منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

من الذكاء الاصطناعي إلى المياه.. حقوق الإنسان أمام تحديات العالم الجديد في جنيف

17 سبتمبر 2026
لقطة من جلسة حقوق الانسان المتعلقة بمناقشة القضايا المرتبطة بالحقوق والحريات الأساسية
لقطة من جلسة حقوق الانسان المتعلقة بمناقشة القضايا المرتبطة بالحقوق والحريات الأساسية

تتسع أجندة حقوق الإنسان الدولية لتشمل ملفات متشابكة تتجاوز الانتهاكات التقليدية، لتصل إلى تأثيرات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الرقمية، ومستقبل الفضاء المدني، والحق في التنمية والصحة والمياه، إلى جانب مكافحة الإرهاب وعقوبة الإعدام والتغير المناخي والمساواة وعدم التمييز.

وتأتي هذه الملفات ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف المنعقدة خلال الفترة من 7 سبتمبر إلى 7 أكتوبر 2026، حيث يناقش المجلس تقارير المفوض السامي وأصحاب الولايات والإجراءات الخاصة، إلى جانب مداخلات الدول والمجموعات الإقليمية والدولية بشأن مجموعة واسعة من القضايا المرتبطة بالحقوق والحريات الأساسية.

الذكاء الاصطناعي.. فرصة تكنولوجية ومخاوف حقوقية

وكان الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الرقمية الجديدة والناشئة في مقدمة الملفات التي حظيت باهتمام الدول، إذ رحبت جمهورية كوريا، باسم المجموعة المركزية التي تضم النمسا والبرازيل والدنمارك والمغرب وسنغافورة وكوريا، بتزايد انخراط مجلس حقوق الإنسان في هذه القضايا.

وأشارت المجموعة إلى دعوة المفوض السامي لحقوق الإنسان إلى التحرك لمواجهة المخاطر غير المسبوقة التي يمكن أن يفرضها الذكاء الاصطناعي، مؤكدة ضرورة تحقيق الاتساق والتكامل بين أعمال المجلس والجهود السابقة في هذا المجال، بما يسمح باستجابة شاملة تتناسب مع التطور السريع للتكنولوجيا، مع الاستخدام الفعال للموارد المتاحة.

وفي السياق ذاته، شددت دول مجلس التعاون الخليجي، في بيان ألقته البحرين، على التأثير المتزايد للذكاء الاصطناعي في حياة الشباب، بما يشمل التعليم والعمل والتواصل والصحة النفسية.

وأكدت أهمية الجمع بين التعامل مع المخاطر والاستفادة من الفرص التي توفرها التكنولوجيا، خاصة في تحسين التعليم وتوسيع الوصول إلى خدمات الدعم النفسي وتشجيع الابتكار والمشاركة في التنمية.

وشددت دول المجلس على ضرورة الاستماع إلى الشباب وإشراكهم في النقاشات المتعلقة بمستقبلهم الرقمي، وتمكينهم من الإسهام في بناء بيئة رقمية آمنة ومسؤولة، مع التأكيد على أهمية تكامل جهود الهيئات المختلفة التابعة للأمم المتحدة والاستفادة من أعمالها بما يمنع ازدواجية الجهود، خصوصًا في ظل القيود المالية الراهنة.

أما مصر، فأكدت في مداخلة بشأن عالمية حقوق الإنسان والتحديات المعاصرة، أهمية تطوير الذكاء الاصطناعي واستخدامه بصورة مسؤولة وآمنة تحترم حقوق الإنسان، مع التصدي للمخاطر المرتبطة به، وتعزيز التعاون الدولي وبناء القدرات بما يتيح للدول النامية الاستفادة من إمكاناته.

الفضاء المدني تحت الضغط

وفي ملف الفضاء المدني، رحبت أيرلندا، باسم مجموعة تضم تشيلي واليابان وسيراليون، بتقرير المفوض السامي المتعلق بإيجاد بيئة آمنة ومواتية للمجتمع المدني.

وأكدت المجموعة أن وجود فضاء مدني مفتوح يمثل عنصرًا مهمًا في حماية حقوق الإنسان وتحقيق السلام والأمن والتنمية المستدامة، معربة عن القلق إزاء القيود القانونية المفروضة على عمل منظمات المجتمع المدني، وتجريم بعض أنشطتها والحملات المعادية لها.

