منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

تراجع مساحة الديمقراطية في إفريقيا

09 أغسطس 2026
تراجع مساحة الديمقراطية في إفريقيا
تراجع مساحة الديمقراطية في إفريقيا

كان نيلسون تشاميسا، السياسي المعارض الزيمبابوي الذي خاض الانتخابات الرئاسية مرتين، في لندن مؤخراً لحشد الدعم لقضيته الديمقراطية.
وقال، في إشارة إلى صعوبة إزاحة حزب “زانو- بي إف” الحاكم الذي أساء إدارة زيمبابوي خلال معظم الفترة منذ استقلالها عام 1980: “الديمقراطية ليست قهوة سريعة التحضير”.

لكن يتعين على تشاميسا وآخرين أن يواجهوا حقيقة أن آفاق الديمقراطية تتقلص في مختلف أنحاء إفريقيا، فقد بلغت القارة ذروة انتشار الانتخابات المنتظمة، وإن كانت غير مثالية، خلال العقد الأول من القرن الحالي، عندما دفع مزيج من الضغوط الغربية والضغط الشعبي الأحزاب الحاكمة إلى تقديم تنازلات على الصعيد الديمقراطي.

ومنذ ذلك الحين، تقلص الحيز المدني بشكل كبير، في حين اكتفى العالم الخارجي بالمراقبة دون تحرك يُذكر، وعادت الانقلابات التي كانت قد اختفت تقريباً بقوة، وشهد العقد الماضي أكثر من عشرة انقلابات ناجحة.

وبالمثل، تعلم كثير من القادة كيفية التلاعب بالعملية السياسية من خلال التلاعب بالدساتير والانتخابات وقمع حرية التعبير، ففي زيمبابوي تشاميسا، استخدم إيمرسون منانغاغوا الذي حل محل روبرت موغابي رئيساً عام 2017، العنف لضمان فوزه في انتخابي 2018 و2023.

أما الآن، فهو لا يترك شيئاً للصدفة، فقد عدّل البرلمان الدستور لتمديد ولايته حتى عام 2030، ما أثار مخاوف من أن يظل الرجل البالغ من العمر 83 عاماً رئيساً مدى الحياة.

ولا تمثل زيمبابوي حالة معزولة بأي حال، ففي تنزانيا، وهي دولة نادراً ما ترتبط بالقمع الصريح، قتلت قوات الأمن في أكتوبر الماضي مئات الشبان الذين كانوا يحتجون على انتخابات تعرضت لانتقادات واسعة، وجرى خلالها سجن قادة المعارضة.
وكان من بينهم توندو ليسو الذي يُحاكم حالياً بتهم ملفقة بالخيانة.

وفي أوغندا المجاورة، دفع يوري موسيفيني الذي أمضى 40 عاماً في السلطة أحد منافسيه الديمقراطيين، بوبي واين، إلى المنفى، وسجن منافساً آخر، هو زعيم المعارضة المخضرم كييزا بيسيغي.
وكان بيسيغي البالغ من العمر 70 عاماً، والذي يبدو عليه الضعف بوضوح، قد انهار في المحكمة الأسبوع الماضي.

ويمتد هذا الاتجاه السيئ، فقد كانت الدول الغربية تربط المساعدات في السابق بحد أدنى من الالتزام بالديمقراطية، لكن مع خفض ميزانيات المساعدات، فقدت تلك الدول نفوذها..أما الولايات المتحدة التي تتعرض معاييرها الديمقراطية نفسها لضغوط، فلا تتظاهر كثيراً بأنها تفضل التعامل مع الديمقراطيين، ففي جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث تأمل الولايات المتحدة في إبرام صفقات للحصول على المعادن الحيوية، التقط الرئيس فيليكس تشيسيكيدي الإشارة، وأدرك أنه يستطيع بأمان الدفع نحو ولاية رئاسية ثالثة غير دستورية، ولا تبدي القوى الجديدة الساعية إلى الموارد والنفوذ في إفريقيا، من الصين إلى دول الخليج وروسيا، اهتماماً كبيراً بالحريات الديمقراطية.

وتظل الشعوب الإفريقية نفسها هي القوة الوحيدة الداعمة بقوة للديمقراطية في إفريقيا، حيث تظهر استطلاعات “أفروباروميتر”، وهي مؤسسة لاستطلاعات الرأي، باستمرار ارتفاع الطلب على الحكم الديمقراطي.
وفي استطلاع بارز أُجري عام 2024، قال 66% من المشاركين إنهم يفضلون الديمقراطية على أي شكل آخر من أشكال الحكم، في حين رفض 80% حكم الفرد الواحد، وتراجع رفض الحكم العسكري في بعض الدول، بينها مالي وبوركينا فاسو، حيث فُرض هذا النوع من الحكم، ومع ذلك، رفض 66% الحكم من جانب المجلس العسكري في الدول الـ39 التي شملها الاستطلاع.

ويرى البعض أن الديمقراطية لا تناسب الدول الفقيرة المنقسمة على أسس عرقية، ويشير هؤلاء إلى رواندا وإثيوبيا الخاضعتين لحكم سلطوي باعتبارهما قصتي نجاح نسبيتين، لكن يمكن بسهولة بالقدر نفسه الإشارة إلى الكوارث السلطوية في الكاميرون وغينيا الاستوائية وإريتريا.

وعلى المدى الطويل، كانت بعض الاقتصادات الأفضل أداءً دولاً تتمتع بديمقراطيات عاملة إلى حد ما، ومنها بوتسوانا وغانا وكوت ديفوار وكينيا وموريشيوس والسنغال، وحتى نيجيريا وجنوب إفريقيا اللتان يصعب وصفهما بأنهما قصتا نجاح اقتصادي باهر، هما في وضع أفضل بفضل كونهما دولتين ديمقراطيتين.

وطوال كل ذلك، حافظ معظم الأفارقة على إيمانهم بأن الديمقراطية أفضل من البديل، وقد دفع أشخاص مثل بيسيغي وليسو ثمناً باهظاً لقناعاتهم، وهم يستحقون دعمنا.

* ترجمة زينب مكي

فايننشيال تايمز