تواجه مجموعة من السجينات السياسيات في سجن إيفين الإيراني قيوداً متزايدة على الاتصال والزيارة والوصول إلى المحامين، بعد مشاركتهن في احتجاجات داخلية ضد تنفيذ أحكام الإعدام، وفي حملة “الثلاثاء لا للإعدام” التي تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى إحدى أبرز صور الاحتجاج السلمي داخل السجون الإيرانية.
وتكشف هذه القضية وجهاً شديد الحساسية من أوضاع السجناء السياسيين في إيران؛ فالعقوبة لا تتوقف عند السجن نفسه، بل تمتد إلى الحرمان من الروابط العائلية، وتقييد الاتصال بالعالم الخارجي، واستخدام العزل والإجراءات الانضباطية للضغط على السجناء والسجينات الذين يواصلون الاعتراض على أحكام الإعدام أو يطالبون بحقوقهم الأساسية.
وتأتي هذه التطورات في سياق حقوقي أكثر اتساعاً، إذ تشهد إيران تصاعداً غير مسبوق في تنفيذ أحكام الإعدام، وتزايداً في الاعتقالات والمحاكمات المرتبطة بالتعبير السياسي والاحتجاج، وسط تحذيرات محلية ودولية وأممية من أن السجون أصبحت مساحة إضافية لإسكات المعارضين والناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان.
قيود على الاتصال والزيارة
استناداً إلى تقارير حقوقية من داخل سجن إيفين، ما زالت كل من إلهه فولادي، وفروغ تقي بور، وسكينة بروانه، وشيوا إسماعيلي، وزهرا صفائي، وكلرخ إيرائي، ومرضية فارسي، ووريشة مرادي محرومات من الزيارة العائلية ولقاء المحامين، بعد تشديد القيود عليهن على خلفية احتجاجاتهن ضد الإعدام.
وتقول مصادر قريبة من عائلات السجينات إن مسؤولي السجن فرضوا خلال الأسابيع الماضية قيوداً إضافية على النساء السجينات السياسيات، وهو إجراء أثار ردود فعل من منظمات حقوقية وناشطين مدنيين.
وفي تطور لاحق، حُرمت خمس سجينات، هن كلرخ إيرائي، وزهرا صفائي، ومرضية فارسي، وشيوا إسماعيلي، وسكينة بروانه، من استخدام هواتف السجن والتواصل مع عائلاتهن، في إجراء وصفته منظمات حقوقية بأنه عقابي، وجاء عقب احتجاجات داخل جناح النساء في إيفين ضد تنفيذ أحكام الإعدام.
كما أفادت تقارير حقوقية بأن وریشة مرادي، وهي سجينة سياسية كردية في جناح النساء بسجن إيفين، حُرمت بدورها من حق الاتصال بأسرتها، في استمرار للقيود المفروضة على السجينات المرتبطات بالاحتجاجات المناهضة للإعدام.
قضية التواصل داخل السجن
في السياق نفسه، حُرمت نسيم سيمياري من حق الاتصال والزيارة بعد حديثها مع ليندسي فورمن، السجينة البريطانية المحتجزة في إيفين، إذ اعتبر مسؤولو السجن هذا الأمر مخالفة انضباطية.
ويعكس هذا الإجراء، بحسب المدافعين عن حقوق السجناء، اتساع نطاق الرقابة داخل السجن، حيث لا تقتصر القيود على التواصل مع العالم الخارجي، بل تمتد أحياناً إلى التواصل بين السجناء أنفسهم، ما يحول العلاقات الإنسانية داخل أماكن الاحتجاز إلى مساحة مراقبة وعقاب.
وما زالت ليندسي فورمن وزوجها كريغ فورمن محرومين من الاتصال والزيارة والوصول إلى محامٍ، بعد تشديد القيود عليهما عقب حديثهما عن أوضاع السجون في إيران.
وتصف مصادر حقوقية، منها هيومن رايتس ووتش، هذا الوضع بأنه مقلق، خاصة أن الحرمان من الاتصال بالعائلة أو بمحامٍ قد يضع المحتجزين في وضع هش للغاية، ويزيد خطر تعرضهم لضغوط نفسية أو إجراءات تعسفية بعيداً عن الرقابة المستقلة.
