نبّه تقرير أممي حديث إلى أن التوسع في استخدام تقنيات المراقبة الرقمية حول العالم بات يشكل تحدياً متزايداً أمام الحقوق والحريات الأساسية، ولا سيما الحق في التجمع السلمي وتكوين الجمعيات، محذراً من أن الحكومات والجهات الأخرى أصبحت تمتلك أدوات غير مسبوقة لرصد الأفراد وتتبع أنشطتهم ومراقبة تحركاتهم، الأمر الذي يهدد المجال المدني ويقوض أسس المشاركة الديمقراطية في العديد من الدول.
وأشار التقرير، الذي يُعرض أمام الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والمنعقدة خلال الفترة من 15 يونيو إلى 10 يوليو، إلى أن المراقبة الرقمية لم تعد مجرد قضية مرتبطة بالخصوصية أو بحماية البيانات الشخصية، بل أصبحت تمس بصورة مباشرة مجموعة واسعة من الحقوق الأساسية، وعلى رأسها حرية التجمع السلمي وحرية تكوين الجمعيات، نظراً لما تفرضه من آثار ردعية تدفع الأفراد والجماعات إلى تجنب المشاركة في الأنشطة المدنية والسياسية خشية التعرض للرصد أو الملاحقة.
وأوضح التقرير، الذي أعدته المقررة الخاصة المعنية بالحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات، أن التطورات التكنولوجية المتلاحقة وفّرت إمكانات هائلة للحكومات والجهات الخاصة لجمع البيانات وتحليلها ومراقبة السلوك البشري بصورة لم تكن ممكنة في السابق، ما أوجد بيئة رقمية تتسم بتراجع الحدود الفاصلة بين الحياة الخاصة والرقابة المستمرة.
واستند التقرير إلى مشاورات واسعة شملت عشرات الدول ومئات النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان والمحامين والصحفيين وممثلي المجتمع المدني، إلى جانب دراسات وأبحاث وتقارير متخصصة تناولت التأثيرات المتزايدة للمراقبة الرقمية على الحقوق المدنية والسياسية. وخلصت هذه المشاورات إلى وجود قلق متنامٍ بشأن الآثار المترتبة على الانتشار الواسع للتقنيات الحديثة المستخدمة في الرصد والتتبع والتحليل الرقمي.
ولفت التقرير إلى أن توسع المراقبة الرقمية يجري غالباً تحت مبررات تتعلق بالأمن القومي ومكافحة الإرهاب والجريمة الإلكترونية وحماية النظام العام، إلا أن العديد من التدابير التي تُتخذ باسم الأمن تتجاوز في كثير من الأحيان حدود الضرورة والتناسب التي يفرضها القانون الدولي لحقوق الإنسان.
وأوضح أن بعض الحكومات أصبحت تنظر إلى الأنشطة المدنية والسياسية المشروعة باعتبارها تهديدات أمنية محتملة، ما يؤدي إلى إخضاعها لمستويات متزايدة من الرقابة والرصد، ويخلق مناخاً من الشك والارتياب يؤثر سلباً على قدرة المواطنين على ممارسة حقوقهم بحرية.
وأشار التقرير إلى أن منظومة المراقبة الحديثة لم تعد تقتصر على أدوات تقليدية أو منفصلة، بل أصبحت تعتمد على شبكة متكاملة من التقنيات تشمل برامج التجسس الإلكترونية، واستخراج البيانات الرقمية، وأنظمة التعرف على الهوية باستخدام القياسات البيومترية، وتقنيات التعرف على الوجوه، وتحليل البيانات الضخمة، واستخدام الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالسلوك ورصد الأنشطة.
وتشمل هذه المنظومة، بحسب التقرير، استخدام كاميرات المراقبة الذكية والطائرات المسيرة وتقنيات تحديد المواقع الجغرافية، إضافة إلى الاستفادة من البيانات التي تجمعها تطبيقات الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي والخدمات الرقمية المختلفة.
وأكد التقرير أن خطورة هذه التقنيات لا تكمن فقط في قدرتها على جمع المعلومات، وإنما أيضاً في إمكانية الربط بين مصادر متعددة للبيانات وتحليلها بصورة تسمح ببناء ملفات تفصيلية عن الأفراد، تشمل اهتماماتهم السياسية والاجتماعية وتحركاتهم وعلاقاتهم واتصالاتهم وحتى حالتهم الصحية أو النفسية في بعض الحالات.
ويرى التقرير أن هذا الواقع يخلق اختلالاً واضحاً في ميزان القوة بين الجهات التي تمتلك أدوات المراقبة والأفراد الخاضعين لها، خاصة أن عمليات الرصد غالباً ما تتم بشكل غير مرئي، ما يجعل من الصعب على الأشخاص معرفة ما إذا كانوا تحت المراقبة أو الجهة التي تجمع بياناتهم أو كيفية استخدامها.
