إيغوسا إي. أوساغاي
لا تعرف الدول الهشة، بحكم تعريفها تقريباً، طريقاً سهلاً أبداً، لكن بالنسبة إلى نحو 60 دولة فقيرة تفتقر إلى القدرة على أداء المسؤوليات الأساسية تجاه مواطنيها، كان العام ونصف العام الماضيان قاسيين على نحو خاص.
اعتمدت هذه الدول لعقود على جرعات محدودة من المساعدات الخارجية المقدمة من الحكومات المانحة الكبرى والأمم المتحدة والبنك الدولي ومؤسسات متعددة الأطراف أخرى، لكن في عهد الرئيس دونالد ترامب، خفّضت الولايات المتحدة التي كانت تقليدياً أكبر مانح للمساعدات في العالم، مساعداتها بشدة، وحذت دول مانحة رئيسية أخرى حذوها، وكذلك فعلت المنظمات متعددة الأطراف.
وأحدثت هذه التخفيضات أضراراً جسيمة، فقد أسهمت المساعدات الخارجية في تحقيق قدر كبير من الخير، ومنه مساعدة الحكومات الأكثر فقراً على تلبية الاحتياجات الأساسية لملايين الأشخاص، كما أدت التخفيضات بالفعل إلى وفاة أكثر من 500 ألف طفل، وفقاً لتقدير بروك نيكولز من جامعة بوسطن.
ورغم كل مزايا المساعدات الخارجية، ظل النظام القائم محدوداً للغاية، فلم يؤدِّ الاعتماد عليها إلى توفير مسار للدول الهشة نحو تحقيق نمو اقتصادي ذي مغزى، كما لم يعزز قدرة الدولة، وبدلاً من ذلك، ترك الدول المتلقية عرضة لأهواء قوى بعيدة، كما أظهرت التخفيضات الآن بوضوح. ولكي تتحول الدول الضعيفة إلى دول قوية، فإنها تحتاج إلى استراتيجية جديدة تعتمد في معظمها على نفسها.
تمتلك الدول الهشة عادة ثروة من الموارد الطبيعية، كما تتلقى تحويلات مالية ضخمة من مواطنيها في الشتات، وإذا أُديرت هذه التدفقات بصورة صحيحة، يمكن أن توفر للحكومات مليارات الدولارات من الإيرادات، وأن تساعد كل دولة على بناء طبقة وسطى قوية، ويمكن لهذه الدول إنشاء أنظمة فضلى للتجارة، والعمل عبر الحدود لتعزيز الاستقرار الداخلي والخارجي، ففي نهاية المطاف، تعاني الدول عادة عندما تنحدر الدول المجاورة لها إلى الفوضى، وبالتالي فإن لديها مصلحة مشتركة في ضمان النجاح الجماعي للمنطقة.
الانسحاب الكبير
هدم ترامب، عندما عاد إلى منصبه في يناير 2025، النظام القائم للتنمية الاقتصادية على الفور، ففي يوم تنصيبه نفسه، فكك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وهي الهيئة التي كانت تمثل الحصة الكبرى من المساعدات الأمريكية للتنمية والمساعدات الإنسانية، كما خفّضت واشنطن سريعاً أو ألغت بالكامل إسهاماتها السنوية في صندوق المناخ العالمي ومنظمة الصحة العالمية وأكثر من اثنتي عشرة وكالة أخرى تابعة للأمم المتحدة، وكانت النتيجة إنهاء جميع أنواع مبادرات التنمية.
أدى إغلاق الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية إلى إنهاء أكثر من 5 آلاف مشروع، كما أغلقت التخفيضات الأمريكية للمؤسسات متعددة الأطراف التي كانت واشنطن أكبر مسهم فيها العديد من البرامج الأخرى.
وفي الوقت نفسه أدى الاستخدام الحازم للتعريفات الجمركية من جانب ترامب إلى إفراغ أحكام تجارية قائمة منذ فترة طويلة كانت تمنح الدول الضعيفة شروطاً تجارية تفضيلية.
ولم تكن الولايات المتحدة وحدها التي تتراجع، فوفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، خفّضت حكومات غربية أخرى منح المساعدات وقروض التنمية إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2016، وخفضت بلجيكا وفرنسا وهولندا والسويد وسويسرا والمملكة المتحدة جميعاً مساعداتها الخارجية لمصلحة الإنفاق الدفاعي ونفقات داخلية أخرى.
