منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

خلف القضبان بلا حق.. الأمم المتحدة ترصد اتساع الاحتجاز التعسفي في العالم

05 سبتمبر 2026
الأمم المتحدة ترصد اتساع الاحتجاز التعسفي في العالم
الأمم المتحدة ترصد اتساع الاحتجاز التعسفي في العالم

لم يعد الاحتجاز التعسفي مجرد إجراء استثنائي تلجأ إليه بعض السلطات في ظروف أمنية أو سياسية، بل كشف تقرير أممي حديث عن استمرار أنماط متعددة من سلب الحرية بصورة تتعارض مع الضمانات الأساسية التي أقرتها منظومة حقوق الإنسان، من الاعتقال دون أساس قانوني واضح، إلى حرمان المحتجز من المحاكمة العادلة، مروراً باستخدام الاحتجاز لمعاقبة المعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان، ووصولاً إلى توظيف التعاون الأمني العابر للحدود في ملاحقة أشخاص بسبب آرائهم أو أنشطتهم.

وأظهر تقرير الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي، المقدم إلى الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان التي ستعقد في جنيف خلال الفترة من 7 سبتمبر إلى 7 أكتوبر 2026، أن الفريق اعتمد خلال عام 2025 ما مجموعه 78 رأياً بشأن احتجاز 210 أشخاص في 38 بلداً، بينهم 182 رجلاً، و28 امرأة، و4 قاصرين.
كما أرسل الفريق 148 رسالة ادعاء ورسائل أخرى إلى حكومات وجهات معنية، تناولت حالات لا تقل عن 608 أشخاص، في حين أصدر 23 نداءً عاجلاً بشأن أوضاع تمس ما لا يقل عن 37 شخصاً.

الحرية حق لا استثناء

وأوضح الفريق العامل أن ولايته تقوم على حماية الأفراد من الحرمان التعسفي من الحرية، والنظر في الحالات التي يصبح فيها الاحتجاز غير متوافق مع القانون الدولي لحقوق الإنسان، وأكد أن مجرد وجود قرار أو إجراء وطني لا يمنح الاحتجاز تلقائياً صفة المشروعية؛ لأن السلطات مطالبة باحترام الضمانات القانونية والقضائية التي تحمي الفرد من التعسف.

وأشار التقرير إلى أن الفريق مدد مجلس حقوق الإنسان ولايته في أكتوبر 2025 لمدة ثلاث سنوات، ما يؤكد استمرار الحاجة إلى آلية دولية تتابع حالات الحرمان التعسفي من الحرية وتخاطب الحكومات بشأنها.
وبيّن التقرير أن الفريق عقد خلال عام 2025 ثلاث دورات، وأجرى زيارة إلى أستراليا في الفترة من 1 إلى 12 ديسمبر من العام نفسه، كما واصل التواصل مع الدول والمنظمات غير الحكومية لجمع المعلومات المتعلقة بالحرمان التعسفي من الحرية.

210 أشخاص في 38 دولة

وكشف حجم البلاغات والآراء التي نظر فيها الفريق خلال عام واحد اتساع نطاق الظاهرة وتنوع السياقات التي تظهر فيها. فقد تناولت الآراء المعتمدة في عام 2025 حالات في دول من مناطق مختلفة، بينها تونس والجزائر وبيلاروس وميانمار وفنزويلا والصين و إيران والعراق وروسيا وتايلند وبنغلاديش وكوبا وغيرها.

وأظهرت الحالات أن الاحتجاز التعسفي لا يرتبط بنمط واحد، ففي بعض القضايا استمر الاحتجاز رغم انتهاء مدة العقوبة، وفي قضايا أخرى ظل أشخاص خلف القضبان في حين اعتبر الفريق العامل أن احتجازهم يفتقر إلى الأساس القانوني أو ينتهك حقوقهم في المحاكمة العادلة أو حرية التعبير والمشاركة السياسية.

