منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

التجويع كوسيلة حرب.. الحصار يضع ربع مليون طفل في مالي تحت مقصلة الموت

15 يونيو 2026
العنف المسلح في مالي يفاقم معاناة المدنيين
العنف المسلح في مالي يفاقم معاناة المدنيين

شهدت خارطة الصراع في مالي تحولاً دراماتيكياً خطيراً مع مطلع عام 2024 وامتداداً عبر عامي 2025 و2026، حيث انتقلت الفصائل المسلحة، وفي مقدمتها “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” (الفرع الإقليمي لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي)، من إستراتيجية الكر والفر في الصحراء المفتوحة إلى تبني سياسة “الخنق الإستراتيجي الحاد” وعزل المدن الحيوية عبر سلاح الحصار الاقتصادي والعسكري المحكم.

لم يعد الحصار مقتصراً على البلدات الشمالية النائية مثل تمبكتو وغاو، بل امتد بشكل غير مسبوق منذ سبتمبر 2025 ليضرب عمق العاصمة الاقتصادية والسياسية باماكو والمناطق المحيطة بها في الجنوب والغرب، مستهدفاً شل خطوط الإمداد اللوجستية التي تغذي البلاد.

وتشير مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في تقريرها التحليلي المنشور في فبراير 2026، إلى أن العنف المسلح لم يتراجع برغم التدخلات العسكرية المكثفة والدعم الروسي عبر “الفيلق الإفريقي”، بل إن “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” تمكنت من فرض حصار معقد على باماكو عبر استهداف قوافل الوقود والسلع التجارية الحيوية القادمة من الموانئ الإقليمية.

وبحسب رصد معهد الدراسات الأمنية الإفريقي الصادر في يونيو 2026، فإن الإستراتيجية المتطرفة اعتمدت بشكل مباشر على شل حركة النقل في محور “داكار – باماكو” الإستراتيجي ومحور “أبيدجان – باماكو”، مما أدى بحلول نهاية عام 2025 إلى تكدس أكثر من 2000 حاوية بضائع في ميناء داكار، ليرتفع الرقم بحلول فبراير 2026 إلى احتجاز نحو 4000 حاوية فارغة داخل باماكو بسبب رفض سائقي الشاحنات العودة عبر الطرق المحفوفة بالمخاطر والكمائن المسلحة.

هذا الحصار الطاقي والتجاري العنيف تسبب في شلل شبه كامل للأنشطة الصناعية، وارتفاع جنوني في أسعار المواد الأساسية، وتحول الحصار من أداة ضغط عسكري على المجلس العسكري الحاكم إلى آلية عقاب جماعي ممنهجة للمدنيين، مما قوض مقومات البقاء اليومي لقرابة 21 مليون مواطن مالي يعيشون تحت وطأة العزلة والتهديد المستمر بقطع الإمدادات.

سقوط الملايين في فخ العوز

انعكست سياسة الحصار وعزل المدن التي تمارسها الجماعات المسلحة بشكل مرعب على المؤشرات الإنسانية والغذائية في مالي، محولةً الأزمة الراهنة في عام 2026 إلى واحدة من أعقد الكوارث الإنسانية في القارة الإفريقية.

تدمير البنى التحتية، ومنع وصول المساعدات، وشل سلاسل التوريد الزراعية والحيوانية أفرز واقعاً مأساوياً تؤكده الإحصائيات الرسمية الصادرة عن المنظمات الدولية؛ إذ تكشف مذكرة تحليل الأزمات الإنسانية لعام 2026 الصادرة عن الوكالة السويدية للتنمية الدولية  في مارس 2026، أن نحو 83% من إجمالي سكان مالي باتوا بحاجة إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية، في حين تصنف الأزمة الإنسانية لـ 11% من السكان كـ”أزمة حادة للغاية”.

وتشير أحدث أرقام التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي لعام 2026 المضمنة في التقارير الأممية، إلى أنه من المتوقع أن يواجه قرابة 1.56 مليون شخص مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي (المرحلة الثالثة إلى الخامسة) خلال موسم القحط في عام 2026، من بينهم أكثر من 56 ألف شخص يعيشون بالفعل في “المرحلة الرابعة” التي تعني المعاناة من نقص حاد في الغذاء وتخطي وجبات الطعام لعدة أيام متتالية للبقاء على قيد الحياة.

