ضمن فعاليات الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، واصل المجلس جهوده الرامية إلى التصدي لظاهرة زواج الأطفال والزواج المبكر والقسري، باعتماد مشروع القرار L24 Rev.1 بعد سلسلة من المشاورات والمناقشات المكثفة والتعديلات الشفهية والخطية التي سبقت التصويت.
يأتي القرار استكمالًا للمسار الذي بدأه المجلس منذ أكثر من عقد، في ظل استمرار هذه الظاهرة باعتبارها واحدة من أخطر الانتهاكات التي تمس حقوق النساء والفتيات وتعوق تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وعلى رأسها الهدف الخامس المتعلق بالمساواة بين الجنسين.
وشهدت الجلسة اعتماد تعديلات شفهية وخطية على مشروع القرار، شملت التعديلات L.41 Oral Rev وL.42 وL.43 وL.44، في حين تم سحب عدد من التعديلات الأخرى التي كانت مطروحة سابقاً، وهي L.28 وL.29 وL.30، في خطوة عكست استمرار الجهود الرامية إلى الحفاظ على أكبر قدر ممكن من التوافق بين الدول الأعضاء.
استمرار زواج الأطفال
خلال تقديم مشروع القرار، أكد ممثل المجموعة الأساسية أن العالم، ورغم التقدم الذي تحقق منذ عام 2014، لا يزال يواجه تحدياً هائلاً يتمثل في استمرار زواج الأطفال، مشيراً إلى أن نحو 650 مليون امرأة على قيد الحياة اليوم تزوجن وهن في مرحلة الطفولة.
وأوضح أن استمرار المعدلات الحالية يعني أن القضاء على هذه الظاهرة قد يستغرق نحو 300 عام، وهو ما يفرض على المجتمع الدولي التحرك بصورة أكثر سرعة وفاعلية؛ لأن القضية لا تتعلق بالأرقام والإحصاءات فحسب، وإنما بحياة ملايين الفتيات ومستقبلهن وحقوقهن الأساسية.
وأشار إلى أن مشروع القرار يستند إلى أحدث المبادئ التوجيهية التي أعدها مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، ويركز على معالجة الأسباب الهيكلية والاجتماعية التي تؤدي إلى استمرار الظاهرة، ومنها الفقر وعدم المساواة والتمييز والأعراف الاجتماعية الضارة.
زواج الأطفال ينتهك حقوق الإنسان
من جانبها، أكدت سويسرا أن زواج الأطفال والزواج المبكر والقسري يمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الإنسان، ويشكل معوقاً أمام تحقيق المساواة بين الجنسين والتنمية المستدامة، لافتة إلى أن القضاء على هذه الظاهرة يعد جزءاً من تنفيذ الهدف 5.1 من أهداف التنمية المستدامة.
ورغم التقدم الذي تحقق في العديد من المناطق، أوضحت سويسرا أن الطريق لا يزال طويلاً قبل الوصول إلى القضاء الكامل على هذه الممارسة بحلول عام 2030، مشيرة إلى أن المجلس اعتمد في عام 2023 قراراً مهماً في هذا الشأن، في حين يركز القرار الحالي على تنفيذ المبادئ التوجيهية باعتبارها أداة عملية لتسريع الجهود الدولية وتحسين كفاءة عمل المجلس.
أما السودان، متحدثاً باسم المجموعة العربية، فأوضح أن المجموعة قدمت خلال المشاورات عدداً من الصياغات البديلة استجابة للشواغل التي أثارتها بعض الوفود، بهدف الحفاظ على توافق الآراء الذي ميّز القرارات السابقة.
وأشار إلى أن المجموعة العربية أعربت عن تحفظها تجاه بعض المصطلحات، خاصة تلك المتعلقة بالتثقيف الجنسي، معتبرة أن المبادئ التوجيهية التقنية الدولية ليست وثائق ملزمة ولم تعتمد رسمياً من قبل الدول الأعضاء، وبالتالي لا ينبغي إدراج لغة لم تحظَ بإجماع دولي داخل قرارات المجلس.
حقوق النساء والفتيات
خلال المناقشات العامة، شددت كوبا على أن زواج الأطفال والزواج المبكر والقسري يمثل انتهاكاً جسيماً لحقوق الإنسان، ويؤثر بصورة خاصة في النساء والفتيات، رغم أن الرجال والفتيان قد يتعرضون له أيضاً في بعض الحالات.
وأوضحت أن قانون الأسرة في كوبا يحظر زواج الأطفال بشكل كامل ويحدد سناً قانونية دنيا للزواج دون استثناء، مؤكدة أن القضاء على هذه الظاهرة يتطلب -إلى جانب التشريعات- اتخاذ إجراءات متكاملة تشمل الصحة والتعليم والمساواة بين الجنسين والحماية الاجتماعية، مع إشراك المجتمع في جهود التوعية والوقاية.
وأكدت أن الدول تتحمل المسؤولية الرئيسية عن ضمان تمتع جميع النساء والفتيات بحقوق الإنسان، والعمل على منع هذه الممارسة والقضاء عليها، معلنة دعمها الكامل لمشروع القرار.
التزام عالمي بإنهاء زواج الأطفال
بدورها، أكدت آيسلندا أن تنوع الدول المشاركة في رعاية القرار يعكس وجود التزام عالمي بإنهاء زواج الأطفال باعتباره قضية حقوق إنسان تتجاوز الحدود والثقافات.
وأوضحت أن هذه الممارسة تنتهك الكرامة والحق في الصحة والتعليم والمستقبل، مشيرة إلى أن بلادها عملت خلال السنوات الماضية على تطوير التشريعات والسياسات التعليمية للحد من هذه الظاهرة، مع التركيز على تمكين النساء والفتيات من اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن حياتهن وأجسادهن.
