تشهد العاصمة الأفغانية كابول أزمة متصاعدة داخل قطاع التعليم الحكومي، بعد قرار إلغاء آلاف الوظائف التعليمية ضمن سياسة تقليص الإنفاق، ما أدى إلى تفاقم النقص الحاد في الكوادر التدريسية داخل المدارس الحكومية، وسط تحذيرات أممية من تراجع مستمر في جودة التعليم واتساع الفجوة بين القدرة المؤسسية واحتياجات الطلاب.
ووفق وثيقة صادرة عن وزارة المعارف في أفغانستان، تم إلغاء أكثر من 6000 وظيفة تعليمية ضمن خطة تقليص الوظائف للعام الجاري، في إطار سياسة أوسع لخفض النفقات في المؤسسات الحكومية، وتشير الوثيقة إلى أن هذا القرار جاء في سياق إعادة هيكلة الجهاز الإداري، لكنه انعكس مباشرة على قدرة المدارس على توفير العدد الكافي من المعلمين في الفصول الدراسية.
وتوضح الوثيقة ذاتها أن السلطات التعليمية اقترحت إجراءات لتعويض النقص، من بينها رفع عدد الطلاب في الصف الواحد إلى 45 طالبًا، وزيادة العبء التدريسي إلى 23 ساعة أسبوعيًا للمعلمين، إلى جانب إعادة توزيع الكوادر التعليمية بين المدارس دون مراعاة المسافات الجغرافية، وهي إجراءات أثارت مخاوف من زيادة الضغط على النظام التعليمي بدل تحسينه.
أزمة تعليمية ممتدة ومؤشرات تراجع حاد
تشير بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “يونسكو” في تقرير التعليم في أفغانستان لعام 2025 إلى أن النظام التعليمي في البلاد يواجه أزمة هيكلية عميقة تشمل نقص المعلمين وضعف التمويل وتدهور البنية التحتية، وهو ما أثر بشكل مباشر على جودة التعليم في المدارس الحكومية.
ووفق التقرير المشترك، فإن أكثر من 2.13 مليون طفل في سن التعليم الابتدائي خارج المدرسة، في حين يعاني جزء كبير من الطلاب الملتحقين من تدني مستوى التعلم، حيث تشير البيانات إلى أن أكثر من 90 في المئة من الأطفال في سن العاشرة غير قادرين على قراءة نص بسيط، ما يعكس ما وصفته المنظمات الأممية بأزمة تعلم حادة.
وتؤكد منظمة اليونيسف في تقريرها حول وضع التعليم في أفغانستان لعام 2025 أن جودة التعليم تتدهور بشكل مستمر بسبب نقص المعلمين المؤهلين، خاصة في المناطق الحضرية والريفية على حد سواء، إلى جانب محدودية الموارد التعليمية وضعف الإشراف التربوي.
ضغط متزايد على الفصول الدراسية
تؤكد مصادر تعليمية محلية في كابول أن نقص المعلمين الناتج عن إلغاء الوظائف أدى إلى دمج بعض الصفوف الدراسية، ما رفع الكثافة الطلابية بشكل ملحوظ داخل الفصول، وأدى إلى تقليص الوقت المخصص لكل طالب داخل العملية التعليمية.
وتشير الوثيقة التعليمية إلى أن رفع عدد الطلاب إلى 45 طالبًا في الفصل الواحد أصبح أحد الخيارات المطروحة رسميا للتعامل مع العجز في الكوادر، وهو ما يتجاوز المعدلات التربوية الموصى بها في المعايير الدولية التي تؤكد أهمية تقليل الكثافة الصفية لتحسين جودة التعليم.
كما تفيد تقارير ميدانية نقلتها وسائل إعلام أفغانية بأن بعض المدارس باتت تعمل بعدد محدود من المعلمين، ما اضطر إداراتها إلى تقليص عدد الحصص اليومية وإعادة توزيع المواد الدراسية على معلمين غير متخصصين في بعض الحالات.
وضع المعلمين وتراجع الحوافز المهنية
وفق تقارير البنك الدولي حول قطاع التعليم في أفغانستان لعام، يعاني المعلمون من تراجع واضح في الرواتب وتأخر في صرفها، إضافة إلى ضعف الحوافز المهنية، ما أدى إلى انخفاض جاذبية مهنة التعليم وتراجع الاستقرار الوظيفي داخل القطاع.
وتشير بيانات أممية إلى أن الضغوط الاقتصادية العامة في البلاد دفعت العديد من المعلمين إلى البحث عن أعمال إضافية لتغطية احتياجاتهم الأساسية، وهو ما انعكس على مستوى الالتزام داخل المدارس وجودة التدريس.
