شهدت أفغانستان دعوات أممية جديدة إلى توسيع مشاركة النساء في مختلف مجالات الحياة، بالتزامن مع تصاعد التحديات الإنسانية الناتجة عن عودة ملايين اللاجئين من الدول المجاورة، في وقت تؤكد فيه الأمم المتحدة أن البلاد لن تتمكن من تجاوز أزماتها المتراكمة من دون الاستفادة من طاقات النساء والرجال على حد سواء.
وترى المنظمة الدولية أن المرحلة الحالية تتطلب استثمار جميع الكفاءات الوطنية لمواجهة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تفاقمت خلال السنوات الأخيرة.
وذكرت وكالة فرانس برس أن مسؤولين بارزين في الأمم المتحدة شددا، خلال زيارة إلى أفغانستان، على ضرورة ضمان حق النساء في التعليم والعمل وريادة الأعمال، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لتحقيق التنمية والاستقرار.
وجاءت هذه التصريحات في ظل استمرار القيود التي تفرضها سلطات طالبان على مشاركة النساء في الحياة العامة منذ عودتها إلى الحكم في كابول عام 2021، وهو ما يثير انتقادات متواصلة من المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية.
مشاركة النساء ضرورة للتعافي
أكد ألكسندر دي كرو، مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أن أفغانستان تحتاج إلى جهود جميع مواطنيها لمواجهة التحديات الراهنة، موضحاً أن عملية التعافي لا يمكن أن تعتمد على شريحة واحدة من المجتمع.
وقال إن البلاد تحتاج إلى كل الكفاءات المتاحة، سواء من الرجال أو النساء، حتى تتمكن من بناء مستقبل أكثر استقراراً وقدرة على مواجهة الأزمات.
وأدلى دي كرو بهذه التصريحات خلال زيارته مركزاً لحياكة السجاد في منطقة نهر شاهي شمال أفغانستان، حيث يعمل عدد من النساء اللواتي عدن مؤخراً إلى البلاد بعد سنوات من اللجوء.
وتعكس هذه الزيارة اهتمام الأمم المتحدة بتوفير فرص اقتصادية للعائدين، مع التركيز على دعم المشروعات الصغيرة التي تساعد الأسر على تأمين مصادر دخل مستقرة.
عودة اللاجئين تضاعف التحديات
تواجه أفغانستان ضغوطاً متزايدة نتيجة عودة أكثر من ستة ملايين مواطن من باكستان وإيران منذ سبتمبر 2023، بعدما شددت الدولتان سياسات الهجرة وإجراءات الإقامة.
وأدت هذه العودة الجماعية إلى زيادة الأعباء على البنية التحتية والخدمات الأساسية في بلد يعاني بالفعل أوضاعاً اقتصادية وإنسانية معقدة.
وتتركز أبرز التحديات التي تواجه العائدين في توفير المساكن وفرص العمل والرعاية الصحية والتعليم، إضافة إلى صعوبة اندماجهم مجدداً في المجتمعات المحلية بعد سنوات طويلة من الإقامة خارج البلاد، وترى الأمم المتحدة أن التعامل مع هذه التطورات يتطلب خططاً تنموية شاملة تتجاوز المساعدات الإنسانية الطارئة.
مطالب أممية برفع القيود
دعا دي كرو السلطات الأفغانية إلى ضمان حصول النساء والفتيات على التعليم والعمل وإتاحة الفرصة أمامهن لدخول مجال ريادة الأعمال، مؤكداً أن حرمان نصف المجتمع من المشاركة الاقتصادية ينعكس بصورة مباشرة على فرص التنمية والنمو.
وتفرض سلطات طالبان منذ عام 2021 سلسلة من القيود على النساء، شملت منعهن من مواصلة الدراسة بعد المرحلة الابتدائية، وحرمانهن من العمل في عدد من القطاعات والمهن، إلى جانب فرض قيود على دخول المتنزهات والأماكن العامة. وتواصل هذه السياسات إثارة انتقادات واسعة من الأمم المتحدة وعدد كبير من الدول والمنظمات الحقوقية.
تأثير القيود في العمل الإنساني
أكد المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، برهم صالح، أن القيود المفروضة على عمل النساء داخل مكاتب الأمم المتحدة تمثل عقبة كبيرة أمام قدرة المنظمة على تقديم خدماتها الإنسانية للفئات الأكثر احتياجاً في أفغانستان.
وأوضح أن منع الموظفات من أداء مهامهن يقلل من كفاءة البرامج الإغاثية، خاصة في المجتمعات التي تتطلب مشاركة النساء للوصول إلى الأسر والفئات الضعيفة، مؤكداً أن استمرار هذه القيود يحد من قدرة الأمم المتحدة على تنفيذ برامجها بالشكل المطلوب.
وأشار صالح إلى أنه يعتزم عقد لقاءات مع مسؤولين في طالبان خلال الأيام المقبلة في كابول، بهدف مناقشة سبل رفع الحظر المفروض على الموظفات العاملات لدى الأمم المتحدة، ما يضمن استمرار تقديم المساعدات الإنسانية دون معوقات.
التنمية تحتاج إلى الجميع
شدد برهم صالح على أن أفغانستان تستحق الحصول على الدعم الدولي في هذه المرحلة الصعبة، لكنه أوضح أن نجاح هذا الدعم يتطلب وجود تعاون وتنسيق بين السلطات والمنظمات الدولية، ما يسمح بتنفيذ البرامج الإنسانية والتنموية بصورة فعالة.
وأضاف أن المجتمع الأفغاني يمتلك طاقات كبيرة ينبغي توظيفها لخدمة مستقبل البلاد، مؤكداً أن تمكين الرجال والنساء والفتيان والفتيات من المشاركة في عملية التنمية يمثل شرطاً أساسياً لبناء مجتمع قادر على تجاوز الأزمات المتراكمة.
وأكد أن التنمية الحقيقية في أفغانستان لن تتحقق في ظل استمرار استبعاد النساء والفتيات من التعليم والعمل؛ لأن أي خطة للنهوض الاقتصادي والاجتماعي تحتاج إلى مشاركة جميع أفراد المجتمع دون استثناء.
عادت حركة طالبان إلى السيطرة على أفغانستان في أغسطس 2021 عقب انسحاب القوات الأمريكية والدولية، ومنذ ذلك الوقت فرضت السلطات الجديدة مجموعة واسعة من القيود على النساء شملت التعليم والعمل والتنقل والمشاركة في الحياة العامة. كما تواجه البلاد واحدة من كبريات الأزمات الإنسانية في العالم، إذ يعتمد ملايين الأفغان على المساعدات الدولية لتلبية احتياجاتهم الأساسية في ظل تراجع الاقتصاد وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.
وفي الوقت نفسه، أدت سياسات ترحيل وتشديد الإقامة التي اعتمدتها باكستان وإيران خلال الأعوام الأخيرة إلى عودة ملايين اللاجئين إلى أفغانستان، وهو ما زاد الضغوط على الخدمات العامة وسوق العمل، ودفع الأمم المتحدة إلى التحذير من أن نجاح جهود الإغاثة والتنمية يرتبط بتوفير بيئة تسمح بمشاركة جميع أفراد المجتمع، وفي مقدمتهم النساء، في التعليم والعمل والإنتاج.
