بينما تتجه أنظار العالم إلى تداعيات الحرب والتوترات العسكرية التي تشهدها إيران، تتوارى خلف مشاهد الصواريخ والانفجارات أزمة إنسانية أقل ظهورًا لكنها أكثر استدامة، أزمة الأقليات الدينية التي تواجه تمييزًا ممنهجًا يتضاعف مع أوقات النزاعات.
ويأتي البهائيون، أكبر أقلية دينية غير معترف بها رسميًا في إيران، في مقدمة الفئات التي تعيش ما يمكن وصفه بـ”التمييز المركب”، إذ يواجهون الاضطهاد بسبب معتقدهم الديني من جهة، وبسبب ظروف الحرب التي تزيد من هشاشتهم وتحد من قدرتهم على الوصول إلى الحماية والحقوق الأساسية من جهة أخرى.
وتشير تقارير صادرة عن الأمم المتحدة إلى استمرار القيود المفروضة على البهائيين في إيران، بما يشمل الاعتقالات، والحرمان من التعليم العالي، والقيود على فرص العمل، ومصادرة الممتلكات، معتبرة أن هذه الممارسات تتعارض مع مبدأ حرية الدين والمعتقد المنصوص عليه في المواثيق الدولية.
وفي الوقت الذي تُمنح فيه الأولوية للملفات العسكرية والأمنية، تتزايد المخاوف الحقوقية من استغلال حالة الطوارئ لتشديد القيود على الأقليات، وسط تقارير عن اعتقالات جديدة ومصادرة ممتلكات وحرمان من التعليم والعمل، في انتهاكات تمتد لعقود لكنها تزداد وطأة في أوقات الأزمات.
ويُقدر عدد البهائيين في إيران بنحو 300 ألف شخص، ما يجعلهم أكبر أقلية دينية غير مسلمة في البلاد، إلا أن الدستور الإيراني لا يعترف إلا بالإسلام والمسيحية واليهودية والزرادشتية كديانات رسمية، بينما لا يمنح البهائيين اعترافًا قانونيًا كأقلية دينية، وهو ما تعتبره منظمات حقوق الإنسان عاملًا أساسيًا في تعرضهم للتمييز.
وتؤكد منظمات مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش أن غياب الاعتراف القانوني بالبهائيين ساهم في فتح الباب أمام سلسلة من الانتهاكات، تبدأ بحرمان بعض الطلاب من الالتحاق بالجامعات، وتمتد إلى منع بعضهم من وظائف حكومية، وفرض قيود على أنشطتهم الاقتصادية، إضافة إلى الاعتقالات والمحاكمات التي تقول المنظمات الحقوقية إنها تفتقر إلى معايير المحاكمة العادلة.
تحت وطأة الحرب
في الظروف الطبيعية، تواجه الأقليات الدينية تحديات كبيرة في الوصول إلى العدالة والخدمات الأساسية، لكن مع اندلاع الحروب تتضاعف هذه التحديات، فالقيود الأمنية المشددة، وإعلان حالات الطوارئ، وتراجع الرقابة الدولية، تمنح السلطات مساحة أوسع لاتخاذ إجراءات استثنائية قد تُستخدم ضد الفئات المهمشة تحت ذرائع أمنية.
وتحذّر آليات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة من أن حالات الطوارئ لا تلغي الالتزامات الدولية المتعلقة بمنع التمييز وحماية حرية المعتقد، وأن الإجراءات الأمنية يجب ألا تتحول إلى وسيلة لاستهداف جماعات دينية أو عرقية بعينها.
وتؤدي الحرب إلى تراجع الاهتمام الإعلامي الدولي بقضايا حقوق الإنسان، لتصبح معاناة الأقليات ملفًا هامشيًا أمام الأخبار العسكرية، وهو ما يفاقم شعور الضحايا بالعزلة ويقلل فرص المساءلة والعقاب.
وبخلاف حرمان الكثير من الشباب البهائيين من الالتحاق بالجامعات إذا كشفوا عن معتقدهم الديني، ومنع آخرين من مزاولة وظائف حكومية أو الحصول على تراخيص لمشروعاتهم التجارية، تواجه الأسر البهائية صعوبات في تسجيل الممتلكات أو توريثها، إضافة إلى إغلاق متاجر يملكها بهائيون في مناسبات دينية خاصة بهم، وهي ممارسات وصفتها منظمات حقوقية بأنها جزء من نمط أوسع من التضييق المنهجي.
