في الأصل، يفترض أن تكون العدالة مساحة لحماية الحقوق، ومحاسبة المنتهكين، وإنصاف الضحايا، لكن وثيقة أممية جديدة صادرة ضمن أعمال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان تحذّر من اتجاه معاكس؛ استخدام النظام القضائي نفسه كأداة لمعاقبة الصحفيين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والنشطاء، والمحامين، والقضاة، والمجتمعات المحلية التي تطالب بحقوقها.
الورقة، الصادرة عن المقررة الخاصة المعنية باستقلال القضاة والمحامين، تستخدم مفهوم “تسخير العدالة” أو “توظيف النظام القضائي” لوصف الحالات التي تُستخدم فيها المحاكم والإجراءات القانونية لا لتحقيق العدالة، بل لإسكات الأصوات الناقدة، واستنزافها، وترهيبها، ومنعها من المشاركة العامة أو المطالبة بالحقوق، وتعتبر المقررة الخاصة أن هذا الاستخدام يمثل بحد ذاته انتهاكاً لحقوق الإنسان.
الفكرة الأساسية في الورقة أن بعض القضايا لا تُرفع بالضرورة بهدف الحصول على حكم عادل، بل بهدف إلحاق الضرر بالشخص المستهدف، فقد تُستخدم الدعوى القضائية لإجبار صحفي على الصمت، أو لإشغال منظمة مدنية في معركة قانونية مكلفة، أو لتخويف مجتمع محلي يعارض مشروعاً اقتصادياً ضاراً، أو لمعاقبة قاضٍ أو مدعٍ عام حاول ملاحقة فساد أو انتهاكات.
وتوضح الورقة أن هذه الممارسات قد تكون مدنية أو جنائية أو إدارية، فالاستهداف لا يأتي دائماً على شكل محاكمة جنائية، بل قد يظهر أيضاً من خلال دعاوى تشهير، إجراءات ضريبية، سحب تراخيص مهنية، تجميد أصول، منع سفر، أو سلسلة قضايا متكررة في أكثر من جهة قضائية.
المشكلة هنا ليست في وجود خلاف قانوني، بل في إساءة استخدام القانون نفسه لتحقيق غاية غير مشروعة: إسكات المشاركة العامة، أو الانتقام، أو خلق أثر رادع على كل من يفكر في النقد أو المطالبة بالمحاسبة.
دعاوى ضد المشاركة العامة
أشهر أشكال هذا النمط هي ما يعرف بـ”الدعاوى الاستراتيجية ضد المشاركة العامة”، أو SLAPPs، وتعرّفها المفوضية السامية لحقوق الإنسان بأنها دعاوى أو تهديدات بإجراءات قانونية تستخدم تكتيكات تقاضٍ تعسفية بهدف أو أثر يتمثل في قمع المشاركة العامة والتقارير النقدية حول قضايا ذات مصلحة عامة.
هذا النوع من الدعاوى لا يحتاج دائماً إلى الفوز في المحكمة حتى يحقق هدفه، فالهدف قد يكون مجرد استنزاف الشخص المستهدف مالياً ونفسياً، وإشغاله في إجراءات طويلة، وتشويه سمعته، وإرسال رسالة لباقي الصحفيين أو النشطاء: من يتكلم سيدفع الثمن.
لذلك، فإن الخطر الحقيقي في هذه الدعاوى لا يقتصر على الشخص المستهدف، بل يمتد إلى المجتمع كله، فكل دعوى تعسفية ضد صحفي أو ناشط قد تنتج رقابة ذاتية لدى عشرات غيره.
من يستهدف تسليح القضاء؟
تشير الورقة إلى أن الاستهداف قد يطول الصحفيين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والمحامين، والقضاة، والمدعين العامين، والنشطاء المجتمعيين، والنقابيين، والشعوب الأصلية، والمجتمعات المحلية التي تطالب بحقوقها، كما قد يُستخدم الاستهداف بالوكالة، من خلال ملاحقة عائلات الأشخاص المستهدفين أو حلفائهم أو مصادر رزقهم.
