود، ترسّخ اعتقاد واسع في معظم أنحاء العالم بأن الأسواق وحدها يجب أن تحدد قيمة السلع والخدمات.

كان الاقتصادي النمساوي المؤثر فريدريش هايك يرى أن تعقيد المجتمعات الحديثة يجعل من المستحيل على الحكومات امتلاك المعلومات الكافية لتحديد الأسعار بدقة، لأن هذه المعلومات موزعة بين عدد هائل من المنتجين والمستهلكين، ومن هنا، برّر أتباعه فشل الاقتصادات التي تديرها الدولة، من دول ما بعد الاستعمار في إفريقيا إلى دول الكتلة الشرقية.

لكن مع تقدم القرن الحادي والعشرين، بدأت هذه القناعة تتآكل، فقد أثبتت الاقتصادات القائمة على السوق عجزاً متزايداً عن توفير الاحتياجات الأساسية مثل الطاقة والسكن بأسعار معقولة، إلى جانب إنتاجها اختلالات صارخة، مثل الرواتب الفلكية لمديرين فاشلين، أو خصخصة خدمات عامة لا تقدم خدمة فعالة.

ومع موجات التضخم المتلاحقة الناتجة عن الحروب وجائحة كورونا واضطرابات الزراعة بفعل أزمة المناخ، بدأت الحكومات تتدخل بطرق كانت حتى وقت قريب تُعد قديمة وغير طبيعية، بل وحتى غير أخلاقية، حتى حزب المحافظين البريطاني – أحد أكثر الأحزاب دفاعاً عن اقتصاد السوق – اضطر إلى فرض سقف لأسعار الطاقة، رغم أنه كان يصف هذه الفكرة سابقاً بأنها “ماركسية”.

الحقيقة القاسية أن قليلاً من الحكومات المنتخبة استطاعت الصمود في ظل موجة الغلاء الحالية، فالتضخم قد تكون أسبابه معقدة وعالمية، لكن نتائجه بسيطة ووحشية، وغالباً ما يُحاسب عليها السياسيون المحليون، كما قد يكتشف قريباً كير ستارمر، رغم أنه ليس مسؤولاً عن الحرب مع إيران.

ورغم عقود من الترويج لاقتصاد السوق، لا يزال كثير من الناخبين حول العالم يرون أن حماية مستوى المعيشة هي الواجب الأول للحكومات، باعتبارها شكلاً يومياً من الأمن القومي.

اللافت أن دولتين ديمقراطيتين كبيرتين نجحتا في تجنب الغضب الشعبي المرتبط بالتضخم، بل وأعادتا انتخاب حكومتيهما.

في المكسيك، قام الرئيس اليساري أندريس مانويل لوبيز أوبرادور وخلفه كلوديا شينباوم بفرض سقف سعري على سلة من السلع الأساسية مثل الدجاج والأرز وورق التواليت، وكانا يستخدمان مؤتمرات صحفية أسبوعية متلفزة للإشادة بالشركات المتعاونة أو انتقاد غير المتعاونة، في ممارسة ضغط اقتصادي وسياسي مباشر، وقد أسهمت هذه السياسات في رفع شعبية حزب “مورينا” في انتخابات 2024.

أما في إسبانيا، فقد لجأت حكومة يسار الوسط بقيادة بيدرو سانشيز إلى تجميد الإيجارات على مستوى البلاد رداً على تداعيات الحرب مع إيران، وخلال أزمة تكاليف المعيشة السابقة، فرضت الحكومة سقفاً لأسعار الطاقة، وقدمت تذاكر قطارات مجانية مؤقتاً، وأنشأت هيئة لمراقبة هوامش أرباح الشركات لمنع استغلال التضخم في رفع الأسعار بشكل مبالغ فيه.

هذه السياسات الجريئة ساعدت سانشيز على البقاء في السلطة لمدة ثماني سنوات، وهو إنجاز تحلم به حكومات أخرى.