وانخفضت المساعدات الإنسانية التي تقدمها المملكة المتحدة في القطاع الاجتماعي إلى ما دون مستويات ما قبل كوفيد، ما أدى إلى خفض برامج صحية في الدول التي تعتمد عليها في غرب وشرق إفريقيا، ولا سيما غامبيا وكينيا وإريتريا.
ولم تكن الجهات الغربية المانحة وحدها في الساحة، فتقدم الصين والهند وروسيا أيضاً مساعدات للدول الأضعف، وهي تضع نفسها بصورة متزايدة بوصفها مصادر بديلة، وبينما كانت الصين الوحيدة التي زادت إنفاقها على التنمية، ظلت مساعدات الهند وروسيا ثابتة ومقيدة بالضغوط الداخلية، شهدت الدول الثلاث جميعاً طلباً متزايداً على الشراكات الجديدة، ومن ثم وسعت حضورها في إفريقيا والجنوب العالمي.
كما تقود بكين وموسكو جهوداً للتخلص من هيمنة الدولار على الاقتصاد الدولي، أو لتسهيل التجارة من دون الاعتماد على العملة الأمريكية، وهو ما يمكن أن يساعد الدول النامية على تقليل تعرضها الجيوسياسي، ولم يؤدِّ اعتماد الدول الأضعف على الدولار إلى تقييد خيارات التجارة والاستثمار، ومنها التجارة داخل الأقاليم، فحسب، بل جعلها أيضاً فريسة سهلة للتعريفات الجمركية غير المواتية.
لكن الاعتماد على هذه الدول ينطوي على عيوب خطيرة. فبادئ ذي بدء، هناك حدود لكرمها، ولا تزال ميزانيات المساعدات الهندية والروسية ثابتة رغم تزايد الطلب، أما ميزانية الصين فقد توسعت، لكن بكين نادراً ما تقدم تبرعات نقدية أو منحاً على النمط الغربي، وبدلاً من ذلك، تتمثل الأداة الرئيسية للمساعدات الصينية في مبادرة الحزام والطريق التي تأتي في صورة قروض وعقود إنشاء وأنشطة تجارية مدعومة من الدولة.
كما تُوزع الأموال الصينية على أساس مخصص مع قدر ضئيل من الشفافية، وهي لا تركز عادة على تعزيز حقوق الإنسان أو تحسين قدرة الدولة، بل إنها كثيراً ما تترك المستفيدين غارقين في الديون، وبالتالي معتمدين على المصالح الصينية.
وتعمل الهند أيضاً إلى حد كبير من خلال القروض المشروطة، ومعظمها مقابل الوصول إلى الموارد الطبيعية للدول المستفيدة، أو مقابل صفقات تفتح أسواقها أمام الشركات الهندية.
أما روسيا فهي أكثر اعتماداً على المعاملات، فقد زادت استثماراتها في الدول التي تعاني الصراعات، ومنها جمهورية الكونغو الديمقراطية والنيجر وجنوب السودان، لكن بهدف تعزيز موقعها الجيوسياسي وتأمين صفقات للحصول على المعادن الحيوية فقط، وهي أيضاً، في نهاية المطاف، غير مهتمة بتعزيز التنمية.
انهض وواجه
قد تبدو آفاق المساعدات الدولية قاتمة، لكن يمكن للدول الهشة تعويض هذه الخسائر، بدءاً من تحسين استغلال الأصول التي تمتلكها؛ إذ تمتلك أفغانستان وأنغولا وبوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية والغابون وناميبيا ونيجيريا وتنزانيا رواسب كبيرة من الكوبالت والليثيوم والروديوم والديسبروسيوم، وتستحوذ جمهورية الكونغو الديمقراطية وحدها على ما بين 50 و80% من الكولتان والكوبالت في العالم، بقيمة تُقدر بأكثر من 24 تريليون دولار، كما تمتلك احتياطيات ضخمة من الذهب والنحاس والقصدير، وتمتلك دول نامية أخرى موارد طبيعية هائلة أيضاً، وإذا جرى استغلال هذه الرواسب المعدنية بصورة صحيحة، فإنها يمكن أن تحقق نمواً اقتصادياً هائلاً، ويمكن أن تصبح مصدراً لتدفقات نقدية ضخمة، وأن تكون أداة ضغط للتفاوض على صفقات تجارية أكثر فائدة مع الدول الصناعية.
