في إحدى الغرف الصغيرة داخل السكن الجامعي بمدينة بدليس شمال كردستان التركية، تعيش زينب آكاتش، البالغة من العمر 21 عاماً، حالة خوف يومية لا تنتهي، تراقب هاتفها باستمرار، تخشى وصول رسالة جديدة تحمل تهديداً أو صورة مفبركة قد تدمر حياتها الاجتماعية والدراسية، ومنذ 3 سنوات، تحولت حياتها من طالبة جامعية تحلم بمستقبل طبيعي إلى ضحية لواحدة من أخطر الجرائم الرقمية الحديثة، بعد استخدام صورها الشخصية في إنتاج صور جنسية مزيفة عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي بهدف ابتزازها وإخضاعها نفسياً.
تقول زينب وفق ما ذكرته وكالة أنباء المرأة إن قصتها بدأت عام 2023، عندما قام مجهول بسرقة صور من حسابها على إنستغرام واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحويلها إلى صور ذات طابع جنسي، أول رسالة تهديد وصلتها كانت في يوم بلوغها سن 18 عاماً، حين طالبها الجاني بإرسال صور خاصة وإقامة علاقة جنسية معه مقابل عدم نشر الصور المفبركة.
وتوضح زينب أن الخوف دفعها إلى إغلاق جميع حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي لفترة طويلة، خوفاً من انتشار الصور وتصديق المحيط الاجتماعي لها، خاصة في مجتمع محافظ قد تتحول فيه الضحية إلى متهمة بدلاً من حمايتها، وتقول إن التهديدات توقفت لفترة، قبل أن تعود مجدداً خلال عام 2026 عبر حسابات وهمية متعددة.
طبقاً لبيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة، يشهد العالم تصاعداً خطيراً في جرائم العنف الرقمي ضد النساء والفتيات، خاصة مع الانتشار الواسع لأدوات الذكاء الاصطناعي القادرة على إنتاج صور ومقاطع مزيفة يصعب أحياناً تمييزها عن الحقيقية، وأكدت الهيئة في تقريرها الصادر عام 2025 أن أكثر من 1.8 مليار امرأة وفتاة حول العالم لا يمتلكن حماية قانونية كافية من العنف الرقمي، في حين تتزايد جرائم الابتزاز الجنسي الإلكتروني بشكل غير مسبوق، خصوصاً في البيئات المحافظة ومناطق النزاعات والتوترات السياسية.
الذكاء الاصطناعي والعنف الرقمي
ووفقاً لمنظمة الأمم المتحدة للمرأة، أصبحت تقنيات “التزييف العميق” من أخطر أدوات العنف الرقمي ضد النساء، حيث تستخدم تطبيقات الذكاء الاصطناعي في إنتاج صور وفيديوهات جنسية مزيفة بهدف التشهير والابتزاز والانتقام الإلكتروني، وتشير تقارير دولية إلى أن 95 بالمئة من محتوى “التزييف العميق” الإباحي المنشور عبر الإنترنت يستهدف النساء دون موافقتهن.
كما أظهرت بيانات نشرتها منظمات حقوقية دولية خلال عام 2025 أن جرائم التزييف العميق الجنسي ارتفعت بنسبة تجاوزت 550 بالمئة خلال السنوات الأخيرة، مع تزايد وسهولة الوصول إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي المجانية، ما جعل هذه الجرائم أكثر انتشاراً وأقل تكلفة وأكثر تعقيداً من الناحية القانونية.
وتؤكد منظمة “أكسس ناو” المعنية بالحقوق الرقمية أن النساء في الشرق الأوسط والمناطق ذات التوترات السياسية يواجهن خطراً مضاعفاً بسبب ضعف الحماية القانونية والتمييز الاجتماعي، إضافة إلى استخدام الحسابات الوهمية وتقنيات إخفاء الهوية التي تعقد عملية تعقب الجناة.
