منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

صفقة نتفليكس- وارنر براذرز.. تهديدٌ لحقوق العاملين والإبداع والمنافسة في هوليوود

08 ديسمبر 2025

أحدثت صفقة نتفليكس المقترحة للاستحواذ على استوديو وارنر براذرز، بقيمة تصل إلى 83 مليار دولار، صدمة كبيرة في أوساط صناعة السينما الأمريكية، حيث أثارت الصفقة مخاوف واسعة بين النقابات الفنية، والممثلين، وكتاب السيناريو، وأصحاب دور العرض السينمائية، الذين حذروا من أن هذه الصفقة قد تشكل تهديدًا مباشرًا لوظائف العاملين، وحرية الإبداع، والمنافسة في سوق البث.

وفق تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز”، فإن الاستحواذ يُعد خطوة تاريخية تُعيد رسم خريطة المشهد السينمائي والتلفزيوني العالمي، فبينما تسعى نتفليكس لتوسيع سيطرتها على الإنتاج الرقمي والبث المباشر، يخشى العاملون والمبدعون من أن الصفقة ستؤدي إلى تقلص فرص التوزيع السينمائي التقليدي، وهو ما يعني تقليصًا لعدد الوظائف المتاحة وتقليصًا لمساحة الإبداع الفني.

النقابات تدق ناقوس الخطر

دخلت نقابة كتاب السيناريو في هوليوود بقوة في معركة الاحتجاج على الصفقة، معتبرة أن اندماج أكبر شركة بث في العالم مع أحد أكبر منافسيها يمثل تهديدًا واضحًا لحرية المنافسة، ويخالف القوانين التي وضعت لمنع الاحتكار، وحذرت النقابة من أن الصفقة قد تؤدي إلى إلغاء وظائف، وخفض الأجور، وتدهور ظروف جميع العاملين في قطاع الترفيه، بالإضافة إلى رفع الأسعار على المستهلكين وتقليل تنوع المحتوى المتاح للجمهور.

من جانبها، أكدت نقابة ممثلي الشاشة (SAG-AFTRA)، التي تضم نحو 160 ألف عضو، أن الصفقة قد تخدم مصالح المساهمين لكنها تضع مستقبل المواهب الإبداعية ومساراتهم المهنية في خطر.

كما دقت نقابة المخرجين الأمريكية ناقوس الخطر، معتبرة أن وجود صناعة نابضة بالحياة وتنافسية أمر أساسي لحماية الحقوق الإبداعية للمخرجين وفرقهم، وضمان إنتاج محتوى متنوع ومبتكر.

التحذيرات السياسية

لم تتوقف المخاوف عند حدود النقابات، بل امتدت إلى السياسيين الأمريكيين الذين اعتبروا الصفقة تهديدًا كبيرًا للمستهلكين والعاملين على حد سواء، وصفت السيناتور إليزابيث وارن الصفقة بأنها “كابوس احتكاري”، مشيرة إلى أن اندماج نتفليكس ووارنر براذرز سيخلق عملاقًا إعلاميًا يسيطر على ما يقرب من نصف سوق البث، مما يهدد المستهلكين بزيادة أسعار الاشتراك وتقليص الخيارات.

بدوره، أكد السيناتور روجر مارشال أن الصفقة تُعد مشكلة احتكار أفقية واضحة، إذ تجمع بين اثنتين من أكبر منصات البث في العالم، مما قد يؤدي إلى خفض مستوى المنافسة، وزيادة الأسعار، وتقليص حرية الإبداع الفني، وهو ما يعكس خطرًا حقيقيًا على حقوق المستهلكين والعمال في الوقت نفسه.

كما أصدرت النائبة لورا فريدمان بيانًا أكدت فيه ضرورة تقييم أي اندماج في قطاع الإعلام بناءً على تأثيره على المنافسة والتوظيف، مشيرة إلى أن الدمج المتكرر في الصناعة أدى بالفعل إلى فقدان العديد من الوظائف في هوليوود.

وأعربت شخصيات بارزة مثل جين فوندا وجيمس كاميرون عن مخاوفها من أن الصفقة قد تهدد صناعة الترفيه بأكملها، بما في ذلك الجمهور الذي تخدمه السينما المستقلة والمواهب الجديدة، وقالت فوندا إن الصفقة “تمثل تصعيدًا مقلقًا يهدد صناعة الترفيه بأكملها”.

كما أكدت النقابات الفنية ضرورة أن أي صفقة تصب في مصلحة العاملين والمبدعين يجب أن تؤدي إلى المزيد من الإنتاج والإبداع، لا إلى تقليصهما، مع احترام حقوق جميع المواهب البشرية المشاركة في الصناعة.

مكافحة الاحتكار في هوليوود

لم تكن هذه التحديات الاحتكارية جديدة على صناعة السينما الأمريكية، ففي ثلاثينيات القرن الماضي، واجهت استوديوهات هوليوود الكبرى مثل MGM وParamount وWarner Bros تحقيقات قانونية بسبب سيطرتها على الإنتاج، والتوزيع، ودور العرض.

 أسفر هذا الضغط عن تعديلات قانونية أجبرت الاستوديوهات على فصل ملكيتها لدور السينما عن الإنتاج، وهو ما أسهم في فتح المجال أمام منافسة أوسع ونمو شركات مستقلة.