اقترح محللون أن تستخدم الدول النامية مواردها الطبيعية، كما بذلت حكومات كثيرة جهوداً متكررة لتحقيق ذلك، ولكي تنجح هذه الجهود حيث فشلت المحاولات السابقة، سيحتاج صانعو السياسات إلى تحديث المسوحات الجيولوجية حتى يعرفوا بالضبط أماكن وجود المعادن، واستخدام تقنيات أكثر حداثة في التعدين والتكرير، ويمكن أن تمثل مهارات المواطنين الموجودين في الشتات ودعمهم التقني حلاً “قائماً على الداخل” في هذا المجال.
كما يمثل التعاون الإقليمي خياراً آخر، خصوصاً مع تطوير الدول أطراً تنظيمية للحد من أنشطة التجارة والاستثمار غير القانونية، إن لم يكن القضاء عليها، والأهم من ذلك، ستحتاج الدول الضعيفة إلى الحد من الفساد المحلي والتعدين غير المشروع من خلال تشجيع المعاملات الشفافة، والإصلاحات القضائية، وإنفاذ القواعد واللوائح، ويجب أن تعمل إيرادات التعدين الجديدة على بناء قدرة الدولة، لا على ملء جيوب المسؤولين الحكوميين أو رجال الأعمال.
ولم تكن الثروة الطبيعية المورد الوحيد الذي تمتلكه الدول الهشة تحت تصرفها؛ إذ تميل هذه الدول أيضاً إلى تلقي كميات هائلة من التحويلات المالية من جالياتها في الشتات، ففي عام 2025 بلغ هذا التدفق، على سبيل المثال، 100 مليار دولار في إفريقيا، في حين تلقت نيجيريا وحدها أكثر من 23 مليار دولار، وفي العديد من الدول منخفضة الدخل، تمثل التحويلات المالية ما لا يقل عن 10% من الناتج المحلي الإجمالي، وفي بعض الأماكن، ومنها لبنان وطاجيكستان وتونغا، تقترب النسبة من 50%، وبالنسبة إلى غالبية الدول الفقيرة، تتجاوز التحويلات المالية عموماً المساعدات الإنمائية الخارجية والاستثمار الأجنبي المباشر بوصفه مصدراً للتمويل الخارجي.
ولعبت التحويلات دوراً رئيسياً في تخفيف الآثار الاقتصادية الوخيمة لجائحة كوفيد عن الدول الفقيرة، لكن الطبيعة غير الرسمية وغير المنظمة للتحويلات تعني أن الحكومات عادة ما تحصل على فائدة مباشرة محدودة منها، وبالتالي لا تستطيع بناء سياسات لبناء الدولة حولها، وبدلاً من ذلك، ينبغي للدول تبني سياسات تحفز التحويلات الرسمية، وتحول تركيزها من توفير شبكات أمان للأسر الضعيفة والممتلكات الشخصية إلى المشروعات والاستثمارات الإنتاجية.
وقادت نيجيريا الطريق في هذا المجال، ففي عام 2019 أنشئت وكالة، هي لجنة النيجيريين في الشتات، كُلفت بتنسيق التواصل مع المواطنين في الخارج وإصدار سندات سيادية للشتات، وهي أدوات ادخار واستثمار تديرها إدارة الدين التابعة للحكومة لتوجيه التحويلات المالية إلى مشروعات البنية التحتية ورأس المال.
تساعد هذه السندات في دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من خلال توفير رأس المال لبدء الأعمال والمساعدة في ريادة الأعمال، كما توفر للدولة جزءاً كبيراً من التمويل الذي تستخدمه لتمويل البنية التحتية الحيوية، لكن حتى نيجيريا يمكنها أن تفعل المزيد، وينبغي لها استخدام تواصلها الرسمي مع الشتات للمساعدة في نقل المعرفة والمهارات التقنية التي يمتلكها المغتربون في مجالات التكنولوجيا الناشئة والطب والزراعة، وبدلاً من مجرد المساعدة في توجيه الأموال، ينبغي للحكومة إنشاء مراكز احتضان، وتمويل برامج تدخل، وتنظيم زيارات خاصة لفرق من الخبراء، وينبغي لها، على وجه الخصوص، تشجيع العمال المهرة على العودة إلى وطنهم واستخدام مواهبهم هناك.
