منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

مجلس حقوق الإنسان يعتمد تمديد ولاية المقرر الخاص بالتدابير القسرية الانفرادية

05 أكتوبر 2026
لقطة من جلسة حقوق الإنسان
لقطة من جلسة حقوق الإنسان

اعتمد مجلس حقوق الإنسان مشروع القرار L.2 المعنون «ولاية المقرر الخاص المعني بالأثر السلبي للتدابير القسرية الانفرادية على التمتع بحقوق الإنسان»، بعد تصويت مسجل أظهر انقسامًا واضحًا بين أعضاء المجلس بشأن طبيعة العقوبات والتدابير الاقتصادية الأحادية، وما إذا كانت تمثل انتهاكًا لحقوق الإنسان أم أداة يمكن للدول استخدامها بصورة مشروعة في إطار القانون الدولي.

وجاء ذلك ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، خلال الاجتماع الأربعين للمجلس، حيث قدمت أوغندا مشروع القرار نيابة عن حركة عدم الانحياز، داعية إلى تمديد ولاية المقرر الخاص المعني بالتدابير القسرية الانفرادية، ومؤكدة أن استمرار الولاية ضروري لتعزيز فهم آثار هذه التدابير على حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والاقتصاد والسلام والأمن والنسيج الاجتماعي للدول.

وأوضحت أوغندا أن مشروع القرار جاء في صورة منقحة بعد مشاورات غير رسمية مع الدول الأعضاء، مع استمرار اختلاف وجهات النظر بشأن التدابير القسرية الانفرادية، مؤكدة التزام حركة عدم الانحياز بالحوار مع مختلف الأطراف بهدف الوصول إلى أرضية مشتركة.

وبحسب مقدمة المشروع، فإن المقرر الخاص يمكن أن يؤدي دورًا مهمًا في دراسة النطاق الواسع للآثار الناجمة عن التدابير القسرية الانفرادية، إلى جانب تطوير منهجيات تساعد على قياس انعكاساتها على التمتع بحقوق الإنسان.

كما يدعو مشروع القرار الحكومات إلى التعاون مع المقرر الخاص، وتزويده بالمعلومات التي يطلبها، والاستجابة بصورة إيجابية لطلبات الزيارات، بما يسمح له بتنفيذ ولايته بصورة فعالة.

حركة عدم الانحياز: آثار تمتد إلى الفئات الأكثر هشاشة

ركزت حركة عدم الانحياز، في عرضها لمشروع القرار، على الآثار التي يمكن أن تترتب على العقوبات الاقتصادية والتدابير الثانوية بالنسبة إلى السكان المدنيين، ولا سيما الفئات الأكثر فقرًا وهشاشة.

وقالت أوغندا إن التدابير التي تتخذ في شكل عقوبات اقتصادية أو عقوبات ثانوية يمكن أن تكون لها آثار بعيدة المدى على تمتع السكان بحقوق الإنسان، وأن تأثيرها قد يكون غير متناسب على الفقراء والأشخاص الذين يعيشون في أوضاع شديدة الهشاشة.

ومن هذا المنطلق، ربطت الحركة بين تمديد ولاية المقرر الخاص والحاجة إلى مواصلة تسليط الضوء على هذه الآثار، وتطوير فهم أوسع لتداعيات التدابير القسرية الانفرادية، بما في ذلك على إمكانية الوصول إلى الخدمات والسلع الأساسية.

مصر: التدابير الانفرادية تقوِّض مبادئ القانون الدولي

وأعلنت مصر دعمها مشروع القرار، مشيدة بجهود أوغندا خلال رئاسة حركة عدم الانحياز، التي تضم 120 دولة عضوًا.

وأكد الوفد المصري أن موقف الحركة يقوم على أن العقوبات والتدابير الانفرادية التي تُفرض خارج إطار القانون الدولي يمكن أن تترتب عليها آثار طويلة الأجل وشديدة الخطورة.

وقالت مصر إن التدابير القسرية الانفرادية لا ينبغي أن تستخدم كآليات لممارسة الضغط الاقتصادي أو السياسي على الدول، معتبرة أنها تقوِّض مبادئ ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ التعايش السلمي وعدم التدخل.