كما تؤكد مصادر تعليمية أن عمليات نقل المعلمين بين المدارس دون مراعاة المسافات الجغرافية زادت من الأعباء اليومية على الكوادر التدريسية، خصوصًا في ظل ضعف وسائل النقل والبنية التحتية في العاصمة والمناطق المحيطة.
التحول في بنية التعليم وأولوياته
تشير تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش إلى أن النظام التعليمي في أفغانستان يشهد تحولًا في بنية الأولويات، مع توسع ملحوظ في التعليم الديني مقارنة بالتعليم العام، ما يثير مخاوف بشأن مستقبل التعليم النظامي.
ووفق بيانات وزارة المعارف، يوجد أكثر من 21 ألف مدرسة دينية في مختلف أنحاء البلاد، وهو رقم يعكس توسعا كبيرا في هذا القطاع مقارنة بالتعليم الحكومي الذي يعاني من نقص الموارد البشرية والمادية.
وتؤكد منظمة العفو الدولية، في تقريرها لعام 2025، حول أوضاع حقوق الإنسان في أفغانستان أن هذا التوسع في التعليم الديني مقابل تراجع التعليم العام يخلق اختلالًا في فرص التعليم المتوازن، ويزيد من التحديات المرتبطة بجودة التعليم ومحتواه الأكاديمي.
بين التوسع والتراجع
شهد قطاع التعليم في أفغانستان خلال العقدين الماضيين تقلبات كبيرة بين التوسع والتراجع، حيث سجل تقدم نسبي في معدلات الالتحاق بالمدارس بعد عام 2001، وفق بيانات الأمم المتحدة، قبل أن تتأثر هذه المكاسب بتغيرات سياسية واقتصادية لاحقة.
وتوضح تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن النظام التعليمي كان يعاني أصلًا من نقص في الكوادر التعليمية قبل السنوات الأخيرة، بسبب ضعف الاستثمار في تدريب المعلمين والبنية التحتية، ما جعل القطاع هشًا أمام الصدمات السياسية والاقتصادية.
ومع التغيرات التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة، دخل التعليم مرحلة إعادة هيكلة شاملة شملت تقليص الإنفاق وتعديل السياسات التعليمية، ما أدى إلى إعادة تشكيل خريطة التعليم العام والديني.
التداعيات الاجتماعية والإنسانية
تحذر منظمة اليونيسف من أن استمرار نقص المعلمين وارتفاع كثافة الفصول الدراسية يؤدي إلى تراجع كبير في مستويات التعلم، ما ينعكس على مستقبل الأطفال وقدرتهم على اكتساب المهارات الأساسية.
وتشير المنظمة إلى أن ضعف التعليم في المراحل الأساسية يرتبط بزيادة معدلات الفقر والبطالة على المدى الطويل، ويؤثر على فرص الشباب في الاندماج في سوق العمل، ما يعمق التحديات الاجتماعية والاقتصادية في البلاد.
كما تؤكد تقارير الأمم المتحدة أن التدهور في جودة التعليم يؤدي إلى اتساع الفجوة التنموية بين الأجيال، ويزيد من هشاشة الفئات الأكثر ضعفًا داخل المجتمع، خاصة في المناطق الفقيرة والريفية.
الحق في التعليم في الإطار الدولي
ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن التعليم حق أساسي مكفول لكل فرد، كما تؤكد اتفاقية حقوق الطفل على ضرورة ضمان التعليم الأساسي المجاني والإلزامي دون تمييز.
وتشير منظمة اليونسكو إلى أن أي تراجع واسع في قدرة الدول على توفير التعليم الأساسي نتيجة السياسات الاقتصادية أو الإدارية يمثل تحديًا مباشرًا للالتزامات الدولية في مجال حقوق الإنسان.
مستقبل التعليم في كابول
في ظل استمرار إلغاء الوظائف التعليمية وتزايد الضغط على الكوادر التدريسية، تواجه المدارس الحكومية في كابل تحديًا متزايدًا يتعلق بقدرتها على الحفاظ على الحد الأدنى من جودة التعليم.
وبينما تعتمد السلطات على حلول إدارية مثل زيادة كثافة الصفوف وإعادة توزيع المعلمين، تشير تقارير أممية إلى أن هذه الإجراءات قد تكون حلولًا قصيرة المدى لا تعالج جذور الأزمة المرتبطة بالتمويل والتخطيط والبنية التحتية.
ومع استمرار هذه التحديات، يبقى قطاع التعليم في أفغانستان أمام مسار معقد تتداخل فيه الأبعاد الاقتصادية والسياسية والحقوقية، في وقت تتسع فيه الفجوة بين احتياجات الطلاب وقدرة النظام التعليمي على الاستجابة لها.