قليل من المساعدة
وجدت الدول الضعيفة مصدراً أخيراً للدعم يمكنها الاستفادة منه، وهو جيرانها، ويكون الجيران أكثر استعداداً لتقديم المساعدة لأنهم لا يريدون عدم الاستقرار على حدودهم أو بالقرب منها، ولا يمكن استبعاد احتمال أن تحب بعض الدول بالفعل زرع الفوضى في الدول المجاورة، كما هو الحال مع تقويض رواندا لجمهورية الكونغو الديمقراطية، لكن مثل هذه الحالات نادرة، ولذلك ينبغي للدول الضعيفة العمل بصورة أوثق مع المؤسسات الإقليمية القائمة، أو إنشاء مؤسسات جديدة إذا لزم الأمر.
ونجحت المنظمات الإقليمية بالفعل في مساعدة الدول التي تواجه صعوبات، ففي هايتي وليبيريا وميانمار وسيراليون والصومال وجنوب السودان ساعدت الهيئات الإقليمية في الحيلولة دون انهيار الحكومات.
يقدم الاتحاد الإفريقي المساعدة التقنية للأعضاء الذين يسعون إلى تحويل مواردهم الطبيعية إلى استثمارات وخلق وظائف ونمو اقتصادي، كما تطور المنظمة مبادرات على مستوى القارة تركز على الحكم الرشيد والسلام والأمن وتغير المناخ ومكافحة الأمراض.
وتؤدي جهات إقليمية أخرى، ومنها المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، ومجموعة التنمية لإفريقيا الجنوبية، ومجموعة شرق إفريقيا، والجماعة الكاريبية، ورابطة دول جنوب شرق آسيا، أدواراً نشطة في تعزيز الحكم الرشيد ودعم التنمية، وفي الوقت نفسه، ساعدت منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية في تحويل إفريقيا إلى أكبر منطقة جغرافية للتجارة الحرة في العالم.
تواجه المؤسسات الإقليمية في الوقت الحالي أوجه قصور، فعلى سبيل المثال، لم تتمكن المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا من منع الانقلابات الأخيرة في بوركينا فاسو ومالي والنيجر، والتي انتهكت بروتوكول الهيئة بشأن الديمقراطية والحكم الرشيد، كما كان للعقوبات والتهديدات بالتدخل العسكري نتيجة غير مقصودة تمثلت في عزل هذه الدول التي انسحبت في نهاية المطاف من الهيئة وشكلت تحالفها الخاص. ومع ذلك، تظل الهيئات الإقليمية مهمة بلا شك للدول الضعيفة. لعبت المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا دوراً رئيسياً في إنقاذ ليبيريا وسيراليون من الانهيار، وساعدت في استعادة الديمقراطية في غامبيا وغينيا بيساو وساحل العاج، كما قادت الهيئة مبادرات إقليمية للتعامل مع قضايا مثل التنمية والأمن الغذائي والأمن البشري وتغير المناخ والرعاية الصحية وتعزيز التجارة الإقليمية.
ولإحداث تغيير دائم، ينبغي لجميع المنظمات الإقليمية إعطاء الأولوية لهذه المبادرات لأنها تخفف التوترات التي تولد عدم الاستقرار.
الاعتماد على الذات
لا يعني أي من ذلك أن حكومات الولايات المتحدة أو أوروبا أو غيرها من الدول المانحة الغنية كانت محقة في تقليص المساعدات، فقد ساعدت مساعداتها، ولا تزال تساعد، في تلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة وتمويل المبادرات المحلية، كما تمكن الأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات متعددة الأطراف من تعزيز قدرات الدول النامية، وسيكون العالم أفضل بكثير إذا أعادت هذه الحكومات ميزانيات مساعداتها إلى سابق عهدها، وينبغي لها توجيه المساعدات المشتركة نحو القضايا التي تكون الدول الفقيرة والهشة أقل قدرة على مواجهتها بمفردها، ومنها التحول بعيداً عن الوقود الأحفوري والصحة العامة.
لكن من غير المرجح أن تعيد هذه الجهات عقارب الساعة إلى الوراء، فهي منشغلة بصورة متزايدة بالقضايا الداخلية، وقد تخلت عن الدول الضعيفة، ولذلك يتعين على الدول النامية أن تقوم بالعمل الصعب المتمثل في الاستفادة من مواردها الطبيعية وتحويلاتها المالية من أجل تعزيز قوتها، وأصبح الاعتماد على الذات والمساعدة الإقليمية الآن ليسا أفضل خيارين فحسب، بل الخياران الوحيدان.
ترجمة: زينب مكي
نقلاً عن فورين أفيرز