كما سلطت الضوء على ما وصفته بالقمع العابر للحدود، بما في ذلك الترهيب والهجمات التي تستهدف المدافعين عن حقوق الإنسان سواء عبر الإنترنت أو خارجه.

وتقاطع هذا الطرح مع موقف الاتحاد الأوروبي، الذي أكد ضرورة حماية المدافعين عن حقوق الإنسان من القمع، بما في ذلك القمع العابر للحدود، والحفاظ على الحقوق والحريات الأساسية في الفضاءين الرقمي والواقعي.

كما تناولت الإكوادور مسألة المشاركة العامة، مشيرة إلى تقارير عن تراجع مساحة المشاركة وتأثير ذلك على حرية التعبير والتجمع، فضلًا عن القيود القانونية والتنظيمية التي قد تؤثر على تسجيل الناخبين والتصويت وفرز الأصوات ونقل النتائج.

ودعت إلى توسيع استخدام التكنولوجيا بما يعزز فرص المشاركة في العمليات الانتخابية، في إطار الالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.

مكافحة الإرهاب.. الأمن لا ينفصل عن الحقوق

في ملف مكافحة الإرهاب، أكدت مصر، باسم مجموعة من الدول، رفض الإرهاب والانتهاكات المرتبطة به، مع التشديد على أن التدابير المتخذة لمواجهته يجب أن تتوافق مع القانون الدولي ومبادئ الضرورة والتناسب.

وأشارت إلى أن الإرهاب يهدد الحق في الحياة والأمن ويستهدف المدنيين والمنشآت الحيوية، فضلًا عن تأثيراته على التضامن الاجتماعي والتنمية المستدامة، مؤكدة أهمية حماية ضحايا الإرهاب وأسرهم وتبني نهج متكامل يجمع بين مكافحة الإرهاب وحماية حقوق الإنسان.

وتناولت مجموعة من الدول، في بيان ألقته إيران، كذلك العلاقة بين مكافحة الإرهاب وسيادة القانون، مؤكدة أن التدابير الرامية إلى مكافحة الإرهاب ينبغي أن تحترم القانون الدولي وحقوق الإنسان.

كما أعربت عن القلق إزاء ممارسات قد تؤثر على حرية الصحافة أو تؤدي إلى اعتقال أشخاص يقدمون معلومات ذات مصلحة عامة، مؤكدة أهمية جبر أضرار الضحايا والتعويض عن الانتهاكات.

أما الاتحاد الأوروبي، فجدد موقفه الرافض لعقوبة الإعدام، معربًا عن القلق إزاء ارتفاع حالات تنفيذها، وداعيًا إلى إلغائها.

وتناولت مجموعة أخرى عقوبة الإعدام في سياق مكافحة الإرهاب، مؤكدة معارضتها لها في جميع الظروف، ومشددة على ضرورة تعزيز حقوق الإنسان وسيادة القانون والحفاظ على التوازن بين ركائز عمل الأمم المتحدة، مع تعزيز مكانة حقوق الإنسان في استراتيجيات مكافحة الإرهاب.

الحق في التنمية.. فجوة بين الشمال والجنوب

برز الحق في التنمية باعتباره أحد المحاور الرئيسية للنقاش، خصوصًا في مداخلات دول الجنوب والمجموعات الإقليمية.

وأكدت دول منظمة التعاون الإسلامي، في بيان ألقته باكستان، أن التوترات العالمية وانعدام الأمن يقوضان فرص السلام والتنمية والتمتع بحقوق الإنسان، داعية إلى مزيد من الاهتمام بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي مقدمتها الحق في التنمية.

وأعربت المجموعة كذلك عن القلق إزاء تصاعد كراهية الإسلام والعنصرية والتمييز وكره الأجانب، مؤكدة مبادئ عالمية حقوق الإنسان وعدم قابليتها للتجزئة وترابطها.

وفي الاتجاه ذاته، أكدت فنزويلا أن الحق في التنمية حق للشعوب، معتبرة أن تحقيقه أصبح أكثر إلحاحًا في ظل استمرار أوجه عدم المساواة التاريخية بين بلدان الجنوب والشمال.

