منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

مياه شحيحة وأمراض واكتظاظ.. أزمات متفاقمة تكشف تحديات حقوق الإنسان في سجن طهران الكبير

09 يوليو 2026
سجن طهران الكبير
سجن طهران الكبير

عاد سجن طهران الكبير، المعروف أيضا في إيران باسم سجن فشافويه، إلى واجهة الاهتمام الحقوقي بعد توالي التقارير التي تحدثت عن تدهور الأوضاع الإنسانية داخله، في ظل شكاوى متكررة من نقص المياه، وضعف الخدمات الصحية، وانتشار الأمراض الجلدية، إضافة إلى تفاوت واضح في ظروف الاحتجاز بين الأجنحة المختلفة.

وتضع هذه التطورات أوضاع السجون الإيرانية مجددا تحت مجهر المنظمات الحقوقية الدولية التي تؤكد أن ظروف الاحتجاز تشكل جزءا أساسيا من التزامات الدول بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.

وأكدت منظمة هرانا، وهي وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان في إيران، في تقرير نشرته خلال مارس 2026، أن عددا من السجون الإيرانية، ومن بينها سجن طهران الكبير، شهد نقصا في مياه الشرب، وتراجعا في جودة الغذاء، ونقصا في الأدوية، إضافة إلى تراجع الخدمات الطبية المقدمة للنزلاء، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على أوضاع المحتجزين الصحية.

أزمة مياه تتجاوز حدود الخدمة

تشير المعلومات الواردة من داخل الوحدة الأولى في سجن طهران الكبير إلى أن أزمة المياه تجاوزت مجرد الانقطاع المؤقت، وأصبحت تمس أبسط متطلبات الحياة اليومية للسجناء، وذكرت مصادر نقلت عنها منظمات حقوقية أن المياه لا تصل بصورة منتظمة إلى عدد من الحمامات ودورات المياه، بينما يضطر المحتجزون إلى نقل المياه يدويا من أقسام أخرى باستخدام أوعية بلاستيكية حتى يتمكنوا من الاستحمام أو تنظيف أماكن الاحتجاز.

ويرى خبراء القانون الدولي أن الحصول على المياه النظيفة يمثل حقا أساسيا لا يسقط بسبب الحرمان من الحرية، إذ تنص قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، المعروفة باسم قواعد نيلسون مانديلا، على ضرورة توفير مياه صالحة للشرب ومرافق صحية مناسبة لجميع المحتجزين دون استثناء.

وترتبط أزمة المياه داخل السجن أيضا بالأزمة المائية الواسعة التي تشهدها إيران، وتشير تقارير متخصصة إلى أن البلاد تعد من أكثر دول العالم تعرضا للإجهاد المائي، بينما شهدت طهران خلال السنوات الأخيرة انخفاضا حادا في مخزون السدود وتراجعا في معدلات الأمطار، وهو ما فرض ضغوطا متزايدة على شبكات الإمداد المائي.

انتشار الجرب يثير المخاوف

سلّطت التقارير الحقوقية الضوء على انتشار مرض الجرب بين عدد من نزلاء الوحدة الأولى، وهو مرض جلدي شديد العدوى ينتقل بسرعة في البيئات المغلقة والمكتظة التي تعاني نقصا في النظافة الشخصية والرعاية الطبية.

وأكدت المعلومات التي نشرتها منظمات حقوقية إيرانية أن عددا من السجناء يعاني منذ أشهر من أعراض المرض، في وقت لا تتوافر فيه كميات كافية من الأدوية أو برامج علاج جماعية تحد من انتقال العدوى بين المحتجزين.

وتوضح منظمة الصحة العالمية أن الجرب ينتشر بسهولة في أماكن الاحتجاز المكتظة، وأن السيطرة عليه تتطلب علاجا جماعيا وتحسينا فوريا لظروف النظافة، إلى جانب توفير المياه والأدوية اللازمة، لأن الاقتصار على علاج الحالات الفردية لا يوقف انتقال العدوى داخل التجمعات المغلقة.

الرعاية الصحية تحت الاختبار

تربط المنظمات الحقوقية بين انتشار الأمراض داخل السجون الإيرانية وضعف الخدمات الطبية المتاحة للنزلاء. وأكدت منظمة إيران لحقوق الإنسان، ومقرها النرويج، أن أوضاع عدد من السجون الإيرانية، بما فيها سجن طهران الكبير، شهدت تراجعا ملحوظا خلال الأشهر الماضية، مع ورود تقارير عن نقص الغذاء والمياه والخدمات الطبية، خصوصا خلال الظروف الأمنية التي مرت بها البلاد.

وتنص قواعد نيلسون مانديلا على أن الرعاية الصحية داخل السجون يجب أن تعادل مستوى الخدمات الصحية المتاحة في المجتمع، وأن يحصل جميع المحتجزين على العلاج دون تمييز، مع ضمان استقلالية الطواقم الطبية عن سلطات السجون في القرارات العلاجية.

التمييز بين الأجنحة

أثارت التقارير المتعلقة بالفوارق بين الوحدات المختلفة داخل سجن طهران الكبير تساؤلات إضافية بشأن مبدأ المساواة بين السجناء.

