واصل مهاجرون محاولاتهم للوصول إلى المملكة المتحدة عبر بحر المانش رغم انخفاض أعداد العابرين خلال النصف الأول من العام الجاري مقارنة بالسنوات السابقة، حيث سجلت السلطات البريطانية وصول أولى حالات العبور خلال شهر يوليو وسط ظروف جوية أكثر ملائمة شجعت بعض القوارب الصغيرة على خوض الرحلة البحرية الخطرة من السواحل الفرنسية نحو الأراضي البريطانية.
وأفادت وكالة الأنباء البريطانية بي إيه ميديا بأن صوراً أظهرت وصول مهاجرين يرتدون سترات نجاة إلى ميناء دوفر في مقاطعة كينت على متن قارب تابع لقيادة أمن الحدود البريطانية، مشيرة إلى أن من بين الأشخاص الذين وصلوا عدداً من الأطفال، وجاءت هذه العملية بعد توقف نسبي خلال الأيام السابقة، لتسجل أولى عمليات العبور المعروفة خلال شهر يوليو الحالي.
أرقام تكشف تراجعاً ملحوظاً
أظهرت بيانات وزارة الداخلية البريطانية أن عدد المهاجرين الذين وصلوا إلى المملكة المتحدة عبر بحر المانش منذ بداية عام 2026 وحتى مطلع يوليو بلغ نحو 11 ألفاً و884 مهاجراً، ويعكس هذا الرقم استمرار تدفق الرحلات البحرية غير النظامية، لكنه يمثل في الوقت نفسه انخفاضاً كبيراً مقارنة بالفترة نفسها من الأعوام السابقة.
وسجلت الفترة نفسها من عام 2025 وصول 21 ألفاً و117 مهاجراً عبر القنال الإنجليزي، ما يعني تراجعاً بنسبة 44 في المائة خلال العام الجاري، كما انخفض العدد بنسبة 12 في المئة مقارنة بعام 2024، عندما بلغ عدد الوافدين خلال الفترة ذاتها نحو 13 ألفاً و574 مهاجراً، وفق بيانات وزارة الداخلية البريطانية.
ويأتي هذا التراجع بعد سنوات شهد خلالها بحر المانش ارتفاعاً مستمراً في أعداد محاولات العبور، حيث أصبح أحد أكثر طرق الهجرة غير النظامية نشاطاً نحو أوروبا الغربية، رغم المخاطر الكبيرة التي يواجهها المهاجرون بسبب صغر حجم القوارب المستخدمة وكثافة حركة الملاحة البحرية في المنطقة.
عوامل متعددة وراء الانخفاض
يربط خبراء الهجرة تراجع أعداد العابرين بعدة عوامل متداخلة، منها الظروف الجوية، إذ تؤثر الرياح والأمواج المرتفعة بصورة مباشرة في قدرة المهربين والمهاجرين على تنظيم الرحلات. كما تلعب الإجراءات الأمنية على السواحل الفرنسية والبريطانية دوراً في الحد من بعض محاولات الانطلاق.
وتشير تقديرات السلطات البريطانية إلى أن تشديد الرقابة على شبكات تهريب البشر وملاحقة القائمين عليها يمثل أحد العوامل المؤثرة في تغير أعداد الرحلات، إضافة إلى عوامل أخرى مرتبطة بحركة الهجرة داخل أوروبا، وتغير مسارات المهاجرين القادمين من مناطق تشهد أزمات سياسية أو اقتصادية.
رحلات محفوفة بالمخاطر
رغم انخفاض الأعداد، ما تزال الرحلات عبر بحر المانش تمثل تحدياً إنسانياً وأمنياً، إذ يضطر كثير من المهاجرين إلى الاعتماد على قوارب مطاطية صغيرة لا توفر شروط السلامة الأساسية، ما يعرض حياتهم للخطر في أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم.
وتحذر منظمات الإغاثة والجهات المعنية بالهجرة من أن انخفاض الأرقام لا يعني انتهاء الأزمة، إذ تستمر دوافع الهجرة المرتبطة بالحروب والفقر وعدم الاستقرار السياسي في دفع آلاف الأشخاص إلى البحث عن طرق بديلة للوصول إلى بريطانيا، حتى مع المخاطر القانونية والإنسانية التي تواجههم.
الأطفال ضمن القادمين
تثير مشاركة الأطفال في بعض رحلات العبور قلق المنظمات الحقوقية، بسبب تعرضهم لمخاطر مضاعفة خلال الرحلة، إضافة إلى الصعوبات التي تواجههم بعد الوصول، سواء فيما يتعلق بالإيواء أو إجراءات اللجوء أو لمّ الشمل، وتؤكد المؤسسات الإنسانية أن حماية الأطفال المهاجرين يجب أن تبقى أولوية خلال جميع مراحل التعامل مع ملف الهجرة.
كما تشدد الجهات الحقوقية على ضرورة إيجاد حلول طويلة الأمد لمعالجة أسباب الهجرة غير النظامية بدلاً من التركيز فقط على الإجراءات الأمنية، معتبرة أن التعاون الدولي بين الدول المعنية يمثل عاملاً أساسياً في الحد من المخاطر التي يواجهها المهاجرون.
يمثل بحر المانش أحد أبرز طرق الهجرة غير النظامية إلى المملكة المتحدة، إذ يفصل بين السواحل البريطانية والفرنسية بمسافة قصيرة نسبياً، لكنه يعد من أكثر الممرات البحرية خطورة بسبب التيارات القوية وكثافة حركة السفن، ومنذ عام 2018 بدأت أعداد العابرين باستخدام القوارب الصغيرة في الارتفاع بشكل واضح، ما دفع الحكومات البريطانية والفرنسية إلى تعزيز التعاون الأمني ومكافحة شبكات التهريب.
وتؤكد المنظمة الدولية للهجرة أن معالجة ظاهرة الهجرة غير النظامية تحتاج إلى مزيج من حماية الحدود، وتوفير مسارات قانونية آمنة، ومعالجة الأسباب الاقتصادية والسياسية التي تدفع الأشخاص إلى خوض رحلات محفوفة بالمخاطر.