الجامعات تتحول إلى بيئات غير آمنة
تكشف قضية زينب عن أزمة أوسع تعيشها الجامعات في شمال كردستان، حيث تتحدث ناشطات ومنظمات نسوية عن تزايد جرائم الابتزاز الإلكتروني والتحرش الجنسي ضد الطالبات، وسط غياب آليات الحماية الرقمية وضعف الرقابة داخل الحرم الجامعي.
وتقول زينب إن العديد من الطالبات يتعرضن لتهديدات مشابهة، سواء عبر صور مفبركة أو صور تم الحصول عليها بالقوة أو بعد تخدير الضحايا بالكحول أو المواد المخدرة، وتضيف أن كثيرات يفضلن الصمت خوفاً من الفضيحة أو فقدان مستقبلهن الدراسي والاجتماعي.
وبحسب تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” عام 2025، فإن واحدة من كل خمس فتيات جامعيات في الشرق الأوسط تعرضت لشكل من أشكال العنف الرقمي أو الابتزاز الإلكتروني، في حين امتنعت نسبة كبيرة من الضحايا عن الإبلاغ بسبب الخوف من الوصم المجتمعي أو انعدام الثقة بمؤسسات العدالة.
صدمة نفسية وعزلة اجتماعية
لم يتوقف تأثير الجريمة عند حدود التهديد الرقمي فقط، بل امتد إلى الحياة النفسية والاجتماعية للضحية، وتقول زينب إنها أصبحت تخشى الخروج بمفردها أو الذهاب إلى أماكن مزدحمة، كما اضطرت إلى مراجعة طبيب نفسي عدة مرات بسبب القلق المستمر والخوف من التعرض للتحرش أو الفضيحة.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن ضحايا الابتزاز الجنسي الإلكتروني يواجهن معدلات مرتفعة من الاكتئاب واضطرابات القلق والعزلة الاجتماعية، في حين تصل بعض الحالات إلى محاولات الانتحار، خاصة بين الفتيات الشابات والطالبات الجامعيات.
وتضيف زينب أن الجاني يبدو محترفاً في استهداف النساء اللواتي تجاوزن 18 عاماً، لتجنب الملاحقات المرتبطة باستغلال الأطفال، ما يعكس وعياً قانونياً لدى المبتزين بكيفية استغلال الثغرات القانونية.
الشرطة تتهم الضحية
عندما قررت زينب التوجه إلى وحدة الجرائم الإلكترونية في مركز الشرطة ببدليس، كانت تتوقع الحصول على الحماية القانونية، لكنها فوجئت، بحسب روايتها، بردود فعل وصفتها بـ”المهينة”.
تقول إن عناصر الشرطة أبلغوها بأن ملاحقة الجاني قد تستغرق أشهراً طويلة، خاصة إذا كان يستخدم خوادم خارجية أو حسابات أجنبية، كما جرى توجيه اللوم إليها بسبب نشر صورها الشخصية عبر الإنترنت، وأضافت أن الشرطة رفضت في البداية تسجيل شكوى رسمية، مكتفية بتقديم “نصائح” حول ضرورة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بحذر.
وترى منظمة العفو الدولية أن هذا النوع من التعامل يمثل شكلاً من أشكال “العنف المؤسسي ضد النساء”، حيث يتم تحميل الضحية مسؤولية الجريمة بدلاً من توفير الحماية القانونية والنفسية لها، ما يدفع كثيرات إلى الصمت وعدم الإبلاغ.
ثغرات قانونية وأزمة حماية
سياسياً وحقوقياً، ترتبط هذه الأزمة بالتحولات القانونية والاجتماعية التي شهدتها تركيا خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد انسحاب أنقرة من اتفاقية إسطنبول عام 2021، وهي الاتفاقية الأوروبية الخاصة بحماية النساء من العنف ومثل الانسحاب أضعف الضمانات القانونية المتعلقة بحماية النساء، وخلق بيئة أكثر هشاشة أمام تصاعد العنف القائم على النوع الاجتماعي، ومنه الجرائم الرقمية.