وذكرت مصادر حقوقية أن الوحدة الخامسة، التي تضم عددا كبيرا من المحكومين في قضايا مالية، تتمتع بخدمات أفضل نسبيا من حيث النظافة والرعاية الصحية مقارنة بالوحدة الأولى، التي تواجه نقصا في المياه والخدمات الأساسية.

ويرى متخصصون في القانون الدولي أن أي تمييز في مستوى الخدمات داخل السجون يجب أن يستند إلى اعتبارات صحية أو أمنية واضحة، وليس إلى طبيعة التهم أو الوضع الاجتماعي للنزلاء، لأن قواعد الأمم المتحدة تؤكد المساواة في المعاملة والتمتع بالحقوق الأساسية.

ازدحام يزيد الأزمة تعقيدا

تؤكد تقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش خلال الأعوام الأخيرة أن الاكتظاظ المزمن يمثل أحد أبرز المشكلات التي تواجه السجون الإيرانية، حيث يؤدي ارتفاع أعداد النزلاء إلى زيادة الضغوط على خدمات المياه والصرف الصحي والرعاية الطبية، ويضاعف مخاطر انتشار الأمراض المعدية.

كما يشير المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في إيران في تقاريره الدورية إلى استمرار المخاوف المرتبطة بظروف الاحتجاز، والحصول على الرعاية الطبية، ومعاملة المحتجزين، داعيا السلطات الإيرانية إلى الالتزام بالمعايير الدولية الخاصة بإدارة السجون وضمان حقوق جميع المحتجزين.

 دعوات أممية لتحسين أوضاع الاحتجاز

أكد المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في إيران في تقاريره الدورية المقدمة إلى مجلس حقوق الإنسان والجمعية العامة للأمم المتحدة أن أوضاع السجون الإيرانية ما تزال تثير مخاوف جدية، خاصة في ما يتعلق بالحصول على الرعاية الصحية، وظروف الاحتجاز، وحقوق السجناء في العلاج والتواصل مع أسرهم.

ودعا المقرر الخاص السلطات الإيرانية إلى الالتزام بالتزاماتها الدولية، والسماح بإجراء رقابة مستقلة على أماكن الاحتجاز، وضمان حصول جميع المحتجزين على الحقوق الأساسية التي يكفلها القانون الدولي، كما شدد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان في بيانات متعاقبة على أن معاملة الأشخاص المحرومين من حريتهم يجب أن تحترم كرامتهم الإنسانية دون تمييز، وأن الدول تتحمل المسؤولية الكاملة عن سلامتهم الجسدية والنفسية داخل أماكن الاحتجاز.

 منظمات حقوقية توثق الانتهاكات

واصلت منظمة العفو الدولية توثيق ما وصفته بالمخاوف المستمرة بشأن أوضاع السجون في إيران، مؤكدة في تقريرها السنوي أن السجناء يواجهون قيودا على الحصول على الرعاية الطبية، إلى جانب الاكتظاظ وسوء ظروف الاحتجاز في عدد من المؤسسات العقابية، وأشارت المنظمة إلى أن السلطات الإيرانية لم تستجب بصورة كافية للمطالب المتكررة بتحسين الخدمات الصحية داخل السجون، معتبرة أن الحرمان من العلاج المناسب قد يرقى في بعض الحالات إلى المعاملة القاسية أو اللاإنسانية.

من جانبها، أكدت هيومن رايتس ووتش في تقاريرها الخاصة بإيران أن السجون الإيرانية شهدت خلال السنوات الأخيرة شكاوى متكررة من ضعف الرعاية الصحية، وتأخر نقل المرضى إلى المستشفيات، والقيود المفروضة على الحصول على العلاج، داعية السلطات إلى إجراء إصلاحات عاجلة تضمن احترام حقوق جميع المحتجزين وفقا للمعايير الدولية.

هرانا ومركز حقوق الإنسان في إيران

وثّقت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان هرانا بصورة متكررة أوضاع سجن طهران الكبير، ونقلت شهادات تحدثت عن نقص المياه، ورداءة الغذاء، وضعف الخدمات الصحية، وانتشار بعض الأمراض الجلدية، إضافة إلى شكاوى من اكتظاظ بعض العنابر.

 كما نشر مركز حقوق الإنسان في إيران، ومقره نيويورك، تقارير تناولت أوضاع السجون الإيرانية، وأكد أن تراجع الخدمات الأساسية داخل بعض مراكز الاحتجاز يزيد من المخاطر الصحية، خاصة بالنسبة لكبار السن والسجناء الذين يعانون أمراضا مزمنة.

وأشار المركز إلى أن استمرار القيود على وصول المحامين والأسر إلى المعلومات المتعلقة بالأوضاع الداخلية للسجون يحد من إمكانات التحقق المستقل، ويجعل توثيق الانتهاكات أكثر صعوبة.

 القانون الدولي يحدد المسؤوليات

ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي انضمت إليه إيران، على ضرورة معاملة جميع الأشخاص المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية تحترم الكرامة الأصيلة للإنسان.

