لا تُقاس مشروعات التنمية الكبرى بالأرقام الاقتصادية وحدها؛ فخلف الاستثمارات الضخمة، والطرق الجديدة، والسدود، ومشروعات الطاقة والتوسع العمراني، توجد كلفة إنسانية لا تظهر دائما في مؤشرات النمو، هناك مجتمعات كاملة تجد نفسها مضطرة إلى مغادرة بيوتها وأراضيها، لا لأنها اختارت الرحيل، بل لأن مسار التنمية مَرّ فوق حياتها ومصادر رزقها.
وبينما تقدم الحكومات هذه المشروعات باعتبارها بوابة لتحسين البنية التحتية ورفع مستوى المعيشة، يطرح النقاش الحقوقي سؤالا أكثر تعقيدا.. من يدفع ثمن التنمية؟ فالنزوح المرتبط بالمشروعات الكبرى لا يتعلق فقط بفقدان السكن، بل يمس حقوقاً أساسية في الأرض، والمشاركة، والحصول على المعلومات، والتعويض العادل، وضمان ألا يتحول التقدم الاقتصادي إلى عبء تتحمله الفئات الأضعف وحدها.
بين التنمية والتهجير
تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن مشروعات البنية التحتية الكبرى والتوسع العمراني واستغلال الموارد الطبيعية تؤدي سنويًا إلى تهجير ملايين الأشخاص حول العالم.
وتؤكد تقارير الأمم المتحدة أن إعادة التوطين المرتبطة بالتنمية لا تمثل انتهاكًا للحقوق بصورة تلقائية، لكنها تتحول إلى قضية حقوقية عندما تتم دون مشاورات حقيقية أو مشاركة مجتمعية أو تعويضات مناسبة وضمانات كافية للمتضررين.
ومن هنا يبرز التمييز بين الانتقال الطوعي للسكان وبين حالات الإخلاء أو إعادة التوطين التي تفرضها المشروعات الكبرى على المجتمعات المحلية، خاصة عندما تكون خيارات السكان محدودة أو عندما يفقدون مصادر رزقهم وارتباطهم التاريخي بالمكان.
التنمية من منظور المتضررين
في الهند، ارتبطت مشروعات السدود والتعدين والنقل خلال العقود الماضية بعمليات إعادة توطين واسعة النطاق.
وتشير تقديرات باحثين ومؤسسات أكاديمية هندية إلى أن عشرات الملايين من الأشخاص تأثروا بمشروعات التنمية الكبرى منذ الاستقلال، فيما كانت المجتمعات القبلية والسكان الأصليون من أكثر الفئات تأثرًا.
وفي يناير 2025، أكدت الناشطة الحقوقية والباحثة الهندية ميدها باتكار، إحدى أبرز المدافعات عن حقوق المتضررين من السدود، أن التنمية لا يمكن اعتبارها عادلة إذا كانت تؤدي إلى إخراج السكان من أراضيهم دون موافقة حقيقية أو دون ضمان بدائل معيشية مستدامة.
حقوق المجتمعات التقليدية
في البرازيل، عاد الجدل حول العلاقة بين التنمية والتهجير إلى الواجهة مع استمرار التوسع في مشروعات البنية التحتية والطاقة واستغلال الموارد الطبيعية في مناطق السكان الأصليين والمجتمعات الريفية.
وفي سبتمبر 2024، شدد سيلفيو ألميدا، وزير حقوق الإنسان والمواطنة، على أن التنمية الاقتصادية لا ينبغي أن تتم على حساب حقوق المجتمعات التقليدية والسكان الأصليين، مؤكدًا أن احترام الحقوق الجماعية يمثل شرطا أساسيا لتحقيق تنمية عادلة ومستدامة.
ويعكس هذا النقاش اتجاهاً متزايداً نحو التعامل مع المجتمعات المحلية بوصفها شركاء في التنمية، لا مجرد أطراف تتأثر بنتائجها.
التنمية والعدالة الاجتماعية
في إثيوبيا، ارتبطت مشروعات التنمية خلال السنوات الأخيرة بالتوسع الزراعي ومشروعات الطاقة الكبرى، ما أثار نقاشات واسعة حول آثار إعادة التوطين على المجتمعات الريفية.
ويُعد سد النهضة أحد أبرز الأمثلة على التوتر القائم بين أهداف التنمية الوطنية والمخاوف المتعلقة بالآثار الاجتماعية التي قد تترتب على بعض المجتمعات المحلية المتأثرة بالمشروعات الكبرى.
ولا يقاس نجاح هذه المشروعات فقط بقدرتها على تحقيق أهداف اقتصادية أو تنموية، بل أيضًا بمدى قدرتها على حماية حقوق السكان المتأثرين بها.
ورغم اختلاف السياقات السياسية والاقتصادية في الهند والبرازيل وإثيوبيا، فإن الحالات الثلاث تكشف إشكالية مشتركة تتمثل في كيفية تحقيق التوازن بين المصلحة العامة وحقوق المجتمعات المحلية.
ففي جميع هذه الحالات، لا يتركز الجدل على مبدأ التنمية بحد ذاته، بل على الكيفية التي تُنفذ بها المشروعات، ومدى مشاركة السكان في اتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبلهم، وحصولهم على تعويضات عادلة وضمانات تحافظ على سبل عيشهم وعلاقاتهم الاجتماعية.
الآثار الاجتماعية للتهجير
ترى الباحثة في علم الاجتماع، هدى السعيداني، أن آثار التهجير لا تقتصر على فقدان المسكن أو الأرض، بل تمتد إلى تفكك الشبكات الاجتماعية والعائلية وفقدان العلاقات المجتمعية وأنماط الدعم المتبادل.
وتوضح السعيداني، في حديثها لمنصة “صفر”، أن الانتقال القسري يضعف شعور الأفراد بالانتماء والهوية المرتبطة بالمكان، وقد يؤدي إلى العزلة الاجتماعية وصعوبات التكيف مع البيئة الجديدة.
وتشير إلى أن استبعاد السكان من المشاركة في اتخاذ القرارات المتعلقة بالمشروعات التنموية يزيد الشعور بالظلم والتهميش ويضعف الثقة بالمؤسسات، وقد يخلق آثارًا اقتصادية واجتماعية ونفسية تستمر لسنوات طويلة حتى لو كان المشروع قد أُنشئ تحت عنوان التنمية.
التنمية واحترام الحقوق
في تقرير صدر عام 2024، أكدت بالاكريشنان راجاغوبال، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالحق في السكن اللائق، أن عمليات الإخلاء أو إعادة التوطين المرتبطة بالتنمية يجب أن تستند إلى موافقة مستنيرة ومشاركة فعلية وتعويضات مناسبة.
كما شدد فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، في يونيو 2024 على أن التنمية الحقيقية لا تُقاس فقط بحجم الاستثمارات أو المشروعات المنجزة، بل بقدرتها على تحسين حياة الناس دون انتهاك حقوقهم أو إقصائهم من القرارات التي تمس مستقبلهم.
وتكشف تجارب الهند والبرازيل وإثيوبيا أن التحدي لا يكمن في التنمية نفسها، بل في طريقة تنفيذها وتوزيع آثارها ومكاسبها بين مختلف فئات المجتمع.