وأشادت القاهرة بالجهود التي بذلت خلال المفاوضات للوصول إلى نص وصفته بالمتوازن والقادر على الجمع بين وجهات النظر المختلفة، مؤكدة تأييدها لمشروع القرار واستعدادها للتصويت لصالحه في حال طرحه للتصويت.

كوبا: العقوبات تمس الحقوق الأساسية

من جانبها، دعمت كوبا مشروع القرار، معتبرة أن التدابير القسرية الانفرادية تتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، فضلًا عن القواعد والمبادئ المنظمة للعلاقات والتعايش السلمي بين الدول.

ورأت أن ولاية المقرر الخاص أصبحت أكثر أهمية في ظل ما وصفته بالتحديات التي تواجه تعددية الأطراف والقانون الدولي.

وأشارت كوبا بصورة خاصة إلى تقرير المقرر الخاص المتعلق بزيارتها، معتبرة أنه وثق آثار العقوبات المفروضة عليها، ودعت إلى رفع أو تعليق التدابير القسرية الانفرادية المفروضة عليها، وإزالة القيود المتعلقة بتوريد السلع الأساسية، بما في ذلك الأغذية والأدوية والمعدات الطبية، إلى جانب إزالة القيود المفروضة على تطوير البنية التحتية الحيوية.

كما دعت إلى إزالة كوبا من قائمة الدول التي تصنفها الولايات المتحدة على أنها داعمة أو راعية للإرهاب، وإلى اعتماد الحوار وسيلة لمعالجة الخلافات بين البلدين.

وأكدت كوبا دعمها لتوفير الموارد البشرية والتقنية والمالية اللازمة للمقرر الخاص، داعية أعضاء المجلس إلى التصويت لصالح مشروع القرار.

إثيوبيا: ضرورة حماية حقوق الإنسان والتنمية

وأيدت إثيوبيا مشروع القرار، معتبرة أن الولاية تظل ذات صلة بتعزيز وحماية حقوق الإنسان.

وأشارت إلى أهمية مواصلة دراسة الآثار المترتبة على حقوق الإنسان نتيجة التدابير القسرية الانفرادية، خصوصًا عندما تؤدي هذه الآثار إلى تقويض التنمية والتمتع الكامل بالحقوق.

وحذرت من أن التدابير التي تؤثر على الوصول إلى السلع والخدمات الأساسية والتمويل والتكنولوجيا والتعاون الدولي قد تفرض أعباء إضافية على الفئات السكانية الأكثر ضعفًا، كما قد تحد من قدرة الدول النامية على تنفيذ أولوياتها الإنمائية الوطنية.

وأكدت إثيوبيا أهمية معالجة الخلافات بين الدول من خلال الحوار والتفاوض والوسائل السلمية، بما يتسق مع مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، ودعت إلى اعتماد مشروع القرار.

الاتحاد الأوروبي: ليس كل إجراء تقييدي غير قانوني

في المقابل، قدمت إستونيا تفسيرًا لتصويت الاتحاد الأوروبي، مؤكدة أن دول الاتحاد لا تتفق مع المبدأ الأساسي الذي يقوم عليه القرار، والمتمثل في التعامل مع جميع العقوبات المستقلة باعتبارها ذات آثار سلبية على التمتع بحقوق الإنسان.

وأوضحت أن الاتحاد الأوروبي يميز بين التدابير الانفرادية غير القانونية من جهة، والتدابير التقييدية المؤقتة والمحددة الأهداف والمتناسبة التي تعتمد وفقًا للقانون الدولي من جهة أخرى.

ويرى الاتحاد الأوروبي أن التدابير المستقلة يمكن أن تمثل أداة سلمية وقانونية للتعامل مع بعض التهديدات أو الانتهاكات، مؤكدًا أن تدابيره التقييدية مصممة لتقليل العواقب غير المقصودة قدر الإمكان.

وأشار الاتحاد كذلك إلى إمكانية الطعن في هذه التدابير أمام المحاكم، وإلى وجود إطار إنساني يهدف إلى حماية الأشخاص في البلدان الخاضعة للعقوبات.

وبناءً على هذه الرؤية، أعلن الاتحاد الأوروبي عدم قدرته على دعم مشروع القرار، وصوتت الدول الأعضاء في المجلس المنتمية إليه ضده.