وعلى صعيد الطفولة، تشير بيانات سوء التغذية الصادرة لعام 2026 عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية OCHA إلى أن 1.12 مليون طفل دون سن الخامسة في مالي يعانون من سوء التغذية الحاد العام، من بينهم 227 ألف طفل يواجهون خطر الموت الفعلي بسبب سوء التغذية الحاد الوخيم.

هذه الأرقام ليست مجرد نتاج لتغيرات مناخية، بل هي النتيجة المباشرة لتكتيكات “التجويع كوسيلة للحرب” التي تفرضها جماعة النصرة والتنظيمات المتحالفة معها عبر منع دخول الشاحنات الإنسانية واستهداف الأسواق المحلية وإحراق المحاصيل في مناطق الوسط والشمال، مما جعل الحصول على رغيف الخبز أو حليب الأطفال بمثابة معركة يومية خاسرة للكثير من العائلات المالية.

الانتهاكات الحقوقية الممنهجة

تتجاوز تأثيرات حصار الجماعات الإسلامية المسلحة الأثر الاقتصادي لتضرب في مقتل المنظومة الحقوقية والقانونية للدولة المالية، حيث تعمل “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” على فرض بيئة حقوقية بديلة تتسم بالبطش والانتهاك الصارخ للقانون الدولي الإنساني.

ففي المناطق الريفية وشبه الحضرية التي تخضع لحصارها أو سيطرتها، تعمد الجماعة -وفقاً لتوثيق شبكة الجزيرة الإخبارية الصادر في نوفمبر 2025 إلى إقامة ما يسمى “المحاكم الشرعية الموازية” وفرض الجبايات القسرية والرسوم العنيفة على الطرق، مستغلةً غياب مؤسسات الدولة لترسيخ نظام حكم ثيوقراطي قمعي يُسقط الحقوق الحريات الأساسية للمواطنين، وخاصة النساء والأقليات.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتدت الانتهاكات لتشمل ملاحقة المدنيين وتصفيتهم على أساس الاشتباه في التعاون مع القوات الحكومية أو الشركاء الدوليين.

وفيما يتعلق بالحق في الحركة والأمان الشخصي، قفزت معدلات التهجير القسري إلى مستويات قياسية نتيجة الحصار والعمليات العسكرية المستمرة؛ حيث يذكر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، في تحديثه الإحصائي الشامل نهاية عام 2025، أن عدد النازحين داخلياً في مالي بلغ قرابة 415 ألف نازح، تشكل النساء والفتيات 30% منهم، بينما يمثل الأطفال الشريحة الأكبر بنسبة 58%.

وفي سياق متصل، تحولت الكوادر الإنسانية وفرق الإغاثة إلى أهداف مباشرة للحصار والعمليات المسلحة؛ حيث سجلت التقارير الأممية لعام 2025 حدوث 814 حادثة إعاقة لوصول المساعدات الإنسانية، مقارنة بـ 574 حادثة في عام 2024، بزيادة تجاوزت 40%.

وشملت هذه الانتهاكات الموثقة أكثر من 70 اعتداءً مباشراً بالاعتداء والقتل ضد عمال الإغاثة وتدمير ممتلكاتهم، إلى جانب تفجير الجسور الحيوية وتخريب هوائيات الاتصالات لعزل المجتمعات المحاصرة تماماً عن العالم الخارجي، مما يجعل مالي بيئة طاردة للعمل الإنساني ومقبرة لمعايير حقوق الإنسان الأساسية.

اغتيال مستقبل الطفولة

يمتد الهجوم الممنهج والتطويق العسكري ليشطب الملامح الحياتية والاجتماعية المستقرة للمجتمع المالي، مسبباً تصدعات غائرة في النسيج الاجتماعي القبلي والأسري يتوقع أن تمتد آثارها لعقود قادمة.

الحصار الطويل المفروض على الأقاليم الوسطى والشمالية، ومحاولات التمدد المستمرة نحو الجنوب والغرب التي بلغت ذروتها في هجمات عام 2026 المنسقة (وفقاً للبيانات الميدانية لحرب مالي لعام 2026 الموثقة في السجلات الإخبارية والبحثية الإقليمية)، أدت إلى تمزق الروابط الاجتماعية بين القبائل المختلفة، حيث تغذي الجماعات المتطرفة النزاعات الإثنية والمحلية لتسهيل السيطرة على الأرض وفرض الحصار.

