منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

النساء يتغيرن والرجال يتراجعون.. كيف تبدلت فكرة الزواج عربياً؟

16 مايو 2026
نسبة كبيرة من الشباب لا يرغبون في الزواج
نسبة كبيرة من الشباب لا يرغبون في الزواج

لم يعد سؤال الزواج في المغرب والعالم العربي مرتبطًا فقط بالحب أو الاستقرار أو السن، بل أصبح سؤالًا اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا معقدًا.. من يستطيع الزواج اليوم؟ ومن يريد الزواج أصلًا؟ فبين ارتفاع تكاليف المعيشة، وأسعار السكن، والمهور، وكلفة الأعراس، وتغير تطلعات الشباب، وصعود النزعة الفردية، بات الزواج في نظر كثيرين مشروعًا مؤجلًا أو مرهقًا أو غير مضمون النتائج.

وتكشف نتائج البحث الوطني حول العائلة 2025 في المغرب، الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط حجم التحول في نظرة الشباب إلى الزواج. فقد أظهرت النتائج أن 51.7% من العزاب لا يرغبون في الزواج، مقابل 40.6% فقط ينوون الزواج، بينما بلغ متوسط سن الزواج الأول 33.3 سنة لدى الرجال و26.3 سنة لدى النساء.

وهذه الأرقام لا تعكس أزمة عابرة، بل تحوّلًا عميقًا في مكانة الزواج داخل المجتمع المغربي، وفي تصور الشباب لمعنى الأسرة والاستقرار.

أرقام تكشف التحول

في المغرب، لا يتوقف التحول عند تراجع نية الزواج، بل يمتد إلى شكل الأسرة ودور العائلة في اختيار الشريك، فقد أظهرت نتائج البحث أن النساء ما زلن أكثر تعبيرًا عن الرغبة في الزواج من الرجال؛ إذ تقول 53.6% من النساء العازبات إنهن يرغبن في الزواج، مقابل 31.5% فقط من الرجال العزاب.

بينما يهيمن الرفض بين الرجال بنسبة 59.8%. كما تبيّن أن نية الزواج ترتفع مع العمر حتى فئة 40 إلى 54 عامًا، حيث تصل إلى 56.4%، ثم تتراجع بعد سن 55 إلى 22.5%.

وتُظهر النتائج كذلك أن الأسرة لا تزال فاعلًا قويًا في تشكيل قرار الزواج، رغم تغير المجتمع. فبحسب نتائج البحث، جرى 58.4% من الزيجات الأولى بوساطة أو ترتيب عائلي، وهي نسبة تراجعت كثيرًا عن عام 1995، حين بلغت 80.2%، لكنها لا تزال تؤكد أن الزواج في المغرب ليس قرارًا فرديًا خالصًا، بل يقع في منطقة وسطى بين الاختيار الشخصي والتدخل العائلي.

هذه المؤشرات المغربية تجد صداها في دول عربية أخرى. ففي مصر، أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن عدد عقود الزواج بلغ 936,739 عقدًا عام 2024 مقابل 961,220 عقدًا عام 2023، بانخفاض قدره 2.5%، بينما ارتفعت حالات الطلاق إلى 273,892 حالة عام 2024 مقابل 265,606 حالات عام 2023، بزيادة 3.1%.

ورغم اختلاف السياقات، فإن الاتجاه العام يشير إلى تراجع أو تأخر الزواج، وزيادة الضغوط على استمراره.

كلفة تفوق القدرة

العامل الاقتصادي يبدو اليوم العائق الأول أمام الزواج في كثير من المجتمعات العربية.. فالشاب لا يحتاج فقط إلى قرار عاطفي أو رغبة في الاستقرار، بل إلى قدرة مالية على دفع مهر، وتجهيز منزل، وتحمل كلفة عرس، وتأمين سكن، ومواجهة مصاريف الحياة اليومية.

ومع ارتفاع أسعار السكن والبطالة أو هشاشة الدخل، يتحول الزواج من علاقة إنسانية إلى مشروع مالي طويل ومعقد.