وسجل التقرير، على سبيل المثال، حالات أشخاص ظلوا محتجزين رغم صدور آراء اعتبرت احتجازهم تعسفياً، في حين أفرج عن آخرين بعد العفو أو انتهاء العقوبة أو نتيجة إجراءات قانونية لاحقة، وأوضح أن الإفراج عن بعض المحتجزين يمثل استجابة مهمة، لكنه لا يعني بالضرورة تنفيذ الرأي الأممي بصورة كاملة، خصوصاً عندما لا يحصل الضحايا على التعويض أو غيره من أشكال الجبر.

السجن بعد انتهاء العقوبة

وأبرز التقرير مفارقة قاسية في عدد من الحالات؛ إذ يستمر الشخص في فقدان حريته حتى بعد انتهاء العقوبة التي صدرت بحقه، وسجل الفريق حالة في ميانمار ظل فيها أحد الأشخاص محتجزاً رغم انتهاء مدة عقوبته في يناير 2026، كما أشار إلى حالات أخرى بقي فيها المحتجزون خلف القضبان رغم صدور أحكام أو قرارات أممية بشأن الطبيعة التعسفية للاحتجاز.

وسجل التقرير كذلك حالات أفرجت فيها السلطات عن محتجزين بعد صدور العفو أو اتخاذ إجراءات بديلة. ففي إسواتيني، على سبيل المثال، حصل أحد الأشخاص على عفو ملكي مشروط تضمن تعهدات تمس حرية التعبير والتنقل والنشاط السياسي، وفي حالات أخرى، أفرجت السلطات عن أشخاص في فنزويلا أو إيران أو ليبيا أو غيرها بعد صدور آراء الفريق العامل.

وأكد الفريق أن هذه التطورات الإيجابية لا تلغي استمرار المشكلة؛ لأن بعض الحكومات لا تنفذ الآراء أو ترفض نتائجها، في حين يستمر أشخاص في الاحتجاز رغم مطالبة الفريق باتخاذ خطوات لمعالجة الانتهاكات.
المحاكمة العادلة في قلب القضية

وأكد التقرير أن مشروعية الاحتجاز لا تنفصل عن الحق في المحاكمة العادلة. فحتى عندما تستند السلطات إلى أمر قضائي أو إلى تشريع وطني، فإن الإجراءات التي تحرم الشخص من الضمانات الأساسية قد تجعل الاحتجاز تعسفياً وفق المعايير الدولية.

وشملت الضمانات التي ركز عليها الفريق الحق في معرفة أسباب القبض والاحتجاز، والحق في الطعن في مشروعية الحرمان من الحرية، والحق في الدفاع والمساعدة القانونية، والحق في محاكمة مستقلة ونزيهة، والحق في الرعاية الصحية والتواصل مع الأسرة والمحامين.

وأظهرت بعض ردود الحكومات الواردة في التقرير اختلافاً واضحاً مع استنتاجات الفريق. فقد أكدت حكومات أن الاحتجاز جرى بموجب أوامر قضائية وأن المتهمين حصلوا على الضمانات القانونية، في حين تمسك الفريق في بعض الحالات باستنتاجاته بشأن الطبيعة التعسفية للاحتجاز.

الاحتجاز بوصفه أداة لقمع التعبير

وكشف التقرير بُعداً آخر للظاهرة يتمثل في استخدام الحرمان من الحرية لمعاقبة أشخاص بسبب ممارستهم حقوقاً أساسية، وعلى رأسها حرية التعبير والمشاركة السياسية والنشاط الحقوقي.

وأشار الفريق إلى أن بعض حالات الاحتجاز تصبح تعسفية عندما ترتبط بممارسة الشخص لحقوقه السياسية أو التعبير عن رأيه أو عمله في مجال حقوق الإنسان، خصوصاً عندما تستخدم السلطات قوانين فضفاضة أو إجراءات استثنائية لمعاقبة النشاط السلمي.

وسجل التقرير حالة في إسواتيني ارتبط فيها الإفراج عن أحد المحتجزين بعفو ملكي مشروط تضمن تقييد حريته في التعبير والتنقل وممارسة النشاط السياسي، وهو ما يوضح كيف يمكن أن يستمر أثر الاحتجاز حتى بعد مغادرة السجن.