ودخل كريغ فورمن في إضراب عن الطعام احتجاجاً على هذا الحرمان، في حين تخوض غزل مرزبان إضراباً عن الطعام اعتراضاً على حكم بالسجن تسع سنوات وثمانية أشهر صادر بحقها.
ويحذر ناشطون في مجال حقوق الإنسان من أن استمرار الإضراب عن الطعام، إلى جانب الضغوط النفسية والقيود المفروضة، قد يعرض صحة هؤلاء السجناء لخطر جسيم.
حملة “الثلاثاء لا للإعدام”
تحولت حملة “الثلاثاء لا للإعدام” خلال الأشهر الأخيرة إلى إحدى أبرز حركات الاحتجاج داخل السجون الإيرانية، وبدأت الحملة في يناير 2024، بعد إعلان سجناء محكومين بالإعدام في سجن قزل حصار الدخول في إضراب رمزي عن الطعام كل يوم ثلاثاء، احتجاجاً على تصاعد تنفيذ أحكام الإعدام.
وبحلول 2 يونيو 2026، وصلت الحملة إلى أسبوعها الثالث والعشرين بعد المئة، وامتدت إلى 56 سجناً في أنحاء إيران، حيث يشارك سجناء سياسيون وغير سياسيين في إضرابات رمزية وبيانات احتجاجية تطالب بوقف الإعدامات.
وتقول منظمات حقوقية، منها منظمة “هرانا” الإيرانية إن سلطات السجون حاولت قمع الحملة عبر التهديد بالنقل إلى الحبس الانفرادي، وتعليق الاتصالات الهاتفية، وحرمان السجناء من الزيارات العائلية، وتشديد الرقابة داخل الأجنحة.
تصاعد الإعدامات في إيران
تأتي القيود على السجينات المشاركات في حملة مناهضة الإعدام وسط تصاعد واسع في تنفيذ أحكام الإعدام داخل إيران. وتقول منظمة العفو الدولية إن السلطات الإيرانية نفذت ما لا يقل عن 2159 عملية إعدام خلال عام 2025، أي أكثر من ضعف رقم عام 2024، وكانت إيران المحرك الرئيسي للارتفاع العالمي في الإعدامات خلال ذلك العام.
وفي المقابل، وثق تقرير مشترك صادر عن منظمة حقوق الإنسان في إيران ومنظمة “معاً ضد عقوبة الإعدام” ما لا يقل عن 1639 عملية إعدام في إيران خلال عام 2025، بزيادة قدرها 68% مقارنة بـ975 إعداماً في عام 2024، وهو أعلى رقم وثقته المنظمتان منذ عام 1989.
ويعود اختلاف الرقمين إلى اختلاف منهجيات التوثيق ومصادر الرصد، لكنه لا يغير من جوهر الاتجاه العام: إيران شهدت في 2025 واحدة من أعنف موجات الإعدام خلال العقود الأخيرة.
كما حذرت هيومن رايتس ووتش في مايو 2026 من تنفيذ ما لا يقل عن 28 إعداماً على خلفية تهم ذات طابع سياسي منذ 18 مارس 2026، داعية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى التحرك العاجل لوقف الإعدامات ذات الدوافع السياسية.
الموقف الحقوقي المحلي
على المستوى الحقوقي المحلي والإيراني، وثقت جهات مثل وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان في إيران، ومنظمات إيرانية مستقلة، حرمان سجينات سياسيات في إيفين من الاتصال والزيارة، وربطت هذه الإجراءات بمشاركتهن في الاحتجاجات ضد الإعدام.
كما نشرت وسائل حقوقية إيرانية تقارير عن حرمان خمس سجينات من استخدام هواتف السجن، وعن منع ثماني سجينات من الزيارات العائلية ولقاء المحامين. وتؤكد هذه الجهات أن مثل هذه العقوبات لا تستند إلى ضمانات شفافة، وتستخدم للضغط على السجناء السياسيين وإسكات الاحتجاجات داخل السجون.