وتسبب العوز الاقتصادي الخانق الناجم عن الحصار في انتشار ظواهر اجتماعية خطيرة، مثل عمالة الأطفال، والزواج القسري المبكر للفتيات كآلية دفاعية للأسر لمواجهة الفقر المدقع، والارتفاع المخيف في معدلات الجريمة المنظمة والسرقة نتيجة غياب التنمية وانسداد أفق العيش الكريم للشباب.

أما على الصعيد التعليمي والتربوي، فإن الحصار يمثل عملية “اغتيال ممنهجة” لمستقبل الطفولة في مالي؛ إذ تصنف التقارير الدولية الصادرة عن منظمة الرعاية الإنسانية الدولية Humanitarian Action ضمن نظرتها العالمية لعام 2026، قطاع التعليم كأحد أكثر القطاعات تضرراً وأشدها احتياجاً حاداً، حيث يحتل المرتبة الثانية بنسبة 6% من الاحتياجات العاجلة للسكان.

وقد تسبب استهداف المدارس من قبل الجماعات الإسلامية المتطرفة، وإحراق المؤسسات التعليمية، وتهديد المعلمين بالقتل في إغلاق آلاف المدارس وحرمان مئات الآلاف من الأطفال من حقهم الأساسي في التعليم.

هذا التجهيل الممنهج، المقترن بحصار خانق يمنع بدائل التعليم، يحول المدن المحاصرة إلى بيئات خصبة للاستقطاب الفكري والتجنيد القسري للأطفال القصر من قبل تنظيم القاعدة والفصائل المتحالفة معه، مما ينذر بولادة جيل كامل خارج مقاعد الدراسة، ومحمل بالصدمات النفسية والاجتماعية، ليكون الحصار بذلك قد نجح ليس فقط في خنق حاضر مالي واقتصادها، بل وفي تكبيل مستقبلها الاجتماعي والفكري لسنوات طويلة قادمة.

قصور آليات الحماية الأممية

أمام هذا المشهد القاتم المعقد الممتد في عام 2026، تبدو المقاربات الدولية والمحلية المتبعة للتعامل مع معضلة حصار المدن في مالي مشوبة بعجز بنيوي وقصور حاد في آليات الحماية والتأمين الحقوقي والإنساني.

ومن الناحية العسكرية، أثبتت الإستراتيجية التي يعتمدها المجلس العسكري الحاكم في باماكو، والمبنية على الشراكة الثنائية المكثفة مع “الفيلق الإفريقي” (البديل الروسي لمجموعة فاغنر)، عدم قدرتها على كسر الحصار الإستراتيجي المضروب على الطرق الحيوية.

وبحسب القراءة التحليلية المنشورة في مايو 2026 عبر المرصد الإقليمي لدراسات الساحل (Sahel Security Monitor)، فإن التركيز الحكومي على العمليات الهجومية الخاطفة واستخدام الطائرات المسيرة لم يرافقه تأمين مستدام للممرات الأرضية، مما سمح لـ”جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” بإعادة التموضع السريع وإحكام الحصار مجدداً فور انسحاب القوات المتحركة، تاركةً المدنيين في مواجهة انتقامية مباشرة مع الفصائل المسلحة بتهمة تسهيل دخول القوات النظامية.

وعلى الجانب الأممي والحقوقي، يواجه المجتمع الدولي جداراً من الشلل الإجرائي بعد الفراغ الكبير الذي خلفه الانسحاب الكامل لبعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي ويوثق التقرير التقييمي الصادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش في أبريل 2026، أن غياب الرقابة الأممية الميدانية أدى إلى “تعتيم حقوقي شبه كامل” داخل البلدات المحاصرة، حيث بات من شبه المستحيل توثيق الانتهاكات بشكل فوري أو فتح ممرات إنسانية آمنة ومستدامة تحت رعاية دولية محايدة.