اليوم، تواجه هوليوود اختبارًا جديدًا في عصر البث الرقمي، حيث تمتلك شركات التكنولوجيا مثل نتفليكس وأمازون وآبل إمكانيات ضخمة لاحتكار سوق الإعلام، وهو ما يعيد المخاطر التاريخية إلى الواجهة، لكن بأساليب أكثر تعقيدًا، تشمل المحتوى الرقمي والتحكم في المنصات العالمية.

وتشير التقارير إلى أن هوليوود فقدت عشرات الآلاف من الوظائف منذ عام 2020، مع انتقال الكثير من المهنيين إلى مناطق أخرى بحثًا عن فرص عمل، امتد تأثير هذه الخسائر إلى قطاعات مرتبطة بالإنتاج السينمائي مثل فناني المكياج، ومنسقي الموسيقى، وأصحاب المطاعم والمتاجر الصغيرة حول الاستوديوهات، وهو ما يوضح عمق تأثير الاستحواذ على المجتمع المحلي والاقتصاد الإبداعي.

وقال ستيفن غالاوي: “أنت لا تحصل على المال الذي كنت تحصل عليه سابقًا، وبالتالي تنفق أموالًا أقل، وبالتالي لا يحصل شخص آخر على دخل، وهذا يؤدي إلى تسريح محلي”.

حتى مع تصريحات متفائلة من الرؤساء التنفيذيين لنتفليكس مثل جريج بيترز وتيد ساراندوس بأن الاستحواذ سيوسع الإنتاج ويخلق وظائف جديدة، يبقى العاملون متشككين من أن الأولوية ستظل للمصالح المالية للشركة على حساب حقوقهم وسبل معيشتهم، خاصة في ظل التاريخ الطويل لصفقات الدمج التي غالبًا ما تؤدي إلى تخفيض القوى العاملة.

المنافسة والسوق

يمثل استحواذ نتفليكس على وارنر براذرز جزءًا من موجة أوسع لاندماج شركات التكنولوجيا مع صناعة الإعلام، حيث استحوذت أمازون على استوديوهات MGM في 2022، وأطلقت آبل خدمة بثها منذ 2019، وأكدت مجلة “فوربس” أن هذا التوسع يقلل من عدد اللاعبين الرئيسيين في السوق، مما يحد من المنافسة ويقوي سلطة الشركات الكبرى على المحتوى وأسعار التوزيع.

وأوضح جيسون كيلار، الرئيس التنفيذي السابق لشركة وارنر ميديا: “لو كُلِفت بذلك، لما وجدتُ طريقة أكثر فاعلية للحد من المنافسة في هوليوود من بيع وارنر براذرز إلى نتفليكس”، وهذا يبرز المخاطر المرتبطة بتقليص عدد المستهلكين للخيارات والإبداع في السوق.

تتجاوز تأثيرات الصفقة حدود استوديوهات السينما، فهي تمتد إلى الاقتصاد المحلي والمجتمعات المحيطة، فانخفاض فرص العمل في هوليوود يؤثر على المطاعم والمتاجر الصغيرة وموردي الخدمات والفنانين المستقلين، ويؤدي إلى هجرة المواهب إلى مناطق أخرى، ما يضع ضغطًا إضافيًا على الاقتصاد المحلي وحقوق العمال في المنطقة.

وفق “أسوشيتد برس”، يشكل هذا التحول تحديًا مزدوجًا: حماية حقوق العاملين والحفاظ على الاقتصاد المحلي، وفي الوقت نفسه تلبية متطلبات السوق العالمية في عصر البث الرقمي.

تواجه الصفقة اختبارًا تنظيميًا حقيقيًا، مع ضغط من النقابات، والسياسيين، والجمهور، وحذرت الجهات التنظيمية من أن الاندماج قد يُخل بمعايير مكافحة الاحتكار، ويضع قيودًا على حرية المنافسة والإبداع، وفق تقرير نشرته “الغارديان”، فإن التشريعات والقوانين ستكون المقياس الأهم لتحديد ما إذا كانت الصفقة ستضمن حقوق العاملين وتحمي المستهلكين أم لا.

تحديات صناعة الإعلام

تظهر هذه الصفقة مثالًا حيًا على التحديات المعاصرة في صناعة الإعلام، حيث تتقاطع مصالح العمال والمبدعين والمستهلكين مع قوة رأس المال الكبير، وتتطلب مراقبة حذرة لضمان عدم استغلالها على حساب حقوق الإنسان وحرية السوق.

تشكل صفقة نتفليكس–وارنر براذرز نموذجًا حيًا للتحديات الحقوقية في العصر الرقمي. فهي تمس ثلاث حقوق رئيسية: حق العمال في العمل اللائق والحماية من فقدان الوظائف وخفض الأجور، حق المبدعين في الاستقلالية وحرية التعبير دون قيود احتكارية، حق الجمهور في الوصول إلى محتوى متنوع ومتاحة بأسعار عادلة.

ومن المقرر أن يكون لنجاح أو فشل هذه الصفقة انعكاسات طويلة الأمد على صناعة الترفيه الأمريكية والعالمية، وسيختبر قدرة النظام القانوني والتنظيمي على حماية الحقوق الأساسية في عصر سيطرة رأس المال الكبير على الإعلام والثقافة.