وتؤكد تقارير حقوقية أن حملات الاعتقال بحق البهائيين لم تتوقف، بل تتجدد بصورة دورية، وتشمل استدعاءات أمنية واحتجازًا تعسفيًا وأحكامًا بالسجن بتهم تتعلق بـ”الدعاية ضد الدولة” أو “الإخلال بالأمن القومي”، وهي اتهامات تقول منظمات حقوق الإنسان إنها تُستخدم في بعض الحالات لتقييد النشاط الديني والاجتماعي السلمي.
ويؤكد القانون الدولي لحقوق الإنسان أن الحق في حرية الدين أو المعتقد والحماية من التمييز من الحقوق الأساسية، كما ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على ضرورة احترام حرية الفكر والوجدان والدين، بما يشمل حق الفرد في إظهار معتقده.
لكن معاناة البهائيين في إيران لا ترتبط بالحرب وحدها ولا بالتمييز وحده، وإنما بتقاطع الأزمتين معًا، فحين تتحول الحرب إلى غطاء لإسكات الأصوات، ويصبح الانتماء الديني سببًا للحرمان من الحقوق، يجد آلاف المواطنين أنفسهم عالقين بين تهديدات الصراع وانتهاكات السياسات الداخلية.
الجذور التاريخية للأزمة
أكد المحلل السياسي الإيراني، منصور الوائلي، أن فهم ما يتعرض له البهائيون في إيران اليوم من تمييز واضطهاد يقتضي العودة إلى الجذور التاريخية لهذه الأقلية، إذ تعود الديانة البهائية إلى الحركات الشيعية التي ظهرت خلال العهد القاجاري في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، والتي بدأت بالحركة الشيخية، ثم تطورت إلى الحركة البابية، قبل أن تنبثق منها الديانة البهائية.
وأوضح الوائلي، في حديث لـ”صفر”، أن الحركات البابية والبهائية لعبت لاحقا دورا في مسار الإصلاح السياسي في إيران خلال العصر القاجاري، لا سيما من خلال مشاركتها في الثورة الدستورية (الثورة المشروطة) عام 1905، وهذه المرحلة شهدت التفاف شريحة من البهائيين حول صعود النظام البهلوي، في الوقت الذي كانت فيه المؤسسة الدينية الشيعية تعتبر البهائية والبابية، بل وبعض التيارات الشيخية، انحرافا عن المذهب الشيعي.
وأشار إلى أنه مع قيام الثورة الإيرانية عام 1979، تحول هذا الموقف إلى ما وصفه بـ”الاضطهاد المزدوج”، إذ اعتبرت المؤسسة الدينية الجديدة البهائية انحرافا عقائديا عن التشيع، وفي الوقت ذاته جرى النظر إلى أتباعها باعتبارهم شركاء في صعود النظام البهلوي، وهو ما أسهم في ترسيخ السياسات التمييزية بحقهم.
وأضاف أن النظرة الأمنية تجاه البهائيين اتسعت بصورة ملحوظة، لا سيما في ظل وجود المركز الإداري العالمي للديانة البهائية ومرقد عبد البهاء في مدينة حيفا، وهو ما زاد من حدة السياسات الاضطهادية التي تستهدفهم.
ثلاثية الاضطهاد الإيراني
وأوضح الوائلي أن هذه السياسات تستند إلى ثلاثة محاور رئيسية، أولها البعد الأمني المرتبط بوجود المركز الإداري للبهائيين في حيفا، وثانيها البعد الديني الذي يصنف البهائية باعتبارها انحرافا عن التشيع من منظور المؤسسة الدينية الرسمية، وثالثها البعد السياسي المرتبط بما يصفه بدور تاريخي لبعض البهائيين في دعم النظام البهلوي، مؤكدا أن استمرار الاضطهاد بحق البهائيين حتى اليوم هو نتيجة تفاعل هذه العوامل الثلاثة.
وأشار إلى أن الحركة البهائية تمتلك جماعات ضغط مؤثرة في الولايات المتحدة، وأن نشاطها يثير انزعاج السلطات الإيرانية، مضيفا أن جزءا من حملة التضييق الحالية يستهدف الحد من تحركات هذه الجماعات، التي يرى أنها تدعم بعض أطياف المعارضة الإيرانية، لا سيما التيار الملكي بقيادة رضا بهلوي، نجل شاه إيران الراحل محمد رضا بهلوي.