هذا القصور المؤسسي، تزامناً مع تراجع التمويل الدولي لخطة الاستجابة الإنسانية الخاصة بمالي لعام 2026 بنسبة تجاوزت 65% وفقاً لبيانات المانحين الصادرة عن منصة التتبع المالي للأمم المتحدة FTS، جعل المنظمات المحلية غير الحكومية ترزح تحت وطأة تهديد مزدوج: بطش الجماعات المحاصِرة من جهة، والتضييق القانوني والإداري المفروض من السلطات المركزية من جهة أخرى.

الحصار يلتهم حياة المدنيين

أكد الناشط الحقوقي المالي، سيكو غامبي، أن العاصمة باماكو والمناطق المحيطة بها تعيش تحت وطأة ضغوط إنسانية ونفسية غير مسبوقة، جراء تصاعد حدة الحصار الذي تفرضه الجماعات المسلحة، والذي تحول عملياً إلى أداة “عقاب جماعي” تخنق حركة المدنيين وتقوض مقومات حياتهم اليومية، مشدداً في الوقت ذاته على أن التضامن المجتمعي والوحدة الوطنية يظلان خط الدفاع الأخير للمواطنين في مواجهة هذه الأزمة الوجودية.

وفي تصريح خاص لـ”صفر”، أشار غامبي إلى أن نقطة التحول الأكثر خطورة تمثلت في الهجمات المنسقة التي شنها الجهاديون في العاصمة باماكو في الخامس والعشرين من أبريل الماضي، والتي أسفرت عن اغتيال وزير الدفاع المالي.

وقال غامبي في هذا الصدد، “إن تلك الهجمات الدامية أثارت حالة من القلق والذعر الحقيقي والخوف العميق في نفوس السكان؛ لكونها استهدفت المربع الأمني والعسكري الحيوى للدولة، لكن بالرغم من هذه الأجواء المشحونة بالتهديدات، فإن باماكو تبقى وطننا الملجأ، وليس لدينا أي مكان آخر نذهب إليه، وهو ما يفسر تمسك الأهالي بالبقاء وصمودهم برغم قسوة الظروف”.

ونبه الناشط الحقوقي إلى أن تأثير هذا الحصار المسلح على البنية الاجتماعية والنفسية للمجتمع المالي بات واضحاً وعميقاً للغاية؛ إذ يمكن للمرء أن يلمس بوضوح حالة الهلع الدائم، وقبل كل شيء، القلق المتزايد بين المواطنين بمختلف فئاتهم.

وتابع موضحاً أن تفاصيل الحياة اليومية أصبحت شديدة التعقيد والخطورة بسبب تلازم انعدام الأمن العسكري مع الحصار الاقتصادي، مما أنتج بيئة ضاغطة ومقيدة للحريات الأساسية.

وفي سياق رصده لردود الأفعال الشعبية، أكد غامبي أن السكان في مالي يُدينون بشكل قاطع ومستمر هذا الحصار الجائر؛ لكونه يُصيب في المقام الأول المدنيين العزل والأسر البسيطة قبل أن يؤثر على العسكريين أو النخب السياسية، لافتاً إلى أن المتضرر الأكبر هي الحركة اليومية للأفراد، وقدرتهم على كسب العيش، والوصول إلى الأسواق والحقول والمرافق الخدمية.

واختتم الناشط الحقوقي سيكو غامبي تصريحه بالتشديد على البعد الاجتماعي للأزمة، حيث أكد أن الركيزة الأساسية التي تساند المجتمع المالي اليوم وتمنعه من الانهيار الكامل هي قيم الوحدة والتضامن والتكافل.

ونبه إلى أن هذه القيم التاريخية المتجذرة تُعد بالغة الأهمية والحيوية لضمان بقاء مالي متماسكة، معرباً عن تطلعات الشعب المالي الملحة في رؤية تغيير حقيقي وإنهاء عاجل لهذا الحصار؛ لكي يتمكن ملايين المواطنين من استعادة أمنهم واستئناف حياتهم الطبيعية التي عطلها الإرهاب.

الحصار فاقم معاناة المدنيين

قال حمزة سيدي، الإعلامي والناشط الحقوقي من أهالي مالي، إن تأثير الحصار المفروض على بعض المناطق ينعكس بشكل مباشر وعميق على حياة المواطنين اليومية، مؤكداً أن المدنيين هم الطرف الأكثر تضرراً من تداعياته الاقتصادية والإنسانية والأمنية.

