منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

حين تصبح الهوية عبئاً.. الأقليات تواجه العنف والانتهاكات والنزوح في العالم

30 مايو 2026
دوامة العنف تلتهم موارد ميانمار والملايين يواجهون الجوع
دوامة العنف تلتهم موارد ميانمار والملايين يواجهون الجوع

في مناطق النزاع، لا يكون الخطر مرتبطًا بالسلاح وحده؛ فقد يتحول الاسم أو اللغة أو المذهب أو شكل العبادة إلى سبب للاستهداف. وبين العراق وسوريا وميانمار ونيجيريا، تتكرر أنماط متشابهة من العنف ضد الأقليات، من التهجير والتمييز إلى تدمير دور العبادة ومحاولات محو الذاكرة الثقافية.

وفي بعض مناطق النزاع، قد يصبح الاسم أو اللغة أو طريقة العبادة سببًا كافيًا للخوف. فالحروب لم تعد ترتبط فقط بالصراع على السلطة أو الأرض، بل تحوّلت الهوية الدينية أو العرقية، في كثير من الأحيان، إلى مبرر للعنف والإقصاء والاستهداف.

ومع تصاعد الخطابات الطائفية والعرقية، وتداخلها مع المصالح السياسية والاقتصادية، تجد الأقليات نفسها في موقع هش، تواجه التهجير والتمييز والعنف، وأحيانًا محاولات محو رمزي وثقافي تطول الذاكرة واللغة والطقوس ودور العبادة.

ورغم اختلاف السياقات السياسية من بلد إلى آخر، تتشابه أنماط الانتهاكات التي تطال الأقليات في مناطق النزاع؛ من الاستهداف المباشر والقتل والنزوح القسري، إلى تدمير المواقع الدينية والثقافية، وحرمان هذه الجماعات من الحماية والمشاركة المتساوية داخل مجتمعاتها.

لماذا هذه الدول؟

لا يعود اختيار العراق وسوريا وميانمار ونيجيريا في هذا التقرير إلى حجم الانتهاكات فقط، بل لأنها تمثل نماذج مختلفة لتحول الهوية إلى ساحة صراع.

في العراق وسوريا، ارتبط الاستهداف بصعود الجماعات المتطرفة، وعلى رأسها تنظيم داعش، الذي استهدف الأيزيديين والمسيحيين وجماعات دينية أخرى، في محاولة لإعادة تشكيل الوجود الاجتماعي والديني بالقوة.

أما في ميانمار فقد تداخل الاضطهاد الديني والعرقي في أزمة الروهينغا، حيث تحولت الهوية إلى سبب للإقصاء والعنف والنزوح الجماعي.

وفي نيجيريا، تتقاطع الانقسامات العرقية والدينية مع النزاعات السياسية والاقتصادية، ما يجعل جماعات بعينها أكثر عرضة للعنف والتهجير والتهميش.

وتشير الأمم المتحدة إلى أن الأقليات حول العالم تُعد من أكثر الفئات تعرضًا للانتهاكات خلال النزاعات المسلحة، بما يشمل القتل الجماعي، والتهجير القسري، وتدمير دور العبادة، والتمييز في الوصول إلى الخدمات الأساسية.

كما تؤكد الأمم المتحدة أن ملايين الأشخاص اضطروا إلى النزوح بسبب استهدافهم على خلفية دينية أو عرقية، خاصة في مناطق النزاعات الممتدة في الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا.

استهداف واحد بأشكال مختلفة

في العراق وسوريا، تعرضت أقليات دينية، مثل الأيزيديين والمسيحيين، لهجمات واسعة خلال صعود تنظيم داعش. وقد وصفت الأمم المتحدة ما تعرض له الأيزيديون بأنه قد يرقى إلى الإبادة الجماعية، وفق تقارير صادرة عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

لم يكن الاستهداف موجّهًا إلى الأفراد فقط، بل إلى وجود جماعات كاملة. فقد شملت الانتهاكات القتل والخطف والاستعباد الجنسي والتهجير وتدمير المعابد والكنائس والمزارات، بما جعل الهوية نفسها سببًا للعقاب الجماعي.

وفي ميانمار، تمثل أزمة الروهينغا أحد أبرز الأمثلة على التداخل بين الاضطهاد الديني والعرقي. فمنذ عام 2017، دفعت العمليات العسكرية وأعمال العنف مئات الآلاف من الروهينغا المسلمين إلى الفرار نحو بنغلاديش.

وتشير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن أكثر من مليون لاجئ من الروهينغا يعيشون اليوم في مخيمات مكتظة، وسط ظروف إنسانية قاسية وغياب حلول سياسية مستدامة تضمن العودة الآمنة والطوعية والكريمة.

إفريقيا.. صراع الهوية والموارد

في بعض الدول الإفريقية، لا يظهر استهداف الأقليات بمعزل عن أزمات الحكم والموارد والفقر والنزاعات المسلحة، حيث أسهمت الحرب والانقسامات المسلحة في تعميق هشاشة المجتمعات المحلية، خصوصًا في المناطق التي تعاني تاريخيًا من التهميش والتمييز.

وتتداخل في هذه الحالات عوامل الانتماء العرقي والديني والجهوي مع الصراع على الأرض والموارد والسلطة، ما يجعل بعض الجماعات أكثر عرضة للقتل والنزوح والتجويع والعنف الجنسي.