في هذا السياق، لم يعد الزواج متاحًا بسهولة للطبقة المتوسطة كما كان سابقًا، فالكلفة لم تعد تقتصر على الضروريات، بل اتسعت بفعل توقعات اجتماعية متزايدة: قاعة أفراح، فستان، ذهب، تصوير، أثاث، شهر عسل، ومظاهر احتفال قد تفوق قدرة الزوجين، وهكذا، يصبح السؤال قاسيًا: هل يبحث الشباب عن شريك حياة أم عن قدرة على تمويل عرض اجتماعي كبير؟

وتلعب العائلة والمجتمع دورًا مزدوجًا في هذه الأزمة، فمن جهة، يضغطان باتجاه الزواج باعتباره معيار النضج والاستقرار، ومن جهة أخرى، يرفعان سقف التوقعات المرتبطة بشكل الزواج ومكانته الاجتماعية. وبذلك يجد الشباب أنفسهم بين ضغطين: ضغط “متى تتزوج؟” وضغط “كيف يجب أن يكون زواجك؟”.

منصات ترفع التوقعات

أعادت وسائل التواصل الاجتماعي تشكيل صورة الزواج في المخيال العربي. فصور الأعراس الفخمة، وقصص الحب المثالية، وجلسات التصوير السينمائية، والاحتفالات المبالغ فيها، جعلت الزواج يبدو وكأنه حدث استعراضي لا علاقة إنسانية فقط، ومع كل صورة تُنشر، تتوسع المقارنة بين الناس، لا على جودة العلاقة، بل على جودة الحفل.

هذا التحول يخلق ضغطًا نفسيًا وماديًا على الشباب، خصوصًا في المجتمعات التي تربط الزواج بالمكانة والسمعة، فمن لا يستطيع إقامة عرس كبير قد يشعر أنه عاجز أو أقل شأنًا، حتى لو كان قادرًا على بناء علاقة مستقرة، وهنا تصبح الصورة الرقمية جزءًا من الأزمة: فهي لا تعكس الواقع، لكنها ترفع توقعاته.

ومع ذلك، لا يمكن ردّ تراجع الزواج إلى وسائل التواصل وحدها. فالمنصات الرقمية ضاعفت المشكلة، لكنها لم تخلقها من العدم، أصل الأزمة أعمق.. دخل غير مستقر، بطالة، صعوبة السكن، تحولات في دور المرأة، تغير معنى الاستقلال، وتراجع الثقة في مؤسسة الزواج بعد ارتفاع الطلاق وتزايد قصص العلاقات غير الناجحة.

قيم تتغير

رغم أهمية المال، فإن الأزمة ليست اقتصادية فقط.. فالجيل الجديد يعيش تحولات فكرية واجتماعية واضحة، كثير من الشباب، رجالًا ونساءً، باتوا أكثر تمسكًا بالاستقلال الشخصي، وأكثر خوفًا من الالتزام طويل الأمد، وأكثر وعيًا بتكلفة الزواج النفسية والاجتماعية، وليس المادية فقط.

بالنسبة إلى بعض النساء، لم يعد الزواج الطريق الوحيد إلى الأمان أو المكانة الاجتماعية. التعليم والعمل والاستقلال المادي غيّرت موقع المرأة داخل الأسرة والمجتمع، ومع هذا التغير، أصبح السؤال المطروح.. هل الزواج يضيف إلى حياة المرأة أم يعيدها إلى أدوار تقليدية غير عادلة؟ هذه ليست دعوة ضد الزواج، بل هي مؤشر على أن المرأة العربية باتت أكثر مطالبة بعلاقة قائمة على الشراكة لا التبعية.

أما لدى بعض الرجال، فيظهر العزوف أحيانًا بوصفه خوفًا من المسؤولية المالية أو القانونية أو الاجتماعية، فالرجل الذي يشعر أنه مطالب بتوفير كل شيء وحده قد يرى الزواج عبئًا يفوق قدرته. وهكذا، لا يرفض الشباب الزواج بالضرورة لأنه فقد قيمته، بل لأن صورته التقليدية لم تعد قابلة للتحقق بسهولة.

مؤسسة تحت المراجعة

من الخطأ القول إن مؤسسة الزواج تنهار بالكامل؛ الأدق أن الزواج يُعاد تعريفه.. فالكثير من الشباب لا يرفضون الحب أو الاستقرار أو الأسرة، لكنهم يرفضون النسخة الثقيلة من الزواج.. تلك التي تحمّلهم ديونًا، وتخضعهم لمظاهر اجتماعية مرهقة، وتفرض عليهم أدوارًا غير متوازنة.