وهذا مهم لأنه يكشف أن تسخير العدالة لا يضرب حرية التعبير وحدها، بل يضرب منظومة كاملة من الحقوق: الحق في المشاركة العامة، حرية التجمع، حرية تكوين الجمعيات، الحق في المحاكمة العادلة، الحق في الانتصاف، وحماية المدافعين عن حقوق الإنسان.
كما أن استهداف القضاة والمدعين والمحامين يحمل خطراً مضاعفاً؛ لأن هؤلاء هم المفترض أن يكونوا جزءاً من حماية العدالة، فإذا أصبح القاضي أو المدعي أو المحامي نفسه معرضاً للملاحقة بسبب دوره في كشف الانتهاكات أو مكافحة الفساد، فإن النظام القضائي يتحول من أداة حماية إلى أداة ضغط.
وفي حالات كثيرة، لا تكون العقوبة هي الحكم النهائي، بل الطريق إليه، سنوات من التقاضي، أتعاب المحامين، الضغط النفسي، التشهير، الخوف من السجن، وتجميد الحياة المهنية، كلها قد تكون كافية لإسكات المستهدف، حتى لو انتهت القضية لاحقاً بالبراءة أو الرفض.
وهذا ما يجعل تسخير العدالة خطيراً: فهو يستخدم مظهر القانون لإنتاج أثر قمعي، فالمدافع عن حقوق الإنسان لا يُمنع من الكلام صراحة، لكنه يُدفع إلى الصمت خوفاً من قضية جديدة، والصحفي لا يُغلق مكتبه بالضرورة، لكنه يُرهق بدعاوى متكررة، والمجتمع المحلي لا يُمنع من الاعتراض، لكنه يُهدد بالملاحقة إذا كشف ضرراً بيئياً أو فساداً، وبهذه الطريقة، تتحول العدالة من وسيلة إنصاف إلى وسيلة استنزاف.
علاقة الملف بالفضاء المدني
لا تنفصل هذه الورقة عن تقارير أخرى ضمن الدورة نفسها، ففي تقرير صربيا حول الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، سُجلت 14 حالة من الدعاوى الاستراتيجية ضد المشاركة العامة عام 2025، استهدفت مدافعين وصحفيين، ورغم أن كثيراً منها رُفض باعتباره غير مؤسس، إلا أنها فرضت أعباء كبيرة على النشطاء وحولت وقتهم ومواردهم إلى الدفاع القانوني، كما أشار التقرير إلى ضغوط على منظمات مدنية وصحفيين ينتقدون مشاريع التعدين أو يكشفون فساداً أو يطالبون بمساءلة الشركات.
وفي جورجيا، يشير تقرير المفوض السامي إلى تعديلات قانونية أثرت على الإعلام والمجتمع المدني، بما في ذلك قيود على تمويل وسائل الإعلام من جهات أجنبية، وعقوبات إدارية على خطاب يُعتبر “مسيئاً” للمسؤولين، وتعديلات قد تزيد خطر الدعاوى الاستراتيجية ضد المشاركة العامة، كما شهد عام 2025 تعديلات على قوانين التجمع والاحتجاج رفعت العقوبات ووسعت استخدام الاحتجاز الإداري في حالات مرتبطة بالاحتجاجات.
هذا الربط مهم لأنه يوضح أن تسليح العدالة لا يظهر في فراغ، غالباً ما يرتبط بتراجع الفضاء المدني، وتصاعد القيود على الإعلام، وحماية المصالح الاقتصادية أو السياسية من الرقابة العامة.
بين التقاضي المشروع والتسخير
ليس كل لجوء إلى القضاء قمعاً، وليس كل دعوى ضد صحفي أو ناشط تعسفية، الورقة نفسها تحذر من أن بعض الفاعلين الأقوياء قد يحاولون استخدام مفهوم “تسليح القضاء” للدفاع عن أنفسهم عندما يواجهون مساءلة حقيقية عن جرائم أو مخالفات، لذلك، يجب التمييز بدقة.