في نيجيريا، أدت الهجمات الطائفية والعرقية المتكررة إلى نزوح آلاف المدنيين، في ظل توتر ممتد بين جماعات دينية وعرقية ومجتمعات محلية تتنافس على الأرض والمياه والرعي، ورغم أن أسباب العنف متعددة، فإن الهوية كثيرًا ما تتحول إلى أداة تعبئة واستهداف.

من العنف إلى محو الهوية

لا يقتصر اضطهاد الأقليات على الخسائر البشرية فقط، بل يمتد إلى تهديد الهوية الثقافية والدينية نفسها.. ففي النزاعات، لا يُستهدف الأفراد وحدهم، بل تُستهدف أيضًا الرموز التي تمثلهم: اللغة، والذاكرة، والطقوس، والمقابر، ودور العبادة، والمواقع التاريخية.

وتتعرض الكنائس والمعابد والمساجد والمزارات والمواقع التراثية للتدمير أو التدنيس، في محاولة لإضعاف حضور الجماعات داخل مجتمعاتها، أو دفعها إلى الانعزال والاختفاء التدريجي.

كما تُفرض أحيانًا قيود على اللغة أو الممارسات الدينية أو التعبير الثقافي، ما يحول الوجود اليومي للأقليات إلى معركة مستمرة من أجل الاعتراف والبقاء.

وتؤكد منظمة اليونسكو أن استهداف التراث الثقافي والديني خلال النزاعات لا يمثل خسارة مادية فقط، بل محاولة لضرب ذاكرة الجماعات وهويتها الجمعية.. فحين تُدمّر المعالم التي تحفظ تاريخ جماعة ما، لا يُمحى الحجر وحده، بل يُستهدف جزء من حضورها في الذاكرة العامة.

وبالنسبة إلى الأقليات في مناطق النزاع، لا تنتهي المخاطر عند حدود الهجمات المباشرة، فالخوف قد يتحول إلى نمط حياة؛ الخوف من إظهار المعتقد، أو التحدث بلغة معينة، أو ارتداء زي تقليدي، أو العودة إلى قرية تغيّر طابعها الديمغرافي بعد النزوح.

ومع طول أمد النزاعات، تنشأ أجيال كاملة وهي تحمل ذاكرة الخوف والتهجير وفقدان المكان. ويصبح السؤال الأكبر ليس فقط: كيف تنجو هذه الجماعات من العنف؟ بل كيف تحافظ على هويتها وذاكرتها وحقها في المشاركة داخل مجتمعاتها؟

حماية الأقليات مسؤولية دولية

تؤكد المواثيق الدولية لحقوق الإنسان أن حماية الأقليات ليست مسألة داخلية تخص الدول وحدها، بل التزاما قانونيا وأخلاقيا يرتبط بمبادئ المساواة وعدم التمييز وحرية الدين والمعتقد والحق في المشاركة الثقافية والسياسية.

وتشمل الحماية المطلوبة منع خطاب الكراهية، ومحاسبة مرتكبي الجرائم، وضمان عودة آمنة للنازحين، وحماية دور العبادة والمواقع الثقافية، وتمكين الأقليات من المشاركة في القرارات التي تمس مستقبلها.

كما أن أي تسوية سياسية في مناطق النزاع لا يمكن أن تكون عادلة أو مستدامة إذا تجاهلت حقوق الأقليات أو تعاملت معها كملف ثانوي، فاستقرار المجتمعات لا يتحقق فقط بوقف إطلاق النار، بل بضمان أن لا تتحول الهوية إلى سبب للخوف أو الإقصاء.

الهوية سبب للخوف والاستهداف

وفي هذا السياق، تقول الباحثة في علم الاجتماع هدى السعيداني، إن الهوية الدينية أو العرقية تكون في الظروف الطبيعية مصدر انتماء، لكنها تتحول أثناء الصراعات الطائفية إلى سبب للخوف والاستهداف.

وتوضح السعيداني في حديثها لـ«صفر»، أن انتشار خطابات الكراهية والصور النمطية يجعل الأقلية موضع شك بسبب هويتها فقط، ومع تصاعد العنف يبدأ بعض الأفراد بالخوف من إظهار دينهم أو لغتهم أو حتى أسمائهم، ما يخلق شعورا بأن الهوية لم تعد مصدرا للأمان بل عبئا يهدد أصحابها.

وتقول السعيداني إن الصراعات الطائفية تترك آثارا اجتماعية عميقة وطويلة المدى، إذ تشعر الأقليات بعد النزاعات بأنها مهددة أو غير متساوية مع بقية أفراد المجتمع، ما يؤدي إلى الاغتراب الاجتماعي وتراجع الثقة بالمؤسسات وبالبيئة المحيطة.

وتضيف أن آثار الصدمة تنتقل أحيانا عبر الأجيال، الأمر الذي يضعف التعايش والتماسك الاجتماعي، ويدفع بعض الأفراد إلى إخفاء هويتهم أو الابتعاد عن المشاركة الاجتماعية والسياسية خوفا من التمييز أو العنف.

وتشدد على أن احترام التنوع وحماية حقوق الإنسان يمثلان شرطا أساسيا لبناء مجتمعات قادرة على تجاوز الانقسامات الطائفية والعرقية واحتواء جميع مكوناتها دون خوف أو إقصاء.