وأشار إلى أن المراقبة المستمرة تؤدي إلى ما يعرف بـ”الأثر الردعي”، حيث يبدأ الأفراد بتعديل سلوكهم أو الامتناع عن المشاركة في أنشطة مشروعة نتيجة الشعور الدائم بإمكانية مراقبتهم، ويشمل ذلك المشاركة في الاحتجاجات السلمية أو الانضمام إلى منظمات المجتمع المدني أو التعبير عن الآراء السياسية عبر الوسائل الرقمية.
وحذّر التقرير من أن هذه الآثار تكون أكثر حدة بالنسبة للفئات المهمشة والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والنقابيين والنشطاء السياسيين، الذين غالباً ما يكونون في مقدمة الفئات المستهدفة بعمليات المراقبة.
وأكد أن توسع استخدام الذكاء الاصطناعي والخوارزميات في تحليل البيانات يزيد من حجم المخاطر، إذ تتيح هذه الأدوات إمكانية معالجة كميات ضخمة من المعلومات واستنتاج أنماط سلوكية أو تصنيفات للأفراد قد تستخدم في اتخاذ قرارات تمس حقوقهم الأساسية دون وجود رقابة أو شفافية كافية.
وأشار التقرير إلى أن بعض الأنظمة قادرة على إصدار تنبيهات تلقائية بشأن أفراد أو مجموعات معينة أو تحديد أشخاص استناداً إلى تحركاتهم أو اتصالاتهم أو مشاركتهم في فعاليات عامة، ما يفتح المجال أمام مراقبة واسعة النطاق قد تؤدي إلى انتهاكات جسيمة للحقوق والحريات.
وفي سياق متصل، لفت التقرير إلى أن الشركات التكنولوجية أصبحت جزءاً أساسياً من منظومة المراقبة الرقمية العالمية، نظراً لما تمتلكه من كميات هائلة من البيانات الشخصية.
وأوضح أن نماذج الأعمال القائمة على جمع البيانات وتحليلها وتبادلها تجارياً أسهمت في تعزيز قدرة الحكومات والجهات الأخرى على الوصول إلى معلومات تفصيلية عن المستخدمين.
ورأى التقرير أن العلاقة المتنامية بين الحكومات وشركات التكنولوجيا تثير مخاوف متزايدة بشأن الشفافية والمساءلة، خاصة عندما يتم تبادل البيانات أو استخدامها لأغراض تتجاوز الأهداف الأصلية التي جُمعت من أجلها.
وأشار إلى أن التطور السريع لتقنيات المراقبة سبق في كثير من الأحيان قدرة الأطر القانونية والتنظيمية على مواكبته، الأمر الذي أوجد فجوات تشريعية تسمح باستخدام أدوات شديدة الخطورة دون وجود ضمانات كافية لحماية حقوق الإنسان.
وشدد التقرير على أن القانون الدولي يفرض التزامات واضحة على الدول لضمان ألا تؤدي المراقبة الرقمية إلى تقييد غير مبرر للحقوق الأساسية، مؤكدا أن أي إجراءات رقابية يجب أن تستند إلى أساس قانوني واضح، وأن تكون ضرورية ومتناسبة مع الهدف المشروع المراد تحقيقه، وأن تخضع لإشراف ورقابة مستقلين.
ودعا إلى إجراء تقييمات شاملة لتأثير تقنيات المراقبة على حقوق الإنسان قبل اعتمادها أو نشرها، مع ضمان الشفافية بشأن طبيعة هذه الأدوات وآليات استخدامها والجهات المسؤولة عنها.
وأكد التقرير أن بعض التقنيات، مثل أنظمة التعرف البيومتري الجماعي أو برامج التجسس عالية الخطورة، تثير مخاوف خاصة بسبب قدرتها على مراقبة أعداد كبيرة من الأشخاص دون تمييز، وهو ما قد يتعارض مع المعايير الدولية المتعلقة بحماية الحقوق والحريات.
وفي ختام التقرير، أكدت المقررة الخاصة أن حماية الحق في التجمع السلمي وتكوين الجمعيات أصبحت مرتبطة بشكل وثيق بضمان وجود فضاء رقمي آمن يحترم الحقوق الأساسية للأفراد.
ودعت الدول إلى مراجعة سياساتها المتعلقة بالمراقبة الرقمية، وتعزيز آليات الرقابة والمساءلة، ووضع ضوابط صارمة على استخدام التقنيات الحديثة، بما يضمن تحقيق التوازن بين المتطلبات الأمنية المشروعة وحماية الحقوق والحريات التي تشكل الأساس لأي مجتمع ديمقراطي.