اليابان: ضرورة التمييز بين العقوبات المشروعة وغير المشروعة

واتخذت اليابان موقفًا مشابهًا، إذ رحبت بالجهود المبذولة لإعداد مشروع القرار، لكنها قالت إنها لا تستطيع دعم التأكيد بأن جميع التدابير القسرية الانفرادية تتعارض مع القانون الدولي أو تشكل في حد ذاتها انتهاكات لحقوق الإنسان.

وأكدت اليابان حق الدول في اتخاذ تدابير مستقلة للتعامل مع التهديدات التي تواجه السلام والأمن الدوليين، شريطة الالتزام الكامل بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

وفي الوقت نفسه، شددت على ضرورة ألّا تؤثر العقوبات على الأنشطة الإنسانية، مشيرة إلى جهودها مع شركائها للعمل على إدراج استثناءات إنسانية تهدف إلى تجنب التأثيرات السلبية على العمل الإنساني.

ورأت اليابان أن مشروع القرار لا يميز بصورة كافية بين العقوبات التي تعتبرها مشروعة وتلك التي قد تكون غير مشروعة، ولذلك أعلنت التصويت ضده.

خلاف دولي حول طبيعة العقوبات

ويكشف النقاش داخل مجلس حقوق الإنسان عن اختلاف واضح في تفسير طبيعة التدابير القسرية الانفرادية وآثارها.

فالدول المؤيدة للقرار، وفي مقدمتها دول حركة عدم الانحياز، تنظر إلى العقوبات والتدابير الاقتصادية الأحادية من زاوية آثارها على السكان المدنيين، وخاصة الفئات الأكثر هشاشة، وترى ضرورة وجود آلية حقوقية تدرس انعكاساتها على الغذاء والصحة والخدمات الأساسية والتنمية والاقتصاد.

أما الدول المعارضة، وعلى رأسها دول الاتحاد الأوروبي واليابان، فتؤكد أن التقييم لا ينبغي أن يشمل جميع التدابير الانفرادية باعتبارها غير قانونية أو ضارة بحقوق الإنسان بصورة تلقائية، وتتمسك بالتمييز بين الإجراءات غير المشروعة والتدابير التقييدية التي تعتمد، وفق رؤيتها، لأهداف محددة وفي إطار القانون الدولي.

ويبرز الخلاف بصورة خاصة حول السؤال المتعلق بمدى مشروعية استخدام العقوبات كأداة للسياسة الخارجية، وما إذا كان تأثيرها على السكان المدنيين يبرر اعتبارها في حد ذاتها قضية حقوق إنسان تستوجب آلية أممية مستقلة للرصد والتقييم.

اعتماد القرار بأغلبية 26 صوتًا

وفي ختام المناقشات، أُجري تصويت مسجل على مشروع القرار، وأعلن رئيس الجلسة أن النتائج جاءت بواقع 26 صوتًا مؤيدًا، و16 صوتًا معارضًا، و5 أصوات امتناع عن التصويت.

وبذلك اعتمد مجلس حقوق الإنسان مشروع القرار المتعلق بولاية المقرر الخاص المعني بالأثر السلبي للتدابير القسرية الانفرادية على التمتع بحقوق الإنسان.

ويؤكد اعتماد القرار استمرار حضور ملف العقوبات والتدابير الاقتصادية الانفرادية على أجندة مجلس حقوق الإنسان، في ظل انقسام واضح بين الدول حول توصيف هذه التدابير وآثارها القانونية والإنسانية.

وبينما ترى دول أن استمرار ولاية المقرر الخاص ضروري لتوثيق آثار العقوبات على حقوق الإنسان، تؤكد دول أخرى أن المعالجة يجب أن تميز بين التدابير غير القانونية والإجراءات التقييدية التي تعتبرها مشروعة بموجب القانون الدولي.

وفي الحالتين، أعاد النقاش التأكيد على أن قضية العقوبات لم تعد تقتصر على العلاقات بين الدول، وإنما ترتبط كذلك بالنقاش حول مدى تأثير السياسات الاقتصادية والتدابير التقييدية على حياة السكان المدنيين وقدرتهم على الوصول إلى الغذاء والخدمات الأساسية والرعاية الصحية والتنمية.

لقطة تظهر الدول المصوتة للقرار