في المملكة المتحدة، دعا زعيم حزب الخضر زاك بولانسكي إلى اتباع النموذج الإسباني وتجميد الإيجارات، منتقداً ما وصفه بـ”بريطانيا الاستغلال”، حيث تُباع الخدمات الأساسية للربح ثم تُعاد للمواطنين بأسعار باهظة.

ورغم أن البعض قد يشكك في قدرته على تنفيذ هذه السياسات، فإن أفكاره تتقاطع مع رؤية سياسي عمالي بارز مثل آندي بورنهام، الذي يرى أن سياسات الخصخصة منذ عهد مارغريت تاتشر هي السبب الجذري لأزمة تكاليف المعيشة الحالية.

خبرة بورنهام – كونه عمدة لمدينة مانشستر الكبرى، حيث أعاد الحافلات إلى السيطرة العامة وخفّض الأسعار- تعزز حججه، كما تدعمها دراسات مراكز بحثية مثل كومن ويلث، التي أظهرت أن شركات المرافق الخاصة دفعت نحو 200 مليار جنيه استرليني للمساهمين منذ التسعينيات.

منذ عهد تاتشر، تحولت بريطانيا إلى مختبر لتجربة اقتصادية تركز على تعظيم الأرباح والأسعار بغض النظر عن العواقب الاجتماعية، ومع موجات التضخم الجديدة، قد يصبح الضغط الشعبي للتخلي عن هذه التجربة والاتجاه نحو سياسات تحديد الأسعار – كما في إسبانيا والمكسيك – أمراً لا يمكن مقاومته.

في الوقت الحالي، تحاول حكومة كير ستارمر التعامل مع الأزمة بإجراءات محدودة وخطاب حازم، حيث تؤكد وزيرة الخزانة راشيل ريفز أن الحكومة لن تسمح للشركات باستغلال الأزمة، لكن داخل حزب العمال نفسه، تتزايد الأصوات المطالبة بتدخل أعمق، مثل وزير الطاقة إد ميليباند.

ومع غموض مستقبل قيادة ستارمر، خاصة إذا تصاعد التضخم، قد تجد بريطانيا نفسها أمام تحول جذري في سياستها الاقتصادية، فالسخرية من فكرة تحديد الأسعار قد تبدو سهلة، إلى أن تتحول احتجاجات غلاء المعيشة إلى قوة سياسية جارفة.

نقلا عن الجارديان

دعاية الأكاذيب لدى الديمقراطيين تقتل الأمريكيين

ميراندا ديفاين

أرى أن أكاذيب الحزب الديمقراطي لن تقود إلا إلى نتائج كارثية، بل وقد تقتل الأمريكيين، فالسرديات الزائفة التي يروجون لها عبر وسائل إعلام موالية لهم لا تكتفي بتشويه الواقع، بل تزرع سموماً في عقول الناس.
المثال الأبرز على ذلك هو حملتهم التشهيرية المقززة ضد عناصر وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية، والتي تعيد إنتاج الأكاذيب نفسها التي روجوا لها لسنوات حول “عنصرية الشرطة الممنهجة”، وهي الأكاذيب التي غذّت أعمال الشغب الدموية عام 2020، ومهدت لسياسات “خفض تمويل الشرطة” التي رفعت معدلات القتل وعرّضت المجتمعات للخطر.

أتابع كيف تتكرر هذه الآلية اليوم، عندما خرج كل من السيناتور ريتشارد بلومنثال، وزعيم الأقلية في مجلس النواب حكيم جيفريز، وزعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر، ليدّعوا بشكل منسق أن عناصر وكالة الهجرة، الذين يساعدون على تخفيف الضغط عن نقاط التفتيش في المطارات، “سيقومون بتعنيفكم وقتلكم وخطف أطفالكم”.

لكن الواقع مختلف تماماً، هؤلاء العناصر يقدمون المياه للمسافرين العالقين، ويساعدونهم على حمل الأمتعة، ويقومون بمهام تخفف العبء عن موظفي إدارة أمن النقل الذين لم يتقاضوا رواتبهم أخيراً بسبب الديمقراطيين أنفسهم.