وأشارت إلى قضايا مرتبطة بالموارد الطبيعية والسيطرة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مؤكدة أن تعزيز التعددية والقانون الدولي يمثلان، من وجهة نظرها، إطارًا للتعامل مع هذه الاختلالات.

كما دعت حركة عدم الانحياز، في بيان ألقته رواندا، إلى معاملة متساوية للحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والحق في التنمية، مؤكدة أن جميع هذه الحقوق عالمية وغير قابلة للتجزئة ومترابطة.

وأثارت الحركة كذلك مسألة التدابير الانفرادية القسرية، داعية إلى عدم استخدام تدابير أو قوانين خارج الإقليم تعرقل قدرة الدول على تحقيق التنمية وإعمال حقوق الإنسان، كما شددت على ضرورة عدم استخدام حقوق الإنسان كأداة سياسية أو وسيلة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول.

من جانبها، أكدت المجموعة الأفريقية، في بيان ألقته كينيا، أن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحق في التنمية أساسية لمكافحة الفقر وعدم المساواة وتحقيق التنمية المستدامة.

وأشارت إلى أعباء الديون والتدفقات المالية غير المشروعة واختلالات النظام المالي الدولي وتغير المناخ باعتبارها عوامل تؤثر في قدرة الدول النامية على إعمال هذه الحقوق، داعية إلى إصلاح النظام المالي الدولي وزيادة التمويل الميسر والمناخي وتعزيز التعاون الدولي.ط

فلسطين في قلب النقاش

حضر الوضع الفلسطيني في عدد من المداخلات، حيث أكدت دول منظمة التعاون الإسلامي وإيران وإندونيسيا والعراق ومصر أهمية الحق في تقرير المصير، وتناول بعضها ما وصفته بالانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون.

وأكد العراق ضرورة أن يتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته تجاه حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية، بينما أشارت إندونيسيا إلى أن استمرار الاحتلال، من وجهة نظرها، يقوض حقوق الفلسطينيين ويؤثر على جهود تحقيق التنمية المستدامة.

كما تناولت مصر القضية الفلسطينية ضمن مداخلتها حول عالمية حقوق الإنسان، مؤكدة أن الحديث عن عالمية الحقوق يرتبط، في موقفها، بضمان الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها الحق في الحياة وتقرير المصير.

الصحة واللقاحات.. الحق في الرعاية للجميع

وفي محور الصحة، ركزت فيتنام، باسم مجموعة من الدول، على أهمية الرعاية الصحية والتغطية الصحية الشاملة وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

وأشار البيان إلى استمرار فجوات التحصين، موضحًا أن نحو 13.4 مليون طفل لم يحصلوا على اللقاحات خلال عام 2025، داعيًا إلى تعزيز التعاون الدولي والتمويل المستدام وبناء القدرات والتدريب لمعالجة أوجه عدم المساواة في الحصول على اللقاحات.

وأكدت المجموعة الالتزام بالحق في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية، على أساس الإنصاف والمساواة والتعاون الدولي.

كما تناولت تايلاند التغطية الصحية الشاملة ضمن مجموعة من الإجراءات المرتبطة بحماية حقوق الإنسان، مؤكدة مواصلة التعاون والعمل في إطار مجلس حقوق الإنسان.

المياه والمناخ.. حقوق أساسية تحت ضغط الأزمات

وفي ملف المياه، أكدت مصر، باسم مجموعة من 55 دولة، أن الحصول على مياه شرب آمنة ونظيفة أمر أساسي للتمتع بحقوق الإنسان.

وأشارت المجموعة إلى أن مليارات الأشخاص ما زالوا يواجهون صعوبات في الوصول إلى المياه، داعية إلى معالجة شح المياه وتغير المناخ وتعزيز التعاون الدولي.

كما دعت إلى أن ينظر المؤتمر العالمي للمياه إلى ما بعد خطة عام 2030، وأن يتبنى مقاربة شاملة لحوكمة المياه تضع الشعوب في صميم السياسات، وتحترم القانون الدولي وتعالج العوامل البشرية والطبيعية التي تؤثر في توافر المياه وجودتها.

وتقاطع ذلك مع مداخلة مجموعة من الدول بشأن تغير المناخ، التي أكدت أن الظواهر المناخية، ومنها إل نينيو، تفاقم نقاط الضعف القائمة وتضغط على النظم الإيكولوجية والتنوع البيولوجي.