عندما تعبر المطاردة الحدود

وانتقل التقرير إلى أحد أكثر الجوانب إثارة للقلق، وهو القمع العابر للحدود الوطنية الذي وصفه الفريق بأنه يشمل أفعالاً أو عمليات توجهها الدولة أو وكلاؤها ضد أشخاص خارج أراضيها بهدف ردعهم أو معاقبتهم بسبب انتقادهم أو معارضتهم أو دفاعهم عن حقوق الإنسان.

وأوضح التقرير أن هذه الممارسات قد تشمل الاختطاف والنقل القسري والإعادة القسرية والتسليم والملاحقة القضائية خارج الدولة، وهي ممارسات قد تؤدي إلى الحرمان التعسفي من الحرية عندما تتجاهل الضمانات القضائية الأساسية.

وحذر الفريق من أن التعاون بين الدول في المجال الجنائي ينبغي ألا يتحول إلى قناة للاضطهاد السياسي. وأشار إلى أن بعض الدول قد تستخدم طلبات التسليم أو الملاحقات القضائية أو آليات الشرطة الدولية بوصفها وسيلة لملاحقة معارضين أو مدافعين عن حقوق الإنسان أو صحفيين أو أفراد ينتمون إلى مجموعات أقلية.

وشدد على أن الدول لا يجوز أن تسلم شخصاً أو تنقله عندما توجد أسباب وجيهة للاعتقاد بأن الملاحقة القضائية تستند، كلياً أو جزئياً، إلى آرائه السياسية أو أنشطته الحقوقية أو الصحفية، أو عندما لا توفر الدولة الطالبة الحد الأدنى من ضمانات الاستقلال والنزاهة والمحاكمة وفق الأصول.

645 بلاغاً ورسالة

وسجل التقرير نشاطاً واسعاً للفريق في التواصل مع الحكومات خلال عام 2025، فقد تلقى الفريق حالات وبلاغات مرتبطة بأكثر من 645 شخصاً، وأرسل 23 نداءً عاجلاً، بينها 22 نداءً إلى حكومات ونداء واحد إلى جهة فاعلة أخرى، بشأن ما لا يقل عن 37 شخصاً.

كما أرسل الفريق 148 رسالة ادعاء ورسائل أخرى، بينها 132 رسالة إلى 68 حكومة، و16 رسالة إلى جهات فاعلة أخرى، تناولت ما لا يقل عن 608 أشخاص.

وشملت قائمة الدول التي تلقت رسائل ادعاء دولاً عربية عدة، بينها الجزائر والعراق و لبنان والمغرب والسودان وسوريا وتونس، إلى جانب عشرات الدول الأخرى.

وتكشف هذه الأرقام أن عمل الفريق لا يقتصر على إصدار قرارات أو آراء بعد وقوع الانتهاك، وإنما يعتمد أيضاً على مخاطبة الحكومات بصورة عاجلة عندما تظهر مخاطر على حياة المحتجز أو سلامته أو حريته.

الانتقام من الضحايا

وحذر الفريق من مشكلة لا تقل خطورة عن الاحتجاز نفسه، وهي الانتقام والترهيب الذي قد يتعرض له الأشخاص الذين تعاونوا مع آليات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

وقال التقرير إن الفريق لا يزال يتلقى معلومات عن أعمال انتقامية وترهيبية تستهدف أشخاصاً سبق أن كانوا موضوع نداء عاجل أو رسالة أو رأي صادر عن الفريق، أو شاركوا في قضايا انتهت إلى توصيات من الآلية الأممية.

وأكد الفريق أن الدول مطالبة بوقف هذه الممارسات، ومنع أي إجراء يستهدف الأشخاص بسبب تعاونهم مع الأمم المتحدة أو تقديمهم معلومات عن انتهاكات حقوق الإنسان.

الضمانات تبدأ قبل باب السجن

وأعاد التقرير التذكير بأن مواجهة الاحتجاز التعسفي لا تبدأ داخل السجن، وإنما منذ اللحظة الأولى التي يفقد فيها الإنسان حريته.