ويحذر نشطاء إيرانيون من أن حرمان السجناء من الاتصال بالعائلة والمحامين يفاقم العزلة، ويزيد خطر سوء المعاملة، ويحول الاحتجاز إلى مساحة مغلقة يصعب مراقبتها أو مساءلة المسؤولين عنها.
الموقف الحقوقي الدولي
ترى منظمة العفو الدولية أن السلطات الإيرانية تستخدم ما تصفه بـ”ظروف الحرب” أو “الأمن القومي” لتكثيف القمع الداخلي، عبر الاعتقالات الجماعية، والمحاكمات السريعة غير العادلة، والإعدامات ذات الدوافع السياسية، والأحكام القاسية، ومصادرة الممتلكات.
وتقول هيومن رايتس ووتش إن السلطات الإيرانية واصلت في 2025 اضطهاد النساء والأقليات والمعارضين الحقيقيين أو المفترضين، وإن وضع حقوق الإنسان دخل أزمة أعمق مع أعلى عدد معروف من الإعدامات منذ عقود، إلى جانب اعتقالات جماعية وتعسفية.
أما منظمات مناهضة عقوبة الإعدام، فتؤكد أن استخدام الإعدام في إيران يتجاوز كونه عقوبة جنائية، ليصبح أداة سياسية لبث الخوف وإسكات المعارضة، خاصة عندما ترتبط الأحكام بتهم فضفاضة أو محاكمات ثورية تفتقر إلى ضمانات المحاكمة العادلة.
الموقف الأممي
على المستوى الأممي، قال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك في أبريل 2026 إن السلطات الإيرانية تشن حملة قمع ضد المعارضة، خصوصاً من خلال استخدام الإعدام والاعتقالات الجماعية والإجراءات القضائية التي تفتقر إلى ضمانات المحاكمة العادلة، داعياً إلى وقف الإعدامات وإطلاق سراح المحتجزين تعسفياً.
كما عبّر خبراء أمميون عن قلقهم من تزايد أحكام الإعدام، خاصة في القضايا التي تثير شكوكاً حول التعذيب والاعترافات القسرية وانتهاك ضمانات المحاكمة العادلة. وسبق لخبراء الأمم المتحدة أن حذروا من المخاطر التي يواجهها سجناء في إيران بسبب التعذيب والاحتجاز التعسفي والتهديد الوشيك بالإعدام.
وتؤكد المعايير الأممية، ومنها قواعد نيلسون مانديلا لمعاملة السجناء، أن حق السجين في التواصل مع أسرته ومحاميه ليس امتيازاً، بل ضمانة أساسية للكرامة الإنسانية والحماية من التعذيب وسوء المعاملة. كما تشدد هذه المعايير على ضرورة ألا تُستخدم القيود التأديبية بطريقة تلغي جوهر الحقوق الأساسية أو تعرض حياة السجين وصحته للخطر.
الحبس لإسكات الاحتجاج
تكشف قضية سجينات إيفين أن السجن في إيران لا يُستخدم فقط لعزل المعارضين عن المجتمع، بل قد يتحول إلى مساحة إضافية لمعاقبة من يواصلون الاحتجاج من الداخل.
فحرمان السجينات من الاتصال والزيارة والوصول إلى المحامي بسبب مشاركتهن في حملة سلمية ضد الإعدام يعكس، من منظور حقوقي، استخداماً للعقوبة داخل العقوبة؛ إذ تصبح الحقوق الأساسية مثل التواصل مع الأسرة أو الحصول على الدعم القانوني مشروطة بالصمت وعدم الاحتجاج.
ويكتسب هذا الملف بعداً إنسانياً خاصاً لأن النساء السجينات، خصوصاً السجينات السياسيات والمدافعات عن حقوق الإنسان، يواجهن ضغطاً مضاعفاً: قمعاً بسبب نشاطهن أو مواقفهن، وعقوبات إضافية عندما يواصلن الدفاع عن الحق في الحياة ورفض الإعدام من داخل السجن.