 كما تؤكد قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، المعروفة باسم قواعد نيلسون مانديلا، ضرورة توفير مياه الشرب النظيفة، والغذاء الكافي، والرعاية الصحية، والنظافة الشخصية، وبيئة احتجاز لا تعرض السجناء للأمراض أو الأخطار الصحية.

وتحظر هذه القواعد أي تمييز في تقديم الخدمات داخل السجون على أساس الوضع القانوني أو نوع الجريمة أو الخلفية الاجتماعية أو السياسية للسجين، وتؤكد أن إدارة السجون تتحمل مسؤولية حماية صحة المحتجزين، وأن الرعاية الطبية داخل أماكن الاحتجاز يجب أن تماثل مستوى الرعاية المتاحة في المجتمع.

 الاكتظاظ يمثل تحديا مستمرا

تشير تقديرات منظمات حقوقية إلى أن السجون الإيرانية تعاني منذ سنوات من الاكتظاظ، وهو عامل يزيد الضغوط على البنية التحتية والخدمات الصحية.

ولا تنشر السلطات الإيرانية بصورة منتظمة بيانات تفصيلية عن أعداد السجناء أو نسب الإشغال في جميع المؤسسات العقابية، إلا أن تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية تؤكد أن ارتفاع أعداد المحتجزين يؤدي إلى تفاقم المشكلات المتعلقة بالنظافة والرعاية الصحية والوقاية من الأمراض المعدية.

ويرى خبراء في إدارة السجون أن الاكتظاظ عندما يقترن بنقص المياه أو ضعف الصرف الصحي يرفع احتمالات انتشار الأمراض الجلدية والتنفسية والمعوية، ويجعل السيطرة على العدوى أكثر تعقيدا.

سجن طهران الكبير في قلب الانتقادات

افتتحت السلطات الإيرانية سجن طهران الكبير، المعروف أيضا باسم سجن فشافويه، جنوب العاصمة طهران خلال العقد الماضي بهدف استيعاب أعداد كبيرة من السجناء، إلا أن السجن تحول خلال السنوات الأخيرة إلى محور متكرر لانتقادات المنظمات الحقوقية، التي تحدثت عن أوضاع معيشية صعبة ونقص في الخدمات الأساسية.

وزادت أهمية السجن بعد نقل مجموعات من السجناء إليه في مراحل مختلفة، خاصة عقب التطورات الأمنية التي شهدتها إيران، وهو ما أدى إلى زيادة الضغط على مرافقه، بحسب تقارير حقوقية.

 تأثير الأزمة على السجناء وأسرهم

لا تقتصر تداعيات تدهور أوضاع الاحتجاز على السجناء وحدهم، بل تمتد إلى أسرهم التي تواجه صعوبات في الاطمئنان على أوضاع ذويها، والحصول على معلومات دقيقة بشأن حالتهم الصحية. كما تؤكد منظمات حقوق الإنسان أن تراجع الرعاية الطبية داخل السجون قد يترك آثارا طويلة الأمد على صحة المحتجزين، خاصة المصابين بأمراض مزمنة أو كبار السن.

وترى المنظمات الحقوقية أن تحسين ظروف الاحتجاز لا يمثل امتيازا للسجناء، بل التزاما قانونيا يقع على عاتق الدولة بموجب الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها، وأن احترام الكرامة الإنسانية داخل السجون يعد مؤشرا أساسيا على التزام الدول بسيادة القانون.

مطالب برقابة مستقلة

دعت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش ومركز حقوق الإنسان في إيران وهرانا إلى السماح لجهات مستقلة بزيارة السجون، والتحقق من أوضاع المحتجزين، ونشر نتائج الزيارات بشفافية، كما طالبت هذه المنظمات بإجراء تحقيقات مستقلة في الشكاوى المتعلقة بنقص المياه والرعاية الصحية، واتخاذ خطوات عملية لمعالجة أوجه القصور، وضمان عدم تعرض السجناء لأي معاملة تنتهك حقوقهم الأساسية.

وأكد خبراء الأمم المتحدة في مناسبات مختلفة أن الشفافية والرقابة المستقلة تمثلان عنصرين أساسيين لتعزيز الثقة في منظومة العدالة، وضمان احترام المعايير الدولية داخل أماكن الاحتجاز.

أزمة تتجاوز أسوار السجن

تعكس التطورات الأخيرة في سجن طهران الكبير تحديات أوسع تواجه منظومة السجون الإيرانية، حيث تتقاطع مشكلات البنية التحتية، والضغوط الناتجة عن الاكتظاظ، ونقص الموارد، مع مطالب المنظمات الحقوقية بإجراء إصلاحات شاملة، وبينما تستمر التقارير الحقوقية في التحذير من التداعيات الصحية والإنسانية لهذه الأوضاع، تؤكد قواعد القانون الدولي أن حماية كرامة السجناء، وتوفير المياه النظيفة، والرعاية الصحية، وبيئة احتجاز آمنة، ليست خيارات إدارية، بل التزامات قانونية تقع على عاتق الدولة تجاه جميع الأشخاص المحرومين من حريتهم، بصرف النظر عن طبيعة التهم أو الأحكام الصادرة بحقهم.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print