وأشارت المجموعة إلى آثار الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة على سبل العيش والبنية التحتية والخدمات الأساسية والأمن الغذائي والمائي والصحة، داعية إلى توفير تمويل مناخي كافٍ وقابل للتنبؤ، خصوصًا للدول النامية.

المساواة وحقوق الفئات الأكثر عرضة للتمييز

امتد النقاش إلى قضايا المساواة وعدم التمييز وحقوق الفئات الأكثر عرضة للانتهاكات.

وأكدت آيسلندا، باسم مجموعة من الدول، بمناسبة اليوم الدولي للمساواة في الأجور، الالتزام بمبدأ الأجر المتساوي عن العمل ذي القيمة المتساوية، مشيرة إلى استمرار فجوة الأجور بين النساء والرجال عالميًا.

كما ناقشت ألبانيا، باسم مجموعة من الدول، تأثير سياسات مكافحة المخدرات على النساء والفتيات، ولا سيما في أوضاع الهشاشة، وما يرتبط بالتجريم والوصم والتمييز والسجن وفقدان حضانة الأطفال والاحتياجات الصحية والنفسية.

وفي ملف حقوق الأشخاص ذوي التوحد، أكدت جورجيا، باسم مجموعة من 64 دولة، أن الأشخاص ذوي التوحد جزء من التنوع البشري، مشيرة إلى استمرار الحواجز الهيكلية والوصم والتمييز.

ودعت المجموعة إلى إشراك الأشخاص ذوي التوحد والمنظمات التي تمثلهم في إعداد السياسات والبحوث والبرامج، إلى جانب دعم الأسر ومقدمي الرعاية واحترام استقلالية الأشخاص ذوي التوحد.

كما تناولت سلوفينيا، باسم مجموعة من الدول، حقوق كبار السن، مشيرة إلى المشاركة الواسعة في أعمال الفريق العامل الحكومي الدولي المعني بحقوق كبار السن، ومؤكدة وجود دعم لوضع صك قائم على حقوق الإنسان وملزم قانونًا.

حقوق الإنسان.. بين عالمية المبادئ وتعدد الأولويات

وعكست المداخلات تعدد الأولويات التي تواجه منظومة حقوق الإنسان الدولية، من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي إلى الأمن ومكافحة الإرهاب، ومن الحق في التنمية والمياه والصحة إلى المناخ والمساواة والفضاء المدني.

وأكدت الهند ضرورة التعامل مع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية باعتبارها عالمية وغير قابلة للتجزئة ومترابطة، ودعت إلى الانتقال من الخطاب إلى العمل.

كما شددت غامبيا على أهمية تحقيق توازن في معالجة الحقوق، مشيرة إلى أن أعباء الديون وتراجع المساعدات والقيود على الحيز المالي تؤثر في قدرة الدول النامية على الاستثمار في الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.

وفي المقابل، أكدت الصين أهمية مراعاة الظروف الوطنية في مقاربة حقوق الإنسان، مستعرضة ما قالت إنها جهود في مجالات الحد من الفقر والخدمات الاجتماعية والحوكمة متعددة الأطراف.

أما مقدونيا الشمالية، فأكدت أهمية حماية المدنيين والفئات الأكثر تضررًا من النزاعات، ولا سيما النساء والأطفال وكبار السن، مع التشديد على حماية الحيز المدني وحقوق التظاهر والتعبير والتجمع السلمي.

وفي مجمل هذه المداخلات، برزت محاولة الدول للتعامل مع حقوق الإنسان باعتبارها منظومة مترابطة، لا تنفصل فيها الحقوق المدنية والسياسية عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولا عن الحق في التنمية والصحة والمياه والبيئة الآمنة.

وبينما تتسارع التحولات التكنولوجية وتتصاعد الأزمات الأمنية والاقتصادية والمناخية، يعكس النقاش داخل مجلس حقوق الإنسان اتساع نطاق التحديات التي باتت مرتبطة بإعمال الحقوق، ويضع أمام المجلس مهمة مواصلة الحوار بشأن كيفية تحويل المبادئ والالتزامات الدولية إلى إجراءات عملية تستجيب للتحولات الجديدة وتحافظ في الوقت نفسه على عالمية حقوق الإنسان وترابطها وعدم قابليتها للتجزئة.