ولفت إلى أن نسبة كبيرة من البهائيين تعمل في القطاع التجاري وتمتلك عقارات ومشروعات اقتصادية، معتبرا أن الضغوط التي تمارس ضدهم تهدف، في أحد أبعادها، إلى ممارسة ضغوط اقتصادية عليهم واستخلاص مبالغ مالية كبيرة منهم.
وأشار إلى سبب آخر، يتمثل في وجود تيار داخل إيران يسعى إلى دفع البهائيين للعودة إلى المذهب الشيعي أو اعتناق الإسلام، مستشهدا بـ”جمعية الحجتية” بوصفها أحد أبرز الأمثلة، وأضاف أن هذا التيار الذي قال إن الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد كان من المنتمين إليه، يتمتع بنفوذ واسع داخل إيران، وقد تأسس لمناهضة الحركتين البابية والبهائية.
خوف ومعاناة دائمة
من جانبه، أكد الكاتب والمعارض الإيراني اللاجئ في بريطانيا، علي نوري زاده، في حديث لـ”صفر”، أن الطائفة البهائية تعيش أوضاعا وصفها بـ”المأساوية” في إيران، مشيرا إلى وجود تباين جذري بين أوضاعها قبل قيام النظام الحالي وما آلت إليه بعد الثورة الإيرانية.
وأوضح زاده أن أتباع الديانة البهائية كانوا قبل قيام النظام الحالي يعيشون في أمان ويمارسون حياتهم بصورة طبيعية، ويشاركون في مختلف المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية والفنية والرياضية، حيث عاشوا دون مشكلات تذكر.
وأضاف مدير مركز الدراسات العربية الإيرانية في لندن أنه التقى بأتباع الديانة البهائية في عدد من الدول العربية، من بينها مصر واليمن ودول الخليج والمغرب، وكانوا يعملون في مهن مختلفة، مثل الطب والصيدلة، مؤكدًا أن البهائيين ينتشرون في أنحاء العالم كافة، مع احتفاظهم بارتباط روحي خاص بإيران، لا سيما مدينة شيراز التي تعد من أقدس المدن لديهم.
وأشار زاده إلى أن أوضاع البهائيين تغيرت بصورة جذرية منذ قيام النظام الإيراني الحالي، مؤكدا أنهم تعرضوا لمختلف أشكال الاضطهاد، بما في ذلك القتل والتعذيب والسجن، كما أن العشرات من أبناء الطائفة أُعدموا بتهم وصفها بـ”الواهية”، من بينها التعاون مع إسرائيل، لمجرد وجود المركز الروحي العالمي للديانة البهائية هناك، وذلك رغم أن البهائيين لا يمارسون العمل السياسي بمفهومه التقليدي، بل ينصرف اهتمامهم إلى شؤونهم الدينية والثقافية والحفاظ على اللغة والثقافة الفارسية ومع ذلك يتعرضون لانتهاكات جسيمة.
وكشف المعارض الإيراني عن تجارب شخصية عاشها مع عدد من أصدقائه البهائيين العاملين في مجالي الصحافة والتعليم الجامعي، مشيرا إلى أن بعضهم تعرض للاعتقال والتعذيب قبل أن يضطر إلى مغادرة البلاد، بينما توفي آخرون داخل السجون أو نُفذت بحقهم أحكام بالإعدام.
ولفت إلى أن السلطات الإيرانية شددت خلال السنوات الأخيرة من الضغوط المفروضة على البهائيين، الأمر الذي جعلهم يعيشون في حالة دائمة من الخوف وعدم الاستقرار، موضحا أن أبناء الطائفة يُحرمون من الالتحاق بالجامعات، وهو ما دفعهم إلى إنشاء مؤسسات تعليمية داخل المنازل، إلا أن السلطات لاحقت تلك المبادرات أيضا، ومنعت الأساتذة البهائيين من التدريس حتى في المنازل.
وأعرب زاده عن أسفه الشديد لما تتعرض له الأقليات الدينية في إيران، قائلا إنه يشعر بالخجل بصفته إيرانياً نشأ في مجتمع كان أكثر انفتاحا على التعدد الديني، إزاء ما يواجهه البهائيون وغيرهم من الطوائف الدينية، بما في ذلك أهل السنة والأكراد والإيزيديون واليهود والمسيحيون، مضيفا أن حالة انعدام الشعور بالأمان لم تعد تقتصر على الأقليات، بل تمتد إلى كثير من الشيعة أيضا باستثناء المؤيدين للنظام.