ووفقاً لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، لا تزال التشريعات المتعلقة بالجرائم الرقمية في عدة دول، منها تركيا، غير قادرة على مواكبة التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، خاصة فيما يتعلق بجرائم “التزييف العميق الجنسي”.
كما تؤكد الشبكة الأوروبية لحقوق المرأة أن بطء تحديث القوانين، وضعف التدريب التقني لأجهزة إنفاذ القانون، يفتح المجال أمام توسع جرائم الابتزاز الإلكتروني دون ردع فعلي.
الإفلات من العقاب والعنف ضد النساء
ترى منظمات نسوية أن الجرائم الرقمية أصبحت امتداداً للعنف الجسدي والجنسي الذي تتعرض له النساء في المجتمع، خاصة في ظل ما تصفه بسياسات الإفلات من العقاب.
وتعيد هذه القضية إلى الواجهة أسماء طالبات ونساء تحولت قصصهن إلى رموز للعنف ضد النساء، مثل بينار غولتكين في موغلا، وكلستان دوكو في ديرسم، وروجين كابايش في وان، إلى جانب عشرات الحالات التي لا تحظى بتغطية إعلامية واسعة.
وبحسب الشبكة الأوروبية لحقوق المرأة، فإن الإفلات من العقاب في قضايا العنف ضد النساء يشجع على تكرار الجرائم، خصوصاً مع غياب المحاسبة الجدية وضعف الحماية القانونية للضحايا.
ردود فعل حقوقية ودولية
أعلن مركز حقوق المرأة التابع لنقابة محامي بدليس أنه سيتقدم بشكوى رسمية أمام النيابة العامة لملاحقة الجاني، في خطوة اعتبرتها ناشطات اختباراً حقيقياً لمدى جدية السلطات في التعامل مع العنف الرقمي ضد النساء.
كما دعت مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بالعنف ضد النساء الحكومات إلى تحديث قوانين الجرائم الإلكترونية بشكل عاجل لتجريم استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج الصور الجنسية المزيفة والابتزاز الإلكتروني، مع توفير حماية قانونية ونفسية عاجلة للضحايا.
وطالبت منظمات حقوقية دولية بإنشاء وحدات متخصصة داخل أجهزة الشرطة للتحقيق في الجرائم الرقمية القائمة على النوع الاجتماعي، إضافة إلى إلزام منصات التواصل الاجتماعي بحذف المحتوى المسيء بسرعة كبرى.
معركة النساء في الفضاء الرقمي
تكشف قضية زينب عن تحول خطير في طبيعة العنف ضد النساء، حيث لم يعد التهديد مقتصراً على الشارع أو الفضاء الواقعي، بل امتد إلى الهواتف المحمولة ومنصات التواصل الاجتماعي، مدعوماً بتكنولوجيا قادرة على تدمير حياة الضحايا خلال لحظات.
ومع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، تبدو النساء في المجتمعات المحافظة الأكثر عرضة لدفع الثمن، في ظل فجوة قانونية واسعة وثقافة اجتماعية لا تزال تلوم الضحية بدلاً من محاسبة الجاني.
وفي شمال كردستان، لا تبدو معركة الطالبات اليوم مجرد قضية مرتبطة بصور مزيفة أو حسابات مجهولة، بل معركة تتعلق بالحق في الأمان الرقمي والكرامة الإنسانية والعدالة، فمع كل رسالة تهديد جديدة، تتعمق المخاوف من تحول الابتزاز الإلكتروني إلى أداة دائمة لإخضاع النساء وإسكات أصواتهن، ما لم يتم التحرك بصورة عاجلة لسن قوانين أكثر صرامة، ومحاسبة الجناة، وبناء منظومة حماية حقيقية تضمن للفتيات حقهن في التعليم والحياة دون خوف.