المؤشرات الأساسية لتسخير العدالة تشمل وجود اختلال كبير في القوة بين الطرفين، وضعف الأساس القانوني للدعوى، واستخدام قوانين فضفاضة مثل التشهير الجنائي أو “الأخبار الكاذبة” أو الأمن القومي، وانتهاك ضمانات المحاكمة العادلة، وطول الإجراءات، وارتفاع المطالبات المالية، وتعدد القضايا، واستهداف أشخاص يمارسون حقاً مشروعاً في التعبير أو المشاركة أو المطالبة بالانتصاف.
بمعنى آخر، لا ننظر فقط إلى عنوان الدعوى، بل إلى غايتها وأثرها وسياقها.
وتدعو الورقة الدول إلى الاعتراف بتسخير النظام القضائي باعتباره انتهاكاً لحقوق الإنسان، واتخاذ خطوات جدية لمنعه ومعالجته، وتشمل التوصيات مراجعة القوانين التي تجرم التعبير والمشاركة العامة تحت عناوين واسعة مثل التشهير، والتحريض، والتجديف، والأمن السيبراني، والإرهاب، وخطاب الكراهية، والصحة العامة، والأمن القومي، و”الأخبار الكاذبة”، كما توصي باعتماد تشريعات تسمح للمحاكم برفض الدعاوى التعسفية مبكراً، ووقف الإجراءات الرئيسية أثناء نظر طلب الرفض، وتعويض ضحايا الدعاوى التعسفية، ومنع استخدام دعاوى متعددة أو عابرة للحدود لاستنزاف المستهدفين.
وتدعو الورقة أيضاً إلى دور أكثر فاعلية للقضاة والمدعين العامين، فالمحاكم يجب أن تطور معايير لرصد الدعاوى التعسفية، والقضاة يجب أن يكونوا قادرين على رفض القضايا التي تمثل إساءة لاستخدام الإجراءات، والمدعون العامون يجب أن يرفضوا الملاحقات الواضح أنها بلا أساس أو ليست في المصلحة العامة.
قراءة تحليلية
أهمية هذه الورقة أنها تنقل النقاش من فكرة “استقلال القضاء” بمعناها التقليدي إلى سؤال أوسع: ماذا يحدث عندما يُستخدم القضاء نفسه كأداة لإنتاج الخوف؟ فاستقلال القضاء لا يعني فقط أن القاضي لا يتلقى أوامر من السلطة التنفيذية، بل يعني أيضاً أن النظام القضائي لا يتحول إلى سلاح بيد الأقوياء ضد الأضعف.
وتكشف الورقة أن أخطر أشكال القمع قد لا تأتي دائماً عبر الحظر المباشر أو العنف الواضح، بل عبر إجراءات تبدو قانونية: دعوى، استدعاء، تحقيق، غرامة، حجز، منع سفر، أو ملاحقة متكررة، هذه الأدوات قد تمنح القمع مظهراً مؤسسياً، وتجعل مقاومته أكثر صعوبة.
بالنسبة لمنصة صفر، هذا الملف مهم لأنه يربط بين أكثر من خط رصد، الفضاء المدني، الصحافة، الشركات، المدافعون عن البيئة، استقلال القضاء، والحق في المشاركة، ويمكن استخدامه كإطار تحليلي لفهم ما يجري في تقارير مثل صربيا وجورجيا وغواتيمالا، حيث لا تكون المشكلة فقط في وجود قيود، بل في استخدام القانون نفسه لإضعاف الرقابة العامة.
ومن هنا يمكن استخلاص بأن الوثيقة الأممية تحذر من أن العدالة قد تفقد معناها عندما تتحول إلى أداة لإسكات من يطالبون بها، فالدعاوى التعسفية، والملاحقات الانتقامية، والقوانين الفضفاضة، والإجراءات الطويلة والمكلفة، لا تستهدف الأفراد وحدهم، بل تستهدف الحق العام في المعرفة والمشاركة والمساءلة.