وأشار سيدي في تصريحات خاصة لـ”صفر”، إلى أن الحصار أدى إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية، ما ألقى بأعباء إضافية على الأسر التي تواجه أصلاً ظروفاً معيشية صعبة.

وأضاف أن حركة التنقل أصبحت محفوفة بالمخاطر، في ظل التهديدات الأمنية التي تشهدها الطرق المؤدية إلى العاصمة باماكو، لافتاً إلى أن عدداً من سيارات النقل تعرض للحرق على مختلف المحاور والطرق الرئيسية، الأمر الذي زاد من تعقيد حركة الأفراد والبضائع وأثر سلباً على النشاط الاقتصادي والتجاري.

وأكد أن هذه التطورات خلقت حالة من القلق المتزايد بين السكان، خاصة مع تراجع قدرة المواطنين على الوصول إلى احتياجاتهم الأساسية بسهولة، موضحاً أن انعكاسات الحصار لم تعد تقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل امتدت لتشمل مختلف جوانب الحياة اليومية، بما في ذلك التعليم والصحة والتنقل والعمل.

وأشار سيدي إلى أن الأزمة أفرزت مظاهر لافتة من التكاتف الاجتماعي والتضامن بين مختلف مكونات المجتمع المالي، مؤكداً أن المواطنين أظهروا مستويات عالية من التعاون والدعم المتبادل في مواجهة الظروف الصعبة. وقال إن مشاهد التضامن بين الفئات الاجتماعية المختلفة أصبحت أكثر وضوحاً خلال الفترة الأخيرة، حيث يسعى السكان إلى مساعدة بعضهم البعض للتخفيف من آثار الأزمة وتأمين الاحتياجات الأساسية للأسر الأكثر تضرراً.

ونبّه إلى أن شريحة واسعة من المواطنين تنظر إلى الإجراءات التي تؤدي إلى تضييق الخناق على السكان المدنيين باعتبارها عاملاً إضافياً في زيادة المعاناة الإنسانية، موضحاً أن كثيرين يعبرون عن رفضهم لممارسات تؤدي إلى التجويع أو بث الخوف بين الناس.

وأضاف أن الأهالي يستندون في مواقفهم إلى قيم دينية وأخلاقية راسخة، ويرون أن المسلم الحقيقي لا يجوّع أخاه المسلم ولا يروّعه أو يعرّضه لمزيد من المشقة والمعاناة.

وفي سياق متصل، قال سيدي إن الفترة التي أعقبت مقتل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا شهدت تغيرات ملحوظة في طريقة تعامل السلطات مع المدنيين، مشيراً إلى أن عدداً من القرارات والإجراءات المتخذة خلال هذه المرحلة أثار نقاشات واسعة داخل الأوساط الشعبية والحقوقية.

وأوضح أن من بين هذه الإجراءات فرض قيود على استخدام الدراجات النارية ذات المحركات من فئة 125 سنتيمتراً مكعباً خارج المدن الكبرى، وهو قرار وصفه مراقبون ومواطنون بأنه مثير للجدل بسبب انعكاساته على حياة السكان، لا سيما في المناطق التي تعتمد بشكل كبير على الدراجات النارية كوسيلة رئيسية للتنقل وكسب الرزق.

وأكد سيدي أن الحديث عن حصار كامل لا يزال غير دقيق في الوقت الراهن، موضحاً أن الوضع على الأرض يشير إلى وجود محاولات مستمرة لكسر الطوق المفروض على بعض المناطق.

وأشار إلى أن الجيش المالي، بدعم من عناصر الفيلق الروسي، ينجح بين الحين والآخر في فتح بعض الممرات وتأمين إدخال المواطنين والبضائع والإمدادات إلى المناطق المتأثرة، الأمر الذي يسهم في الحد جزئياً من تداعيات الأزمة، رغم استمرار التحديات الأمنية واللوجستية.

واختتم سيدي تصريحه بالتأكيد على أن الأولوية يجب أن تنصب على حماية المدنيين وتخفيف الأعباء الإنسانية عنهم، داعياً جميع الأطراف إلى مراعاة أوضاع السكان والعمل على ضمان حرية الحركة وتدفق السلع الأساسية، بما يسهم في الحد من معاناة المواطنين والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي في البلاد.