وأضافت أن مشروع القرار يعتمد نهجاً متوازناً يجمع بين الوقاية والحماية والتمكين، ويضع إطاراً عملياً لتعزيز الجهود الرامية إلى إنهاء زواج الأطفال والزواج المبكر والقسري.
انتهاك خطير لحقوق الطفل
وأكدت غانا أن زواج الأطفال لا يزال يمثل انتهاكاً خطيراً لحقوق الطفل، خاصة الفتيات، ويقوض حقوقهن في التعليم والصحة والمساواة والتنمية والحماية من العنف.
وفي الوقت نفسه، شددت على ضرورة الالتزام باللغة المتفق عليها دولياً، موضحة أن الإشارات إلى الصحة الجنسية والإنجابية يجب ألا تُفسر على أنها تنشئ حقوقاً جديدة أو توسع الالتزامات الدولية القائمة.
وأكدت أن برامج التثقيف المتعلقة بالجنسية والصحة الإنجابية يجب أن تكون مناسبة للعمر، وقائمة على الأدلة، وتحترم الخصوصيات الثقافية والتشريعات الوطنية وحقوق الوالدين ومسؤولياتهم وفقاً لاتفاقية حقوق الطفل.
زواج الأطفال من أخطر الانتهاكات
من جهتها، أشادت اليابان بقيادة المجموعة الأساسية للمفاوضات، معتبرة أن زواج الأطفال والزواج المبكر والقسري يظل من أخطر الانتهاكات التي تطول النساء والفتيات، لما يسببه من آثار سلبية في الكرامة والتعليم والفرص الاقتصادية.
ورحبت اليابان باعتماد نهج شامل قائم على حقوق الإنسان يركز على الضحايا والناجيات، ويعالج الأسباب الجذرية للظاهرة، مثل الفقر وعدم المساواة والتمييز والأزمات الإنسانية وضعف فرص التعليم.
وأشادت باعتراف القرار بالنساء والفتيات المتضررات باعتبارهن شركاء في التغيير، وليس مجرد ضحايا بحاجة إلى الحماية، مؤكدة أهمية تمكينهن وإشراكهن في صياغة السياسات والبرامج.
وتحدثت إستونيا باسم دول الاتحاد الأوروبي الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان، مشيرة إلى أن أكثر من 100 مليون فتاة يواجهن خطر التعرض لزواج الأطفال خلال السنوات المقبلة.
وأكدت أن هذه الممارسة تعرض الفتيات لمخاطر العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، وتحرمهن من التعليم والتمكين الاقتصادي والمشاركة الكاملة في الحياة العامة، كما تترك آثاراً طويلة الأمد في صحتهن ومستقبلهن.
وأوضحت أن تصاعد النزاعات والأزمات الإنسانية أدى إلى تفاقم العوامل المؤدية إلى زواج الأطفال، الأمر الذي يجعل القرار الحالي أكثر أهمية في هذه المرحلة، خصوصاً مع تركيزه على ضمان الوصول إلى التعليم وتعزيز المساواة بين الجنسين.
أخطر أشكال العنف
أما إسبانيا، فوصفت زواج الأطفال بأنه أحد أخطر أشكال العنف والانتهاكات الحقوقية، مؤكدة أن القضاء عليه يتطلب معالجة الأسباب الجذرية، وفي مقدمتها عدم المساواة والتمييز.
وأشارت إلى أنها اعتمدت عام 2022 قانوناً شاملاً لضمان الحرية الجنسية، يعترف بالزواج القسري باعتباره أحد أشكال العنف الجنسي، ويوسع تدابير الحماية والوقاية وجبر الضرر.
وأضافت أن الاستثمار في تعليم الفتيات وتعزيز نظم الحماية والتثقيف الجنسي الشامل، إلى جانب توفير خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، يمثل أدوات أساسية لإنهاء هذه الظاهرة، مؤكدة معارضتها لأي تعديلات من شأنها إضعاف النص أو تقليص الحماية التي يوفرها.
العنف القائم على النوع الاجتماعي
في السياق ذاته، شددت المملكة المتحدة على أن الزواج المبكر يعد أحد أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي، مؤكدة دعمها للنهج الذي يركز على التعليم والتمكين وتعزيز قدرة الفتيات على اتخاذ القرارات المتعلقة بحياتهن، معتبرة أن استبدال اللغة المتفق عليها دولياً بشأن التثقيف الجنسي من شأنه إضعاف أهداف القرار.
وأكدت سلوفينيا أن زواج الأطفال ليس قضية ثقافية أو اجتماعية فحسب، بل يمثل انتهاكاً جسيماً لحقوق الإنسان وشكلاً من أشكال العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، يحرم الفتيات من طفولتهن وتعليمهن وصحتهن واستقلاليتهن وفرص مشاركتهن الكاملة في المجتمع.
وأوضحت أن القرار يركز على ضرورة اقتران جهود مكافحة زواج الأطفال بتوفير التعليم الجيد والخدمات الصحية والحماية الاجتماعية والفرص الاقتصادية والعدالة، إلى جانب إشراك الناجيات والمجتمع المدني والمدافعين عن حقوق الإنسان والرجال والفتيان في مواجهة الأعراف الاجتماعية التي تكرس هذه الممارسة.
وفي ختام المناقشات، أعلن رئيس مجلس حقوق الإنسان الانتقال إلى مرحلة اتخاذ الإجراءات بشأن مشروع القرار، موضحاً أن بيانات الآثار المالية أُتيحت للدول الأعضاء عبر منصة المجلس، قبل البدء بالنظر في التعديلات المقدمة كل على حدة.
