تشكل الأسرة اليوم أحد أكثر المفاهيم الاجتماعية تعرضاً لإعادة التشكل تحت ضغط التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والحقوقية المتسارعة، إذ لم تعد مجرد وحدة تقليدية قائمة على الروابط البيولوجية والاجتماعية فقط، بل أصبحت مرآة تعكس عمق الأزمات العالمية مثل الفقر، وتغير سوق العمل، والنزاعات المسلحة، والتحول الرقمي، وتفاوت العدالة الاجتماعية.
وفي اليوم العالمي للأسرة الذي يوافق 15 مايو تعيد الأمم المتحدة التأكيد على أن استقرار الأسرة يمثل شرطاً أساسياً لتحقيق التنمية المستدامة، في ظل مؤشرات متزايدة على اتساع هشاشتها في العديد من مناطق العالم.
وأكدت الأمم المتحدة في بيانات صادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” وهيئة الأمم المتحدة للمرأة أن التحولات الاقتصادية العالمية خلال السنوات الأخيرة أدت إلى زيادة الضغوط على الأسر، خاصة في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، حيث تتداخل معدلات الفقر مع البطالة وتراجع الخدمات الاجتماعية وارتفاع تكاليف المعيشة، بما يضع ملايين الأسر أمام تحديات يومية تتعلق بتأمين الغذاء والتعليم والصحة والسكن.
ضغط الفقر وعدم الاستقرار الاقتصادي
تشير بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن مئات الملايين من الأشخاص حول العالم ما زالوا يعيشون في حالة فقر متعدد الأبعاد، لا يقتصر على الدخل فقط، بل يشمل التعليم والصحة وظروف المعيشة، هذا الواقع ينعكس بشكل مباشر على الأسرة باعتبارها الوحدة الأولى لتوزيع الموارد والرعاية.
وتوضح منظمة العمل الدولية أن التحولات في سوق العمل، خاصة توسع الاقتصاد غير الرسمي، أدت إلى تراجع الاستقرار الوظيفي لملايين العاملين، ما جعل دخل الأسر غير ثابت ويعتمد على أعمال مؤقتة أو غير مضمونة.
وتشير المنظمة إلى أن هذا النمط من العمل يزيد من هشاشة الأسر ويحد من قدرتها على التخطيط للمستقبل أو الاستثمار في التعليم والصحة.
كما تؤكد تقارير الأمم المتحدة أن ارتفاع تكاليف المعيشة خلال السنوات الأخيرة، خصوصا أسعار الغذاء والطاقة والسكن، أدى إلى تآكل القدرة الشرائية للأسر، ما دفع العديد منها إلى تقليص الإنفاق على الاحتياجات الأساسية، وهو ما ينعكس مباشرة على الأطفال والنساء وكبار السن داخل الأسرة.
الطفولة داخل الأسرة بين الحماية والهشاشة
تعد الطفولة أحد أهم مؤشرات استقرار الأسرة، إلا أن التقارير الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” تشير إلى أن واحدا من كل أربعة أطفال حول العالم يعيش في بيئة متأثرة بالفقر أو النزاعات أو الحرمان من الخدمات الأساسية.
وتوضح يونيسف أن الأطفال في الأسر الفقيرة أو المتأثرة بالأزمات الاقتصادية أكثر عرضة للتسرب من التعليم والدخول المبكر إلى سوق العمل، ما يعمق دائرة الفقر عبر الأجيال.
كما تشير المنظمة إلى أن سوء التغذية لا يزال يؤثر على عشرات الملايين من الأطفال، خصوصًا في الدول النامية والمناطق المتأثرة بالنزاعات والكوارث المناخية.
وتضيف التقارير أن ضعف الاستثمار في الطفولة المبكرة داخل الأسرة يؤدي إلى آثار طويلة الأمد تشمل تراجع التحصيل العلمي وزيادة المخاطر الصحية، وهو ما يجعل دعم الأسرة جزءًا أساسيًا من أي استراتيجية تنموية فعالة.
بين العمل غير المدفوع والتمكين الاقتصادي
تؤكد هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن النساء يتحملن الجزء الأكبر من أعمال الرعاية غير المدفوعة داخل الأسرة، بما في ذلك رعاية الأطفال وكبار السن والأعمال المنزلية اليومية، وهو ما يحد من فرصهن في التعليم والعمل والمشاركة الاقتصادية.
وتشير البيانات إلى أن النساء يقمن بما يزيد عن ثلاثة أضعاف العمل غير المدفوع مقارنة بالرجال في العديد من الدول، ما يخلق فجوة اقتصادية داخل الأسرة نفسها. كما تؤكد التقارير أن تمكين المرأة اقتصاديا يؤدي مباشرة إلى تحسين مستوى معيشة الأسرة وزيادة فرص الأطفال في التعليم والصحة.