تأخيرات المطارات الطويلة التي يعاني منها الأمريكيون تبدو، في رأيي، وكأنها لا تزعج الديمقراطيين، بل ربما تروق لهم، بغض النظر عن المخاطر أو المعاناة، وفي النهاية، يلقون باللوم على الرئيس دونالد ترامب.

أعتقد أن الهدف الحقيقي للديمقراطيين هو معاقبة الأمريكيين لأنهم صوتوا لترامب، وهم ينجحون في ذلك عبر الكذب بلا خجل، ثم تقديم أنفسهم حماة للحقيقة.

لقد وصل بهم الأمر إلى تشويه سمعة عناصر وكالة الهجرة بوصفهم “نازيين” و”شرطة سرية”، في محاولة واضحة لقلب الرأي العام ضدهم، لكن خطوة ترامب بإشراكهم في المطارات كشفت زيف هذه الصورة، لأن الناس باتوا يرون الحقيقة بأعينهم.

من الأكاذيب إلى التهديدات

لا تتوقف الأمور عند الأكاذيب، بل تتطور إلى تهديدات يستخدم فيها بعض الديمقراطيين مناصبهم، فقد تعهد المدعي العام في فيلادلفيا، المدعوم من رجل الأعمال جورج سوروس، بسجن عناصر وكالة الهجرة العاملين في المطار.

هذا النوع من الخطاب، برأيي، هو امتداد للفوضى التي شهدتها مدن مثل مينيابوليس، حيث تمت مهاجمة عناصر إنفاذ القانون بناءً على روايات كاذبة صورتهم على أنهم معتدون، رغم أنهم كانوا يتعاملون مع مجرمين خطرين.

ومن بين أبرز من يروجون لهذه السرديات، أرى أن المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية جون برينان يمثل نموذجاً صارخاً، إذ أعلن صراحة أنه يصدق إيران أكثر من الرئيس الأمريكي، هذا هو نفسه الشخص الذي لعب دوراً في الترويج لمزاعم التدخل الروسي في الانتخابات، عبر ما عُرف بملف “ستيل” المثير للجدل.

هذه النماذج، إلى جانب سياسيين مثل آدم شيف وجيمي راسكين، يستخدمون خطاباً معقداً لتبرير ما لا يمكن تبريره، سواء باتهام ترامب بالعمالة لروسيا، أو تبرئة الرئيس جو بايدن من شبهات الفساد، أو تصوير الانسحاب من أفغانستان على أنه نجاح، أو الادعاء أن خفض تمويل الشرطة سيجعل المجتمعات أكثر أماناً.

تضليل مستمر حتى في الجرائم

أرى أن هذا النمط يتكرر حتى في التعامل مع الجرائم، ففي حادثة مقتل طالبة في شيكاغو، ألقى حاكم ولاية إلينوي جي بي بريتزكر اللوم على ترامب، بدلاً من سياسات الهجرة التي يتبناها حزبه، بل إن بعض المسؤولين المحليين ذهبوا إلى حد تحميل الضحية جزءاً من المسؤولية.

حتى وسائل الإعلام، تحت هذا الضغط، بدأت تغير اللغة، فتم استبدال وصف “مهاجر غير شرعي” بتعابير مخففة، في محاولة لتجنب ما يعده الديمقراطيون “لغة غير مقبولة”.

ثقافة الكذب وتأثيرها

أرى أن هذه الأكاذيب، سواء كانت كبيرة أو صغيرة، من تلك التي يكررها سياسيون مثل إليزابيث وارن وتيم والز، تخلق مناخاً عاماً من عدم الثقة، وفي أسوأ حالاتها، فإن الأكاذيب التي يتم ترويجها لسنوات عبر وسائل الإعلام تتحول إلى وقود للاستقطاب والعنف السياسي الذي يمزق البلاد.

لهذا، عندما ترى عنصراً من وكالة الهجرة أو موظف أمن في المطار، أنصحك أن تتحرر من هذه السرديات، وأن تقول له ببساطة: شكراً.

نقلاً عن نيويورك بوست