ويعني ذلك ضرورة وجود أساس قانوني واضح لأي احتجاز، وإبلاغ الشخص بأسباب القبض عليه، وتمكينه من الطعن في قانونية احتجازه أمام جهة قضائية مستقلة، وضمان وصوله إلى محامٍ، والسماح له بالتواصل مع أسرته، وتوفير الرعاية الصحية، وإجراء المحاكمات ضمن إطار زمني معقول، وعدم استخدام الاحتجاز عقوبة غير معلنة على ممارسة الحقوق والحريات.

وشدد الفريق على ضرورة أن تحصل الدول على موارد بشرية كافية لتمكين الآلية الأممية من أداء ولايتها بفاعلية، كما دعاها إلى تعزيز التعاون، والاستجابة للبلاغات، وقبول طلبات الزيارات القطرية، وتوفير ضمانات إجرائية كاملة في القضايا التي تتعلق بالحرمان من الحرية.

الجبر لا يقل أهمية عن الإفراج

وأظهر التقرير أن الإفراج عن المحتجز يمثل خطوة ضرورية لكنه لا يكفي وحده لمعالجة الانتهاك، فالشخص الذي فقد حريته بصورة تعسفية قد يكون قد خسر عمله ودخله وعلاقاته الأسرية وصحته وسمعته، وقد يخرج من السجن حاملاً آثاراً نفسية واجتماعية واقتصادية طويلة الأمد.

ولهذا أكد الفريق أهمية توفير سبل الانتصاف والجبر، ومنها التعويض ورد الاعتبار والتحقيق في الانتهاكات وإصلاح التشريعات والممارسات التي سمحت بوقوع الاحتجاز التعسفي.

وسجل التقرير حالات عدة أفرجت فيها السلطات عن أشخاص دون أن يحصلوا على تعويض أو جبر، وهو ما أبقى جزءاً من الانتهاك قائماً حتى بعد انتهاء الاحتجاز.

مسؤولية لا تنتهي عند الحدود

وأكد التقرير أن احترام الحق في الحرية لا يرتبط فقط بما تفعله الدولة داخل حدودها، وإنما يمتد إلى الأفعال التي تقوم بها أو تسمح بها خارج أراضيها. فعندما تستخدم دولة أخرى لتوقيف شخص أو نقله أو تسليمه دون ضمانات قضائية حقيقية، يمكن أن تتحول أدوات التعاون الدولي إلى وسيلة للاضطهاد بدلاً من تحقيق العدالة.

ودعا الفريق الدول إلى تطبيق القواعد القانونية الدولية بصورة متسقة، خصوصاً ما يتعلق بالحق في الحرية والمحاكمة العادلة وحظر التعذيب والإعادة القسرية وحماية الأشخاص من الاختفاء القسري، إضافة إلى حماية المدافعين عن حقوق الإنسان.

وبينما تظهر في التقرير حالات انتهت بالإفراج أو العفو أو إعادة المحاكمة أو اتخاذ إجراءات قانونية جديدة، فإن استمرار مئات القضايا التي احتاجت إلى تدخل آلية أممية يكشف أن الاحتجاز التعسفي ما زال يمثل اختباراً حقيقياً لسيادة القانون وحماية الحقوق الأساسية.

وبالنسبة للإنسان الذي يقف خلف القضبان دون أساس قانوني عادل، لا يصبح السؤال مجرد موعد للخروج من السجن، وإنما يصبح سؤالاً أعمق عن قيمة القانون نفسه: هل تحمي القواعد الإنسان عندما تتعارض مصالحه مع سلطة الدولة، وهل يستطيع أن يطرق باب القضاء عندما تصبح الحرية رهينة لقرار أمني أو سياسي؟.

يؤكد تقرير الفريق العامل أن الإجابة لا يمكن أن تكون بمجرد وجود قانون يسمح بالاحتجاز، وإنما بوجود قانون عادل، وقضاء مستقل، ومحاكمة نزيهة، ورقابة فعالة، وسبل انتصاف حقيقية، وعندما تغيب هذه الضمانات، يمكن أن تتحول القضبان من مكان لتنفيذ حكم قضائي مشروع إلى أداة لسلب الحرية، ويصبح الاحتجاز نفسه انتهاكاً مستمراً للحق الذي يفترض أن تحميه الدولة.