هنا يظهر الفرق بين تراجع الزواج وإعادة تعريف الزواج.. التراجع يعني أن الشباب لم يعودوا يريدون تكوين أسر، أما إعادة التعريف فتعني أنهم يريدون زواجًا مختلفًا.. أقل كلفة، أكثر مساواة، أكثر حرية، وأقل خضوعًا للعرض الاجتماعي. وفي كثير من الحالات، لا تكون الأزمة في فكرة الزواج نفسها، بل في شروطه المحيطة.

ولذلك، فإن الحل لا يكمن في لوم الشباب أو اتهامهم بالفردانية فقط، بل في فهم لماذا أصبح الزواج صعبًا، فحين تصبح البطالة مرتفعة، والسكن بعيد المنال، والأعراس مكلفة، والطلاق شائعًا، فمن الطبيعي أن يتردد الشباب قبل دخول مؤسسة تتطلب استعدادًا اقتصاديًا ونفسيًا واجتماعيًا كبيرًا.

المرأة والزواج

تاريخيًا، ارتبط الزواج بأدوار تقليدية للمرأة داخل الأسرة، حيث كان يُنظر إليه باعتباره مصدر حماية ومكانة اجتماعية، لكن الفكر النسوي الحديث أعاد طرح السؤال.. هل يوفر الزواج الحماية فعلًا، أم قد يتحول أحيانًا إلى مساحة للهيمنة والتبعية؟ هذا الجدل حاضر بقوة في العالم العربي، خصوصًا مع اتساع مشاركة النساء في التعليم والعمل.

لكن النقاش لا ينبغي أن يتحول إلى ثنائية حادة بين تمجيد الزواج أو رفضه، فالمشكلة ليست في الالتزام العاطفي أو الأسرة كفكرة، بل في شكل العلاقة داخل الزواج. عندما يقوم الزواج على العدالة، وتقاسم المسؤولية، والاحترام، يصبح مساحة استقرار، أما عندما يقوم على السيطرة أو العبء غير المتوازن، فإنه يفقد جاذبيته، خصوصًا لدى النساء الأكثر تعليمًا واستقلالًا.

لذلك، فإن أزمة الزواج لا تعني بالضرورة رفض الأسرة، بل رفض نموذج أسري لم يعد مناسبًا لتحولات العصر، الشباب يريدون شراكة أقل قسوة، والنساء يردن زواجًا لا يلغي ذواتهن، والرجال يريدون علاقة لا تجعلهم وحدهم مسؤولين عن كل الأعباء المادية.. هذه المطالب ليست تهديدًا للزواج، بل فرصة لإصلاحه.

مجتمع خارج المركزية

ظل الزواج لعقود طويلة المؤسسة الأساسية لتنظيم العلاقات العاطفية والاجتماعية والاقتصادية في المجتمعات العربية، ومن خلاله تُبنى الأسرة، وتُحدد المكانة الاجتماعية، وتُنظم العلاقة بين الفرد والجماعة، لكن التحولات الحالية تطرح سؤالًا غير مسبوق: هل يمكن أن يفقد الزواج مركزيته المطلقة؟

في الغرب، تراجع الزواج باعتباره شرطًا اجتماعيًا وحيدًا للحياة المشتركة، وأصبح أكثر ارتباطًا بالاختيار الشخصي، أما في العالم العربي، فلا يزال الزواج يحمل أبعادًا دينية وثقافية وعائلية عميقة، ما يجعل أي نقاش حول تراجعه حساسًا، ومع ذلك، فإن الأرقام الجديدة تشير إلى أن الشباب لا يتحركون فقط داخل منطق المجتمع التقليدي، بل يعيدون التفاوض معه.

ولا يعني ذلك أن المجتمعات العربية ستتخلى سريعًا عن الزواج كمؤسسة مركزية. لكن المرجح أن تتغير شروطه.. زواج في سن أكبر، أسر أصغر، تدخل عائلي أقل، أعراس أبسط لدى بعض الفئات، وشراكات أكثر تفاوضًا حول المال والعمل والإنجاب، وقد يكون هذا التحول مؤلمًا اجتماعيًا، لكنه يعكس انتقالًا من الزواج كواجب اجتماعي إلى الزواج كاختيار شخصي مشروط بالقدرة والمعنى.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية