غادرت “أم محمد” منزلها بحثاً عن الأمان، لكنها لم تصل إلى نهاية الرحلة، فالهرب من منطقة النزاع نقل أسرتها من الخوف من القتال إلى مواجهة يومية مع المأوى وتكاليف المعيشة والحصول على الخدمات الأساسية.
حال “أم محمد” تتكرر بين آلاف الأسر اليمنية التي دفعتها المعارك الأخيرة إلى النزوح، فمنذ مطلع سبتمبر/أيلول 2026، غادرت 27,413 أسرة تضم 180,513 فرداً إلى عشر محافظات، وفق أرقام الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين حتى 23 سبتمبر/ أيلول، في بلد يضم أصلاً نحو 5.2 مليون نازح داخلياً.
ولا تنتهي الأزمة بالوصول إلى مكان أكثر أمناً، فموجة النزوح الجديدة تضغط على محافظات تعاني أساساً نقص الموارد وتراجع الخدمات، وتضع الأسر أمام احتياجات تبدأ بالمأوى والغذاء ولا تنتهي بالحماية و الصحة والتعليم ومصادر الدخل والعودة الآمنة.

عشرات الآلاف على طرق النزوح
يقول نجيب السعدي، رئيس الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين، في تصريحات خاصة لـ”صفر”، إن تعز استقبلت 13,409 أسر، ولحج 5,782 أسرة، وعدن 3,741 أسرة، في حين استقبلت أبين 2,157 أسرة.
وتتقاطع الأرقام الحكومية مع بيانات مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة التي سجلت 134,550 نازحاً، يمثلون 22,425 أسرة، منذ بدء التصعيد في يونيو/حزيران وحتى 23 سبتمبر/ أيلول.
ووفق المنظمة، تركز 56% من الحالات في تعز بواقع 75,180 شخصاً، و26% في لحج بـ34,446 شخصاً، و8% في عدن بـ10,920 شخصاً، ويعود التفاوت مع الأرقام الحكومية إلى اختلاف الفترات الزمنية ونطاق الرصد ومنهجياته.
وترتبط الموجة بتصعيد عسكري بين القوات الحكومية وجماعة الحوثي بدأ في يونيو/ حزيران، وتسارع بصورة حادة منذ 3 سبتمبر/ أيلول على امتداد الساحل الغربي وجبهات جنوب تعز. وخلال 72 ساعة فقط نزح نحو 18,500 شخص في تعز والحديدة.
وأعلنت جماعة الحوثي سيطرتها على مناطق في الحديدة وتعز، في حين تقول القوات الحكومية إنها استعادت مواقع استراتيجية في تعز ولحج، ولم يتسن لـ”صفر” التحقق بصورة مستقلة من خرائط السيطرة المتغيرة.
وتفيد المنظمة الدولية للهجرة بأن قرى أُفرغت من سكانها مع اقتراب الاشتباكات من المناطق المأهولة، في حين أدى قطع الطريق بين المخا وتعز إلى دفع مزيد من السكان جنوباً. وعبر نحو 2,776 شخصاً البحر إلى جيبوتي حتى 16 سبتمبر/ أيلول، في حين اضطرت أسر كانت نازحة أصلاً إلى النزوح مرة ثانية.

لحج.. تستقبل النازحين وتنزح
تكشف لحج تعقيد الأزمة، فالمحافظة التي تستقبل آلاف النازحين تشهد النزوح من داخلها أيضاً؛ إذ فر نحو 19 ألف شخص من مديرية المضاربة والعارة وحدها بحلول منتصف سبتمبر/ أيلول. وفي عدن تتوزع الأسر النازحة بين البريقة ودار سعد والشيخ عثمان والمعلا وخور مكسر، في مدينة تواجه ارتفاع الإيجارات وضغطاً على المياه والصرف الصحي والمدارس والخدمات الصحية.
وتقول الحقوقية اليمنية إيمان راجح لـ”صفر” إن ما يجري في الساحل الغربي انعكس مباشرة على لحج وعدن، وإن العبء لم يعد يقع على النازحين وحدهم، بل يمتد إلى المجتمعات التي تستقبلهم وتقاسمهم مواردها المحدودة.
وترى أن الاستجابة يجب ألا تتوقف عند لحظة النزوح، فالأسر تحتاج بعد تأمين احتياجاتها العاجلة إلى الحماية والرعاية الصحية والتعليم ومصادر دخل تساعدها على استعادة قدر من الاستقرار والكرامة، داعية إلى تنسيق أكبر بين الحكومة والمنظمات الإنسانية والمجتمع المحلي.

احتياجات تتجاوز المأوى
يقول السعدي إن الاحتياجات تشمل المأوى والغذاء والمياه والصرف الصحي والرعاية الصحية والحماية والمساعدات النقدية، موضحاً أن بعض الأسر تصل “دون غذاء أو مياه أو خدمات أو دعم”.
وتكشف بيانات فرع الوحدة التنفيذية في مأرب عن هشاشة الأسر التي وصلت إلى المحافظة ضمن الموجة؛ إذ يمثل الأطفال 52% من الوافدين والنساء 26%، في حين تعيل النساء 9% من الأسر، ويشكل كبار السن 6% وذوو الإعاقة 3%.
وتأتي الموجة وسط أزمة إنسانية أوسع؛ إذ يحتاج 22.3 مليون يمني إلى المساعدة والحماية، ويعاني 18.3 مليون شخص انعدام الأمن الغذائي الحاد، وأكثر من 2.2 مليون طفل دون الخامسة سوء التغذية الحاد، في حين يحتاج 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي.
المدنيون والحماية
وثق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مقتل 32 مدنياً على الأقل منذ مطلع أغسطس/آب، بينهم 15 طفلاً وثلاث نساء، في حين قُتل وأصيب ما لا يقل عن 125 مدنياً جراء القتال والقصف وهجمات المسيّرات والصواريخ.
ويلزم القانون الدولي الإنساني أطراف النزاع بحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات، في حين تحظر المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن التشريد الداخلي التهجير التعسفي وتكفل حق النازحين في العودة الطوعية والآمنة والكريمة.
لكن الاستجابة تواجه فجوة تمويل كبيرة، فخطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026 تطلب نحو 2.16 مليار دولار، في حين لم يتجاوز التمويل المتاح حتى مايو/أيار 12.7% من المطلوب، ومع اتساع النزوح أُفرج عن 9 ملايين دولار من الصندوق المركزي للاستجابة للطوارئ لدعم النازحين والمجتمعات المستضيفة.
ويقر السعدي بأن الحكومة لا تمتلك الإمكانات اللازمة للاستجابة لجميع الأسر، داعياً وكالات الأمم المتحدة والمنظمات والمانحين إلى حشد الموارد وعدم تأخير التدخل.
عودة أبعد من فتح الطريق
بالنسبة إلى “أم محمد” وآلاف الأسر مثلها، لا تعني العودة مجرد توقف القتال أو فتح الطريق، فهي ترتبط بإزالة الألغام ومخلفات الحرب وإعادة الخدمات والإعمار وتوفر مصادر الدخل وضمان عدم تكرار النزوح.
وتختصر إيمان راجح المشهد بقولها إن النازح “ليس مجرد رقم في إحصائية، وإنما إنسان فقد بيته وأمانه واستقراره”.
خلف رقم 180 ألف نازح تقف آلاف القصص المشابهة لقصة “أم محمد”، هناك أسر نجت من القتال، لكنها لم تصل بعد إلى الاستقرار، فالنجاة من المعركة لا تنهي النزوح حين تبدأ بعدها معركة أخرى من أجل المأوى والحماية والكرامة والعودة الآمنة إلى البيت.
