منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

“حداد شريفبورت”.. جنازة جماعية لثمانية أطفال تفتح ملف العنف داخل المنازل الأمريكية

10 مايو 2026

ودعت مدينة شريفبورت بولاية لويزيانا الأمريكية ثمانية أطفال في جنازة جماعية تحولت إلى حدث وطني، بعد أن قُتلوا في حادث إطلاق نار عائلي دموي أعاد إلى الواجهة سؤال الحق في الحياة والأمان داخل المنزل في الولايات المتحدة.

شهدت المدينة وصول سبع سيارات لنقل الموتى إلى كنيسة سمر غروف المعمدانية، حيث أنزل العمال ثمانية نعوش بيضاء، اثنان منها صغيران بشكل لافت، في مشهد صادم عكس حجم المأساة التي وقعت في 19 أبريل، حين أطلق الأب النار على أطفاله داخل المنزل، وفقاً لصحيفة “واشنطن بوست”.

اصطف مئات المشيعين قبل بدء المراسم، ودخلوا القاعة مروراً بالنعوش المفتوحة وصور الأطفال، بينما جلست العائلات المنكوبة في الصفوف الأولى، وسط بكاء وانهيار جماعي، في لحظة وصفتها الصحيفة بأنها “حداد يتجاوز المدينة إلى مستوى وطني”.

جلست الأم كريستينا سنو أمام نعوش أطفالها الثلاثة، تلمس صورهم وتقبلها، في حين فقدت الأم شينيكوا بو أربعة أطفال دفعة واحدة، بعد أن أصيبت بعدة رصاصات في الحادث، وفقاً لما ذكرته “واشنطن بوست”.

انتقلت المأساة إلى مستوى أوسع مع مشاركة شخصيات سياسية في الجنازة، من بينها النائبة السابقة في الكونغرس الأمريك، غابي جيفورد، التي نجت سابقاً من محاولة اغتيال عام 2011، وأصبحت لاحقاً من أبرز الأصوات الداعية لتقييد العنف المسلح.

قالت غيفوردز خلال المراسم، إن الألم “لا يقتصر على لويزيانا”، بل يعكس أزمة ممتدة داخل المجتمع الأمريكي، في حين أكد مسؤولون محليون أن “الكلمات تعجز عن التعبير” أمام حجم الفاجعة.

موكب من المشيعين

وأفادت وكالة أسوشيتد برس أن الجنازة أُقيمت في كنيسة سمر غروف وسط موكب طويل من المشيعين الذين مرّوا أمام النعوش البيضاء المغطاة بالزهور والتيجان الذهبية، في طقس جنائزي حمل طابعاً دينياً وإنسانياً في آن واحد.

وأضافت الوكالة أن كتيب الجنازة احتوى على تأبين لكل طفل، واصفاً بعضهم بأنهم “طيبو القلب ومفعمون بالحب“، في حين حمل آخرون ألقاباً عائلية صغيرة كانت تُستخدم داخل البيت قبل الجريمة.

وخلال المراسم، قال أحد القساوسة، إن الأطفال رغم قصر حياتهم “تركوا نوراً لا يُمحى”، في وقت امتلأت فيه القاعة بترانيم وصلوات متواصلة.

أشارت الوكالة أيضاً إلى أن المسؤولين المحليين، بينهم عمدة شريفبورت، أكدوا أن المدينة بأكملها تعيش “حزناً مشتركاً”، في حين أمرت سلطات الولاية بتنكيس الأعلام حداداً على الضحايا.

العنف العائلي

ذكرت مجلة “بيبول” أن الضحايا هم سبعة أشقاء وابن عمهم، تراوح أعمارهم بين 3 و11 عاماً، وقد قُتلوا داخل منزلهم في هجوم وصفته الشرطة بأنه “شنيع وطابعه عائلي”.

وأضافت المجلة أن بعض الأطفال كانوا يحملون ألقاباً منزلية، مثل “جاي باي” و”كيه باج”، وأنهم كانوا يحبون اللعب وتصوير مقاطع فيديو قصيرة ومشاركة حياتهم اليومية مع عائلاتهم.

وأوضحت المجلة الأمريكية أن الهجوم أسفر أيضاً عن إصابة امرأتين، إحداهما والدة الأطفال، في حين نجت فتاة تبلغ 12 عاماً بعد أن قفزت من السطح، في محاولة للهروب من إطلاق النار.

كما أشارت المجلة إلى أن التحقيقات الفيدرالية لاحقاً وجهت اتهامات لشخصين على صلة بالقضية، أحدهما بتزويد السلاح المستخدم رغم إدانته السابقة، والآخر بحيازة أسلحة رغم خضوعه لأمر حماية من العنف الأسري.

قراءة دينية للمأساة

من جانبها، ذكرت صحيفة “نيويورك بوست” أن القس كيم بوريل حاول خلال الجنازة تقديم قراءة دينية للمأساة، مؤكداً أن الإيمان لا يتراجع أمام الألم، في وقت وصف فيه الحضور الجريمة بأنها واحدة من أكثر اللحظات قسوة في تاريخ المدينة.

وأضافت الصحيفة أن عمدة المدينة ومسؤولين محليين شددوا على أن الضحايا كانوا “أطفالاً مفعمين بالحياة”، في حين طالب بعض المتحدثين باعتبار المراسم “احتفالاً بحياتهم” رغم حجم الفقد.

وشهدت المراسم شهدت تصفيقاً وبكاءً متزامناً، في حين ردد المشيعون عبارات الوداع عند خروج النعوش.

أثارت الجريمة مجدداً نقاشاً أوسع داخل الولايات المتحدة حول العنف الأسري، خاصة في ظل الإحصاءات التي تشير إلى أن النساء والأطفال أكثر الفئات عرضة للقتل داخل المنازل مقارنة بأي مكان آخر.

اختتمت مراسم الجنازة بخروج الأمهات الثلاث في موكب واحد خلف النعوش البيضاء الصغيرة، في حين أعيدت التوابيت إلى سيارات نقل الموتى وسط هتافات المشيعين بالدعاء للأطفال.

وتركت الجريمة، وفقاً لما نقلته جميع المصادر، سؤالاً مفتوحاً حول الحق في الأمان داخل المنزل الأمريكي، وحول قدرة المجتمع على مواجهة العنف الذي يضرب داخل أكثر الأماكن خصوصية وإنسانية: البيت.