وتحذّر الأمم المتحدة من أن استمرار الفجوة الجندرية داخل الأسرة يعمق عدم المساواة الاجتماعية ويحد من قدرة المجتمعات على تحقيق تنمية مستدامة وشاملة.
إعادة تشكيل العلاقات الأسرية
أدى الانتشار الواسع للتكنولوجيا الرقمية إلى تغييرات عميقة في نمط العلاقات الأسرية، حيث أصبحت الأجهزة الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي جزءا أساسيا من الحياة اليومية داخل الأسرة.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الاستخدام المفرط للشاشات بين الأطفال والمراهقين يرتبط بزيادة معدلات القلق والعزلة الاجتماعية وضعف التواصل الأسري المباشر. كما تؤكد الدراسات أن هذا التحول أدى إلى تغير طبيعة التفاعل داخل الأسرة، حيث تقلصت فترات الحوار المباشر لصالح التواصل الرقمي.
وفي المقابل، تؤكد الأمم المتحدة أن التكنولوجيا يمكن أن تلعب دورا إيجابيا إذا تم استخدامها بشكل متوازن، من خلال دعم التعليم الرقمي، وتسهيل الوصول إلى الخدمات الصحية، وتعزيز فرص العمل المرن الذي يسمح بتحسين التوازن بين الحياة المهنية والأسرية.
الأسرة في مناطق النزاع والنزوح
تشير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن أكثر من 100 مليون شخص حول العالم يعيشون حالة نزوح قسري بسبب النزاعات المسلحة أو الكوارث الطبيعية، وهو ما يعني تفكك ملايين الأسر أو تعرضها لضغوط هائلة.
وتؤكد التقارير أن الأسر النازحة تواجه تحديات مضاعفة تشمل فقدان مصادر الدخل، وصعوبة الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية، وارتفاع معدلات العنف والاستغلال، خصوصا ضد النساء والأطفال.
كما تشير البيانات إلى أن مخيمات النزوح غالبا ما تعاني من نقص الخدمات الأساسية مثل المياه النظيفة والصرف الصحي، ما يزيد من المخاطر الصحية ويؤثر على استقرار الأسرة على المدى الطويل.
الصحة النفسية داخل الأسرة
تؤكد منظمة الصحة العالمية أن الصحة النفسية أصبحت أحد أهم التحديات التي تواجه الأسر في العصر الحديث، حيث يعاني واحد من كل ثمانية أشخاص في العالم من اضطرابات نفسية.
وتوضح المنظمة أن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب النزاعات وعدم الاستقرار، تؤثر بشكل مباشر على العلاقات الأسرية، وتزيد من معدلات التوتر والعنف الأسري في بعض الحالات.
كما تشير التقارير إلى أن تعزيز الدعم النفسي داخل الأسرة يسهم في بناء بيئة أكثر استقرارا، ويقلل من آثار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية على الأفراد.
الأسرة والسياسات الاجتماعية الدولية
تدعو الأمم المتحدة الدول إلى تعزيز السياسات الاجتماعية التي تدعم الأسرة، بما في ذلك أنظمة الحماية الاجتماعية، وإجازات الأمومة والأبوة، ودعم التعليم والصحة، وتوفير شبكات أمان اجتماعي للفئات الأكثر هشاشة.
وتؤكد المنظمة أن الدول التي تستثمر في دعم الأسرة تحقق مستويات أعلى من التنمية البشرية والاستقرار الاجتماعي، حيث تنعكس هذه السياسات بشكل مباشر على خفض معدلات الفقر وتحسين جودة الحياة.
كما تشير التقارير إلى أن الاستثمار في الأسرة لا يقتصر على البعد الاجتماعي فقط، بل يمتد إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي والسياسي على المدى الطويل.
يذكر أن اليوم العالمي للأسرة قد اعتمد من قِبل الأمم المتحدة في عام 1993، ويُحتفل به سنويا في 15 مايو من كل عام بهدف تسليط الضوء على أهمية الأسرة باعتبارها الوحدة الأساسية في المجتمع.
ويركز هذا اليوم على قضايا مثل الفقر، والمساواة بين الجنسين، والتعليم، والصحة، والتغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي تؤثر على الأسر، وتعمل وكالات الأمم المتحدة المختلفة مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومنظمة العمل الدولية، ومنظمة الصحة العالمية، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” على دراسة أوضاع الأسر حول العالم وتقديم توصيات وسياسات تهدف إلى تعزيز استقرارها وقدرتها على مواجهة التحديات المتزايدة في عالم سريع التغير.
